ألم... لم يكن مجرد إحساس عابر، أو ومضة من الوجع تخبو بعد ثوانٍ. كان هو الوجود كله. كان هو المادة التي صُنع منها الكون في تلك اللحظة.

كان هو الألم.

لم يكن هناك سماء، ولا أرض، ولا أسواق بدائية، ولا سحالي تشبه البشر. لم يكن هناك سوى الألم، يتدفق في عروقه بدلاً من الدماء، وينبض في خلاياه بدلاً من الحياة. تكرر الإحساس وتضاعف حتى بدا وكأن الجدران والأرصفة والهواء نفسه ملطخ ومشبَع بهذا الوجع الفظيع. حتى محفظته الجلدية، والدنانير العشرة المعدنية التي لا قيمة لها، وتفكيره في منزله البعيد، كل فكرة طرأت على عقله المتهالك لم تكن سوى وقودٍ زاد من وطأة الألم عليه، وجعله يتلوى في جحيم داخلي لا ينتهي.

كانت أفكاره، بل كينونته وهويته واسمه "زين"، كلها مفاهيم تلاشت وتبخرت، ولم يتبقَ منها سوى شظايا ملطخة بالألم النقي.

القلق الذي اعتصر قلبه فور وصوله إلى هذا العالم، الارتباك من الكلمات المقلوبة التي ألقاها البائع، التوتر الناجم عن نظرات المارة الخبيثة، الحزن على واقع تخلّى عنه، الغضب من عجز سحره المزعوم، واليأس الأسود الذي تملكه وهو يرى السكين تخترق جسده مراراً وتكراراً... كل هذه المشاعر الإنسانية المركبة كانت بلا أدنى معنى في مواجهة الطغيان المطلق للألم.

كانت بلا معنى. نعم، كانت بلا معنى تماماً.

الأفكار التي حاول بها ترتيب تفسير منطقي لما يحدث، الأفعال الخرقاء التي اتخذها بهروبه نحو الزقاق المظلم، التأملات في طبيعة هذا العالم الجديد، الآراء التي كونها عن أشباه البشر، الآمال الوردية في بناء "حريم" وإنقاذ العالم كأبطال الأنمي، والذكريات التافهة عن تهربه من حصص المدرسة الثانوية في العراق وقسوة والديه... كلها كانت بلا معنى على حد سواء. تساوت العظمة بالحقارة، والماضي بالمستقبل، في دقيقة واحدة تحت نصل الجلاد.

أما بالنسبة لتلك الأشياء التي كانت تجسيداً للعدمية والعبث، فما الذي يمكن تقديره أو التمسك به عندما يتم طعنها، وتحطيمها، ونزعها قطعة بعد قطعة، وفقدانها في النهاية وسط بركة من الدماء الدافئة؟ ما الذي يتبقى من كبرياء إنسان عندما تُقتلع أظافره العشرة بآلة حديدية باردة، ويُبتر إصبع قدمه الأكبر، وتُفقأ عينه اليسرى لتتحول رؤيته إلى نصف ظلام ونصف عذاب؟

لم يكن زين يدرك وجوده، أو يشعر بأنه ما زال يتنفس، إلا من خلال ذلك الألم الذي لا ينتهي، الوجع الذي حُفر ونُقش وكُتب بأحرف من نار في سويداء روحه.

ثم فجأة... وبلا مقدمات، بدأ الألم الذي لا ينتهي بالتلاشي. نسيم بارد، واختفاء تدريجي للتقلصات الحارقة في أحشائه.

"آآآآآآآآآآآه!!"

استيقظ وهو يصرخ بكامل ما تبقى في حنجرته من قوة. صرخة رعب هزت كيانه، صرخة خرجت من أعماق الجحيم الذي اختبره للتو.

في هذه اللحظة، كان عقله ما يزال يعيش في الزقاق المظلم. حتى حقيقة أن حلقه الصارخ قد سُحق قبل لحظات تحت وطأة الخنق، وغرق وسط الدم القاني المتدفق من جبهته المطعونة، لم تعد الآن سوى ذكرى مشوشة، كابوس عابر استيقظ منه ليعود إلى حقيقة أخرى قد تكون أكثر رعباً.

