مرحبا بالجميع، هذا الفصل هو إعادة كتابة للفصل الأول الذي لم يكن أفضل شيء.
و كأول فصل أكتبه لم يكن في المستوي المطلوب لذا بعد متابعت هذا الفصل إنتقل للفصل الثاني.
و شكرا على تفهمكم.
——————————————————
الفصل الأول: لا أحد يستطيع الهرب من مصيره
"الحياة ليست عادلة."
هذا ما قاله أرين وهو يجثو بجانب قبر أخيه.
كان الجو غائمًا، لكن السماء لم تُبدِ أي نية لتمطر، وكأنها تشاركه الحزن بصمتها الثقيل. نهض ونفض الغبار عن ركبتيه، ثم سار بين القبور بتعبيرٍ خافتٍ ووجهٍ فقد بريقه منذ زمن. كان آخر فردٍ من عائلته، وهذا وحده كفيلٌ بأن يجعل خطواته أثقل من الصخور.
انحنى أمام قبر والده ووالدته، أزال بعض التراب العالق بالحروف، ثم لاحظ شيئًا غريبًا...
عبارة منقوشة على شواهد قبور عائلته فقط:
"لا أحد يستطيع الهرب من مصيره."
تأملها لوهلة، ثم قال بصوتٍ منخفض: "هل يقصدون أن الموت حتمي؟ حتى البشر يدركون ذلك... لكن لماذا هذه العبارة على قبور عائلتي فقط؟"
زفر تنهيدةً طويلة، ثم غادر المقبرة عائدًا إلى منزله الصغير في ضواحي المدينة. فتح الباب، فرأى الطاولة التي كان يلعب عليها مع أخيه قبل وفاته، وكأن الذكريات تجمّدت في الهواء. جلس على الكرسي بملامح متعبة، وأخذ يتفقد الفواتير والرسائل المبعثرة. كانت أغلبها إشعارات ديون، إلا واحدة... مغلّفة بعناية، وعليها ختم قديم يحمل شعار عائلته.
فتحها ببطء، فقرأ بخطٍ متعرّج: "إلى السيد أرين، نُعلِمك بأنك الوريث الشرعي لمنزل جدك الواقع في ضواحي جبال إيدن."
ابتسم أرين بسخرية وقال: "ورثت؟ من الطبيعي أن أرث... أنا الوحيد المتبقي."
مرّ اليومان التاليان كفراغٍ ثقيل.
لم يفكر أرين في شيء، ولم يحاول حتى. كان كل ما يريده هو أن يبتعد… أي مكان بعيد يكفي.
بعد يومين، خرج من المنزل متجهًا نحو محطة القطار. كانت وجهته منطقة جبلية نائية، تغلفها الغابات والضباب. لم تكن هناك سكة مباشرة، فاضطر إلى تغيير القطار مرتين، ثم أكمل رحلته سيرًا على الأقدام عبر طرق موحلة تحيط بها أشجار عملاقة.
وبعد رحلة شاقة استمرت لساعات، وقف أخيرًا أمام المنزل. همس بصوتٍ خافتٍ مليءٍ بالحنين: "هذا يعيد لي بعض الذكريات..."
ضاع صوته بين الرياح، كأنه يأتي من بعيد. دفع البوابة الحديدية الصدئة، لتصدر صريرًا كئيبًا. في الفناء الواسع، كانت الأشجار والنباتات قد نمت بفوضى، غطت الأرض والجدران، وكأن الطبيعة نفسها ابتلعت المكان.
تقدم بخطواتٍ بطيئة نحو باب المنزل الرئيسي، دفعه بقوة، فتناثر الغبار في الهواء.
وفجأة… تجمّد جسده.
لم يعد قادرًا على التحرك بإرادته. تغيرت ملامحه من الهدوء إلى الصدمة، ثم إلى الذهول. بدأ جسده يتحرك وحده، متجاوزًا الغرف واحدة تلو الأخرى، بينما كانت الفئران تركض على الأرض في كل اتجاه.
حاول المقاومة، صرخ داخل عقله: "توقف!"
لكن جسده لم يستجب.
قادته قدماه إلى أسفل المنزل… نحو القبو.
ذلك المكان الذي لطالما أرعبه في طفولته، حين كان يسمع منه أصوات صراخ مكتومة كل ليلة. وما إن وطئت قدماه الدرج، حتى عادت الأصوات، هذه المرة بوضوحٍ غريبٍ ومألوف:
"لا أحد يستطيع الهرب من مصيره…"
ترددت العبارة مرارًا بصدى متداخل. توقفت قدماه أمام جدارٍ حجري عليه نقش باهت، فانحنت يده — دون إرادته — لتجرح راحته بسكينٍ صدئة.
كان الألم مفاجئًا وخاليًا من المعنى، كضربةٍ بلا مصدر.
ثم بدأ يرسم رمزًا غريبًا على الجدار، رمزًا يشبه دائرة تتوسطها علامات معقدة لا يعرف معناها.
بمجرد اكتمال الرسم، بدأ الفضاء من حوله بالتموج والتشوه. اهتزت الأرض، وصار الهواء ثقيلًا حتى كاد يخنق أنفاسه. سمع أصواتًا مشوشة تنادي باسمه، تتخللها كلمات مبهمة:
"هايدرن…"
"أركيديا…"
وفي لحظةٍ خاطفة… اختفى كل شيء.
وحين فتح عينيه مجددًا، وجد نفسه واقفًا في قاعةٍ عظيمةٍ مهجورة، تتدلى من سقفها ثريات محطمة، وتغطي جدرانها جداريات ممزقة تُظهر وجوهًا مغطاة بالظلال. تسلل البرد إلى عظامه، وهمس بصوتٍ مرتجف: "أين أنا؟"
لم يُجبه أحد، سوى صدى صوته وهو يتلاشى بين الأعمدة الحجرية.
غير أنه لم يلحظ أن في الظلال البعيدة… كانت عينان ذهبيتان تراقبانه بصمتٍ قاتل،
عينان تحملان الغموض نفسه الذي كُتب على قبور عائلته.
يتبع…