"اااااااااه!!"

أثناء صراخه الهستيري المتواصل، تشنجت عضلاته تلقائياً. حاول حماية جسده من طعنات السكين الوهمية التي ما زال يتخيلها تخترق حشاياه، مستخدماً ذراعيه وساقيه في حركة دفاعية يائسة. كان من المفترض، بحسب ما اختبره قبل ثوانٍ، أن تكون ذراعاه مطعونتين، ومثبتتين بمسامير أو سكاكين حادة في الأرض الطينية للزقاق، وغير قادرتين على الحركة تماماً بفعل التمزق العضلي الشديد، ومع ذلك... فقد تحركتا الآن بحرية في الهواء.

على الرغم من تحركهما بشكل طبيعي، فقدَ زين توازنه تماماً؛ لأن جسده ونظامه العصبي كانا لا يزالان غارقين في إحساس انعدام الوزن، ذلك الشعور المرعب بالهبوط والسقوط الذي شعر به عندما قُطِع رأسه في المرة الأولى. تداخلت الذكريات والخطوط الزمنية في عقله، ولذلك ترنح وسقط بجسده بالكامل على الأرض الصلبة.

"غوه..."

حاول الكلام، حاول أن يصرخ طالباً النجدة، أو أن يشتم هذا العالم، أو أن يسأل عن هويتهم، لكن لم يخرج منه شيء يشبه الكلام البشري. كانت حباله الصوتية متشنجة، وصدره يضيق برعب يفوق قدرة الاستيعاب. ثم تدحرج على الأرض مرتين، كحيوان مذعور يحاول النجاة من صياد غير مرئي.

كان ملمس الأرض غريباً ومألوفاً في آن واحد؛ شعر وكأن هناك حبلاً سحرياً خفياً يشد جسده إلى الأسفل، يربطه بهذا المكان اللعين ويدفعه إلى الجنون. فتح حلقه، الذي كان ينقبض ويتوق بشدة للأكسجين بعد أن تخيل اختناقه بالدم، فدخل الهواء البارد فجأة إلى رئتيه، وشعر على الفور بألم لاذع يصيب قصيباته الهوائية، مما أدى إلى نوبة سعال عنيفة وممزقة.

لم يستطع جهازه الهضمي والبيولوجي تحمل هذا الحجم من الرعب النفسي، فتقيأ. كانت معدته شبه فارغة، لم يدخلها شيء منذ أن كان في مدينته في العراق قبل أن ينقلب به الكون. وخرجت من فمه اللاذع قطع من العصارة الصفراء والقيء كريه الرائحة، لتتناثر على الأرض المرصوفة بعناية.

"بلرغ، بوه! جوه، جوه، ارغ! جاه، هوو!"

كان يسعل بشدة لدرجة الدوار، ويبصق بعض المادة الصفراء المرة التي تركت طعماً حامضياً حارقاً في لسانه، وتغطى وجهه المتجعد بالكامل بالدموع الساخنة والمخاط واللعاب. انكمش على نفسه في وضعية الجنين، وهو يغطي وجهه بكلتا يديه المرتعشتين اللتين كان يتفحص أظافرهما بعينيه ليتأكد من وجودهما، وبدأ يضرب جبهته بالأرض مراراً وتكراراً بضعف وانكسار، وكأنه يتوسل للأرض أن تنشق وتبتلعه.

وبعد تكرار هذه الحركة المؤلمة لعدة ثوانٍ، لاحظ عقله المشتت الحقيقة أخيراً.

―― أن الألم الشديد، والتمزق الفظيع الذي هاجم جسده كالحرارة المشتعلة وهو يُسحق ويُقطع إرباً، قد اختفى تماماً. لا توجد ثقوب في جسده، لا توجد دماء حقيقية على قميصه، وعينه اليسرى ترى بوضوح.

"―― آه؟"

لقد فوجئ كثيراً باختفاء ألمه فجأة، وصُدم من هذه المعجزة أو اللعنة، لدرجة أنه من شدة ذهوله لم يدرك حتى الآن أن شخصاً ما كان يقف بجانبه، ويربت على ظهره برفق ومواساة.

"ريخب تنا له؟"

ترددت هذه الكلمات الغريبة في أذنيه، وانعكست في عينيه المحمرتين الملطختين بالدموع صورة الشخص الذي كان يربت على ظهره.

رغم ضبابية رؤيته وتشوش حواسه بفعل الصدمة، كانت صورة بائع البرتقال واضحة تماماً؛ رجل ضخم، بشعر أزرق يشبه السماء الصافية وعينين زيتيتين تحملان ملامح الذهول. كان تعبير وجهه قلقاً ومستغرباً من حالة الهلع الشديد التي أصابت هذا الشاب الغريب، وهو يربت على ظهره بيده الكبيرة. أطلق زين زفيراً مكتوماً، وارتجف فكه.

"له..."

"آ ..."

تمتم بحروف متقطعة لا معنى لها، ثم لوى جسده بعنف ونفض اليد ذات البنية العضلية القوية التي كانت تلمس ظهره. تراجع إلى الخلف بسرعة كمن تعرض لصعقة كهربائية.

وبينما كان يفعل ذلك، لمعت نظرة دهشة خاطفة وانزعاج في عيني الرجل الذي كان يربت على ذراعه حتى تلك اللحظة، وكأنه لم يفهم سبب هذا النفور والذعر غير المبرر. لكن الشخص الذي تضررت روحه وتحطمت كينونته بشدة هنا هو زين، وليس البائع.

ظهره...

كان يلمس ظهره!

تذكر زين بدقة مرعبة قبل لحظات فقط في الزقاق، كان أحدهم يلمس ظهره... طعنة السكين الأولى جاءت من الخلف! اللمسة من الخلف كانت دائماً مقدمة للعذاب الشديد والموت الزؤام. كل لمسة الآن هي تهديد بالقتل، كل تقارب هو نصل مستعد للاختراق.

"آه."

قفز إلى الوراء بجرعة أدرينالين نقية محاولاً الفرار منه والابتعاد عن متناول يده، فشعر بقشعريرة باردة تسري في عموده الفقري وتجمد أطرافه. لكن ساقيه، اللتين كانتا ترتعدان كأغصان في مهب الريح، انهارتا تحته ولم تقويا على حمله، فسقط بقوة على مؤخرته

.

وبينما كان جسده يسقط متراجعاً، لم يصطدم بالأرض المرصوفة مباشرة، بل خفف من وقع الصدمة وجودٌ خشنٌ أسودٌ متحرك تحته.

"――――"

تصلب جسده. نظر إلى أسفل ببطء، فرأى عيون مخلوق زاحف ضخم، سحلية عملاقة تحدق به ببرود حيواني، فانتفض فزعاً وكاد قلبه يتوقف. ولما رأى أنيابها الطويلة الحادة التي تصطف في فمها الواسع، وتفرز لعاباً لزجاً، أدرك فجأة بوعيه الغريزي المذعور أنها ليست مجرد وسيلة نقل في هذا العالم، بل هي سلاح فتاك يمكن استخدامه بسهولة لتمزيقه وقضم عظام صدره.

"―― ااااه!!"

صرخ مجدداً بصوت مبحوح، محاولاً الفرار بأي طريقة. زحف على أربع مبتعداً عن السحلية، فرأى أمام عينيه ساق أحدهم يقف في طريقه؛ لم يجرؤ حتى على رفع نظره ليرى وجه هذا الشخص، بل دفع بيده ذلك الظل الذي يعترض طريقه بكل ما أوتي من قوة، متدحرجاً إلى الجانب ليتفادى أي مواجهة.

"لجر اي!"

بصوت حادّ وعالي النبرة، صرخ ذلك الشخص المتضرر من دفعة زين، لكن المعنى لم يصل إلى عقل البطل المتهالك؛ لأن لغة هذا العالم كانت طلاسم غير مفهومة، ولأنه في تلك اللحظة رفع يديه وغطى أذنيه بإحكام ليمنع دخول أي صوت قد يزيد من جنونه.

انطلق فوراً، مستنداً على جدران المباني، نحو الفجوة الضيقة الواقعة بين البيوت الحجرية والأسواق الصاخبة. وبّخ ساقيه المرتجفتين اللتين تكادان تخذلانه، وبصق لعاباً ممزوجاً بمرارة الخوف، ثم قفز خارج المكان المزدحم. ركض دون توقف، ودون أن ينظر أمامه.

توقف فجأة بعد أن قطع عدة أمتار، وشعر بألم حاد ومفاجئ يسري في سائر جسده. كان ألمًا نفسيًا انعكس جسديًا؛ احمرّ بصره تماماً وتلونت الرؤية باللون القرمزي، وتخيّل في ذهنه صدى تكسّر عظامه وسماع طقطقة مفاصله كما حدث له تحت أقدام الملثمين.

تفقد ذراعه اليمنى، تلك الذراع التي كانت مثبتة بسكين في الأرض قبل قليل. تحركت ذراعه اليمنى المصابة (في ذاكرته) بشكل طبيعي الآن. ضرب الحائط الحجري بقبضته ليتأكد من أنها تتحرك بشكل طبيعي بالفعل، ومن أن العظام سليمة. شعر بألم الاصطدام الحقيقي مجدداً. صرخ مجدداً جراء الهلع والألم الطفيف.

بعد أن استند بجسده المنهك إلى الحائط البارد، أخذ نفساً متقطعاً، ثم انطلق في ركض متذبذب غير متزن، كسكير يحاول الهروب من حبل المشنقة.

"هاه، هف، هف... هك!"

كان يلهث بشدة، ويسيل لعابه من فمه دون وعي، ويتصبب العرق البارد كالمطر من جبينه الشاحب، واستمر في الركض في الممر الضيق بأقصى سرعة ممكنة تولدها غريزة البقاء البشري.

شعر برعب دائم، رعب يقين بأن هناك خطى خفية تتبعه من الخلف، وأن الملثمين ذوي الأقنعة التي تحمل شكل اليد المرفوعة يلاحقونه عبر الظلال. قاوم مرارًا وتكرارًا رغبته الغريزية في النظر خلفه؛ لأنه كان يعلم بقرارة نفسه أنه لو نظر وتأكد من وجود من يتبعه، لكانت تلك الصدمة فوق طاقة قلبه الصغير. شعر وكأنه على وشك الانفجار والموت سكتةً قلبية.

شعر وكأن قلبه على وشك الانفجار من فرط دقاته التي تجاوزت حد الأمان البشري، وكأن الدم الدافئ داخل عروقه بدأ يتعفن ويتحول إلى سم أسود، وكأن جسده بالكامل على وشك التحطم من القدمين إلى الأعلى مثل تمثال زجاجي رقيق يتعرض لموجة صوتية مدمرة.

سواء كان هذا الشعور بالملاحقة مجرد حدس واهٍ وتوهم ناجم عن الصدمة، أو كان حقيقة موضوعية مرعبة، كان هناك شيء واحد واضح وجلي في عقله الباطن ―― الحقيقة المطلقة التي لا تتزعزع ولا تقبل الجدال، وهي أنه إذا استمر هذا الوضع، وإذا توقف عن الركض، فسوف يموت مجدداً بأبشع الطرق.

لقد وُلد الناس في كوكب الأرض وفي كل مكان ليُفسدوا ويموتوا.

كل واحد ثانٍ يمر في هذه الحياة سيكبر في السن حتماً، وكل واحد ثانٍ سيتجه بخطى وئيدة نحو الموت المحتوم، وكل واحد ثانٍ سيسقط في النهاية ليصبح جثة هامدة تحت التراب. هذه هي سنة الطبيعة التي يعرفها زين.

مع ذلك، فإن مفهوم الموت الطبيعي هذا، الموت الهادئ على سرير المستشفى أو جراء الشيخوخة، لم يكن يعني شيئاً بالنسبة له في الوقت الراهن. الموت الذي يواجهه هنا ليس رحيلاً سلساً.

في صورة ذهنية متطرفة ووحشية، كان الموت يقترب منه ككائن تجريدي بخطى ثابتة وسريعة، محاصراً إياه... محاصراً هذا الشاب العادي، القبيح والمخزي في هروعه، الذي كان يكافح ويتخبط في أوساخه للفرار، كما لو كان الموت يسخر من محاولاته البائسة للنجاة.

ركض... هرب... هرب على أي حال، دون بوصلة، دون هدف، ودون معرفة أين يذهب.

كان الموت يلاحقه. سيُقتل حتماً. سيُقتل. وبهذا المعدل من التخبط، سيُقتل مجدداً.

رغم أنه قد قُتل بالفعل مرتين (مرة بقطع الرأس ومرة بالتعذيب والطعن في الجبهة)، إلا أنه سيُقتل مرة أخرى ويفقد أنفاسه. أو، في ظل هذا العذاب الشديد والتكرار اللانهائي، هل من الممكن ألا يموت أبداً؟ هل سيبقى عالقاً في هذه الحلقة إلى الأبد؟ هل هذا لغز من ألغاز الحياة والكون الجديد؟ سيكون ذلك الخيار مقززاً للغاية، جحيماً أبدياً يفوق تصور دانتي نفسه.

كان وصف ما يحدث له بأنه "لغز" وصفاً مبالغاً فيه إلى حد كبير ويحمل طابعاً أسطورياً لا يستحقه. لقد كان مجرد تعلق بغيض، وغير لائق، ومقرف بروح ترفض المغادرة وجسد يعيد بناء نفسه ويسحب وعيه إلى نقطة الصفر.

بل، ألا ينبغي أن يكون ميتاً الآن؟ كيف يعقل لشخص طُعن في جبهته ونُزعت أظافره وعينه أن يقف هنا مجدداً ويسعل ويركض؟

"-―هون"

أصدر صوتاً خافتاً يشبه الأنين. كانت دقات قلبه عنيفة، أشبه بانفجارات متتالية هزّت طبلة أذنيه، وكان بصره يرتعش ويختفي بانتظام جراء نقص الأكسجين والضغط العصبي. حتى أنفاسه المتقطعة كانت تشبه أنفاس طفل رضيع يمر بنوبة بكاء هستيرية. كان منظره الهزلي عند هروبه الذليل من خوفه من الموت غريباً ومثيراً للشفقة والاشمئزاز للغاية.

ومع ذلك، وعلى الرغم من طرافة الموقف وغرابته لو رآه أحد من بعيد، لم يكن هناك متسع للضحك أو السخرية. كل شيء، كل زاوية جدار، كل ظل برميل، كل همسة مارة، كان بالنسبة لزين مصدراً للخوف النقي.

"――――"

وصل إلى مرحلة من الذعر كاد فيها يفقد القدرة على تتبع الطرقات أو تمييز الأماكن التي كان يركض عبرها؛ فقد بدت له جميع الأسواق الحجرية، والمنعطفات الضيقة، والأزقة الملتوية التي مر بها متشابهة تماماً، كأنه يركض داخل متاهة حجرية صُنعت خصيصاً لتعذيبه وتضليله.

إن كان هناك شيء واحد فهمه واستوعبه عقله الصغير، فهو أنه لا ينبغي له العودة مطلقاً من حيث أتى، لا ينبغي له الاقتراب من ذلك الزقاق المظلم أو التحدث إلى السحالي. مع ذلك، إذا استمر في الهروب والركض بهذه الطريقة العشوائية غير المدروسة، فسوف يضل طريقه تدريجياً ويسقط من التعب.

وإذا ضلّ طريقه وانهار جسده، سيلحق به أحدهم حتماً من أولئك الملثمين. وإذا لحق به أحدهم، فسيفقد حياته مجدداً ويعود إلى نقطة البداية عبر بوابة الألم المطلق.

لماذا؟ لماذا حياته هو بالذات؟ لماذا تم استدعاؤه إلى هذا العالم إن كان مقدراً له أن يكون كيس ملاكمة لملثمين مجهولين؟ مثل هذا السؤال الفلسفي الآن لا طائل منه ولا يقدم عشاءً ولا ينقذ رقبة.

لم يكن لديه رفاهية الوقت أو التفكير فيما إذا كان سيتجه نحو اليسار أو نحو اليمين عند كل تقاطع.

أثناء هروبه المستمر من الموت الذي قد يلحق به ويقبض على عنقه حتى في هذه اللحظة بالذات، ترنح وضعف، فوضع يده اليمنى على الحائط الخشن، معتمداً عليه ليمنع نفسه من السقوط، بينما كان يلهث بشدة مستجدياً الحصول على ذرة هواء، وقد انقطع نفسه تماماً وشعر بحرقان في صدره.

كان الأمر في عقله أشبه تماماً بشعوره المروع بالغرق في مستنقع عميق.

كان الأمر كما لو أنه يكافح ويفرفر من أجل الخروج من تحت سطح الماء والوصول إلى بصيص نور، على الرغم من عدم وجود قطرة ماء واحدة في أي مكان هنا على أرض هذا السوق الحجري الجاف.

يغرق... يغرق في لجة الخوف... يكافح وهو يغرق ويتشبث بالسراب... يتجه نحو سطح الماء الوهمي... يركل بساقيه ويكافح... يركل ويكافح... يركل ويكافح دون جدوى... يتخبط... يتخبط... يتخبط كطير مذبوح.

ركض...

أصبح الركض والهرب هو الهوية الجديدة لزين، أصبح وكأنه كل حياته ومبرر وجوده الحالي.

لا يريد الالتفات خلفه لمعرفة الحقيقة، لا يريد عيش هذه الحياة المقرفة في هذا العالم الخيالي اللعين، يريد فقط الهرب...

يريد الاختباء في أعمق حفرة ممكنة...

يريد أن لا يوجد، أن يُمحى وجوده واسمه من هذا العالم بالكامل ويعود عدماً كما كان.

ما الفائدة من كل هذا؟

لماذا يحدث هذا له هو بالذات؟ شاب عراقي تافه لم يؤذِ أحداً سوى نفسه بتهربه من المدرسة.

لا أريد البقاء هنا... لا أريد البقاء هنا...

أريد العودة إلى المنزل! أريد العودة إلى المنزل! أريد العودة إلى المنزل! أريد العودة إلى المنزل! أريد العودة إلى المنزل! أريد العودة إلى المنزل!

ترددت هذه العبارة داخل عقله كأغنية جنائزية، نوبة هستيرية متكررة لا تتوقف، كأنها نعجة مذعورة تهرب من حتفها وسكين الجزار، وتريد العودة بأي ثمن إلى وطنها وحظيرتها الآمنة المليئة بالعشب الأخضر البعيد عن الذئاب.

لكن لا... لن يعود. في أعماق قلبه المكسور، هو يعرف حقيقة الأمر؛ هو يدرك ويضمن أنه لن يعود إلى كوكبه الأصلي بهذه السهولة. هو عارف وموقن أن صراخه وتمنياته لن تفيد شيئاً ولن تغير من واقع الأمر ذرة واحدة. كيف يهرب؟ وأين يذهب؟ كل شيء حوله خراب، كل خيار أمامه مسدود، كل خطوة تؤدي إلى العدم، كل شيء عديم الفائدة. لا يمتلك أي قوة سحرية، لا يمتلك نظاماً رقمياً يساعده، لا يمتلك سلاحاً... هو لا شيء. ماذا يفعل لكي يعود إلى المنزل؟ لا شيء بيده سوى البكاء والركض.

قسوة والديه في الماضي، توبيخهم المستمر له على غياباته وفشله الدراسي، ذلك الواقع الذي كان يهرب منه ويسميه جحيماً... أصبح في نظره الآن شيئاً رائعاً ومقدساً يتمنى نيله! أصبح ذلك الجحيم الأسري القديم أقرب إلى الجنة والنعيم المقيم مقارنة بهذا العالم الخيالي المتوحش.

فقط أعيدوني إلى هناك... لا أريد البقاء... لا أريد عالماً آخر... سحقاً للإيسيكاي وسحقاً للأبطال!

وسط هذه الهستيريا والركض الأعمى، لم يلاحظ زين شيئاً خطيراً يحدث لكيانه اللامادي؛ لم يلاحظ أن في المناطق والبلدان من جسده التي طُعن فيها وسُحق فيها في الخط الزمني السابق (جبهته، عينه، أظافره، ظهره)، كان هناك ظلال تتشكل وتتحرك وتلتصق به.

ظلال داكنة سوداء، لزجة ومقززة، بشعة المنظر ومليئة برائحة العفن البشري والقذارة الميتافيزيقية. ظلال تستهدف روحه مباشرة، وتشعر بها حواسه الباطنية، وتدمر نسيجه النفسي وتلوثه بقذوراتها ونتانتها. ظلال كانت تتغذى على خوفه الصافي، وتنمو مع كل دقة من دقات قلبه المذعور.

شيء مرعب يقود حتماً إلى الجنون المطلق... فالجنون وفقدان العقل هو الحل الوحيد المتبقي والمنطقي الآن للهروب من هذه الصدمة المعرفية. الجنون؟ نعم، الجنون! لا مفر من ذلك المصير البائس، لا مفر من ذلك السقوط العقلاني؛ لأن الواقع الحالي لا يمكن لعقل بشري سوي أن يستوعبه دون أن يتشقق.

معزول في عالم غريب... لا يفهم كلمة واحدة مما يقال له... أحمق يتصرف بحركات مسرحية خرقاء... حثالة يهرب من مسؤولياته... فاشل في حياته السابقة والحالية... قمامة تتقيأ على أرصفة الآخرين... عديم الفائدة تماماً في مواجهة الخطر... هذا ما كان عليه حقيقةً، هذا هو الجوهر الحقيقي لزين، لا يوجد شيء آخر ذو قيمة يدعى "زين".

هو مجرد قمامة بشرية، وهذا ما أثبته طوال ثمانية عشر عاماً قضاها على الأرض؛ عديم الفائدة في كل شيء، حتى هذا العالم الجديد واللعين عرف واكتشف كم كان عدمية وجوده مساوية لنفس وجوده الحالي، فعاقبه بالقتل والتعذيب فور وصوله.

لا شيء يتغير في كينونته، ولن يتغير أبداً، ولن يتغير حالي البائس سواء كنت في العراق أو في هذا العالم الخيالي. سأبقى دائماً الضحية الضعيفة التي تفر من الواقع.

مع مرور ثلاث دقائق كاملة على حالات الهروب الهستيرية والركض المتواصل عبر الممرات الضيقة...

اختفت تلك الظلال السوداء فجأة من جسده وروحه، تاركةً إياه وحيداً وفريداً ومحطماً تماماً... كطفل صغير مرعوب تركت أمه يده في منتصف سوق مزدحم وهي تنظر إليه بنظرات تحتقر وتزدرئ كل خلية وجزء فيه وتتمنى لو لم تلدْه.

ولكن في كلتا الحالتين، وتحت وطأة هذا الانهيار النفسي الكامل، هو لم يعد يهتم بنظرات الاحتقار أو الحب. تساوت عنده الموت والحياة.

لمـ...-

اصطدم!

لقد اصطدم فجأة وبقوة بشيء ما اعترض طريقه.

اصطدم بشيء خشن، صلب، وجاف كالجدار الحجري، لكنه كان جسداً حياً.

لم يكن زين يهتم بطبيعة الشيء أو الشخص الذي اصطدم به؛ لم يكن يريد المعرفة، ولم يعد لديه فضول لاستكشاف أي شيء في هذا العالم اللعين، فكل شيء حوله يشير إلى الموت والألم والعبث المطلق. أراد فقط الهرب.

ولكن، فجأة وبسرعة البرق، قبل أن يرتد إلى الخلف جراء الاصطدام، شعر بـيدين قويتين، باردتين كالثلج، تمسكان برأسه من الجانبين، وتثبتانه تماماً بقبضة حديدية لا يمكن الفكاك منها.

مما جعل زين، بفعل ضغط اليدين وتوجيههما، ينظر مجبراً إلى الشخص الذي يقف أمامه مباشرة ويقبض على جمجمته.

ينظر إليه... هذا الشخص الغامض الذي كان يرتدي عباءة بنية فضفاضة وثقيلة تغطي كل جسده، لكنه بخلاف الملثمين السابقين، لم يكن يرتدي قناعاً يخفي ملامحه. كان وجهه مكشوفاً بالكامل لزين.

عينان زرقاوان صافيتان كبلورات الثلج، تنظران إليه ببرود شديد، برود نابع من أعماق الثلج نفسه، نظرة خالية من أي تعاطف أو إنسانية.

شعر أبيض ناصع كشيب الحكمة أو لعنة السحر، كان يرفرف ويتحرك قليلاً بسبب نسمات الرياح الطبيعية التي تهب في هذا الممر المعزول.

ووجهه... رسمت عليه ابتسامة ساخرة، باردة، ومليئة بالاحتقار الشديد والازدراء لشكل زين المليء بالدموع والقيء والمخاط.

ثم... فتح ذلك الشخص ذو الشعر الأبيض فمه، وألقى جملة طويلة بلغة العالم الاخر، ترددت في مسامع زين كترنيمة موت

<"لهيلإ كلسر فوس سأب لا كما تدقتفا له اذام نم برهتو يكبت زازئمشال ريثم صخش نم كلاي"

ثم فجأة، ودون أي مهلة أو إنذار، شعر زين بألم فجائي وخاطف ينبعث من رقبته، ويصاحبه صوت كسر عنيف وجاف صدع في جمجمته.

لا... لم يكن هذا الصوت يشبه صوت كسر زجاج رقيق أو إناء فخاري.

لم يكن صوت شيء بعيد يحدث في السوق أو جدار يتهدم.

كان قريباً... قريباً جداً... داخل رأسه مباشرة.

صوت كان جافاً وتاماً، كغصن شجرة يابس يُكسر إلى نصفين.

لقد تم كسر عنقه وتدوير رأسه بعنف إلى الخلف بمقدار مئة وثمانين درجة!

لدرجة أن زين، من شدة الصدمة الميكانيكية وتغير زاوية الرؤية، استطاع في جزء من الثانية ――قبل أن تتوقف حواسه وتتحطم شبكة أعصابه―― رؤية محيطه من زاوية خلفية لم يكن ليريدها أبداً. كان المحيط مكاناً مدمراً، مهجوراً، مليئاً بالأوساخ والقاذورات الحجرية، زقاقاً مسدوداً لا يمر به أحد. لم يلاحظ زين في ركضه الأعمى أنه كان يتوجه بملء إرادته إلى مكان معزول تماماً لا يوجد به مارة أو شهود على موته.

ولكن هذا... هذا المنظر البشع ليس الشيء الوحيد الذي وقعت عيناه المحمرتان عليه في تلك الأجزاء من الثانية الأخيرة من حياته.

لقد وقعت عيناه مباشرة على نافذة زجاجية قديمة ومكسورة تعلو أحد الجدران القريبة، ورأى فيها بوضوح... رأى انعكاس جسده.

رأى أن رأسه أصبح مقلوباً وعكس اتجاه جسده تماماً، عيناه تنظران إلى ظهره، ومظهر عنقه الملتوي بشكل مقزز ولا إنساني كدمية مكسورة.

عند هذه اللحظة الخاطفة والمأساوية...

وقبل أن يغطي ظلام الموت المطلق وعي زين، ويقطعه عن العالم مجدداً...

عرف واستوعب شيئاً واحداً، حقيقة وحيدة كان يجب أن يعرفها ويوقن بها منذ اللحظة الأولى التي دافع فيها عن نفسه في هذا العالم

في هذا العالم الشاسع، الغريب، والقاسي... حياته، ووجوده، واسمه، وكل حماقاته وأحلامه، لم تكن سوى هباء منثور، أشياء بلا أدنى قيمة تذكر.

ثم... ساد سواد تام، وغطى الظلام عيناه بالكامل، ليعود إلى نقطة الصفر.

2026/07/14 · 1 مشاهدة · 3399 كلمة
نادي الروايات - 2026