الفصل العاشر: بين ظلال لوكسيفار

دخل كلٌّ من فالين وأرين من البوابة الأمامية للعاصمة بعد دفع رسومٍ ضخمة والإجابة عن عشرات الأسئلة الأمنية المرهقة.

تمتم أرين بانزعاج:

"لماذا دفعنا المال وأضعنا وقتنا؟ أليس الأفضل أن تنقلنا للداخل بقدرتك؟ تملك ما يكفي لإخفائنا، ولن يكتشف أحد الأمر."

رد فالين بابتسامة هادئة وهو يسير بخطوات واثقة بين الحشود:

"أضنك لا تفهم شيئًا بعد... العاصمة لوكسيفار ليست مكانًا عاديًا. هنا المقرّ الرئيسي لأعظم العائلات النبيلة في إمبراطورية لوسيان: عائلة الدم الشاحب مورڨال، وعائلة الدم الأزرق أزويان، وعائلة الدم الحديدي دراغور، والعائلة الإمبراطورية هايدرن — أحفاد الملك الأعمى. وعلى أطراف العاصمة يقع مقرّ عائلة الدم النجمي فالرين."

تجمّد تعبير أرين لوهلة ثم قال بصوت منخفض:

"إذاً... لماذا نحن هنا بالضبط؟"

ابتسم فالين بخفة، بعينين تحملان عمقًا غامضًا وقال:

"لأن أخطر مكان... هو أيضًا أأمن مكان."

تابعا سيرهما وسط الشوارع المزدحمة، والقصور البيضاء التي تعانق السماء، والتماثيل التي خُصصت لأبطال الإمبراطورية القديمة. بدا فالين كسائحٍ يعرّف صديقه على المعالم الشهيرة، وأرين أدرك أن هذا ليس عبثًا — فكل هذا السلوك كان تمويهًا متقنًا لئلا يجذب الانتباه.

حتى لو تم فحص ذاكرتهما، سيجد المراقبون ذكريات سطحية فقط، أما الحقيقة فمخبأة خلف ستار من السحر العقلي و التلاعب بالواقع الذي نسجه فالين و أرين بحذر.

توقف الاثنان أمام بوابة ضخمة يتلألأ فوقها شعار من الفضة على شكل ريشة ونصل. قال فالين:

"هذه هي أكاديمية أورفانيس... المكان الذي يُسجَّل فيه أصحاب المواهب. إذا كنت موهوبًا فلن تدفع رسوم الدراسة، لأن الإمبراطورية تحتاجك. أصحاب القدرات يُعامَلون معاملة خاصة — بعضهم يولد بقدرات حديثة غير موروثة، وهؤلاء يؤخذون مباشرة إلى القصر الإمبراطوري لتربيتهم هناك. أحيانًا، من يصل إلى المستوى الثامن في قدرته، يمكن أن يصبح روحًا أصلية... لكن هذا شبه مستحيل، بسبب الصعوبة الهائلة، ناهيك عن قمع العائلة الإمبراطورية لأي صعود خارج سيطرتها."

تأمل أرين الأكاديمية بعينين جادتين وقال بنبرة باردة:

"فالين... إذا أصبحنا أقوياء بما فيه الكفاية، أو إذا ساءت الأمور هنا... فلندمّر هذا المكان اللعين."

رفع فالين حاجبه بدهشة:

"ولماذا تكرهه هكذا؟"

رد أرين بملامح معتمة:

"لدي ذكريات سيئة مع الجامعة... لدرجة أني رغبت في تدميرها. إنها مكان مليء بالنفاق، والدكاترة يظنون أن العالم ملكهم، أما الإدارة فلا يمكن مخاطبتهم بالمنطق. كل شيء قائم على الغرور والنفاق."

نظر فالين إليه نظرة غريبة، كأنه يرى جانبًا لم يعرفه من قبل، ثم ضحك قليلًا وقال:

"عائلة هايدرن الإمبراطورية تركز على الكفاءة في نظامها التعليمي. لا مكان للنفاق هنا. الأكاديمية صارمة... وعادلة."

ابتسم أرين فجأة وقال مازحا بصوت مرتفع:

"فلتَحيا إمبراطورية لوسيان! وتحيا عائلة هايدرن!"

نظر إليه الناس باستغراب، لكنه لم يشعر بأي حرج.

ثم لفت انتباهه متحف مجاور للأكاديمية، فثبت في مكانه فجأة.

لقد رأى مثل هذا التصميم من قبل... القاعة الكبرى التي عُقد فيها مؤتمر ملك الملوك — بنر.

تجمّد دمه في عروقه.

ذلك الكيان الجالس على العرش الذهبي المعلّق فوق العالم، بردائه الذهبي وغطاء رأسه الشبيه بالقلنسوة، بشعره الأبيض المائل إلى الأصفر الذهبي، ولحيته القصيرة المتناسقة، ونظرته المهيبة التي تخترق الروح نفسها.

تلك الهالة التي تجمع بين الاستبداد والغموض، والتي لا يمكن نسيانها حتى لو مرّت آلاف السنين.

فكّر أرين بسرعة:

"لا بد أن هايدرن، ابن بنر، هو من صمّم هذا المكان على شكل القاعة القديمة. لا يمكن أن يحوّل قاعة والده إلى متحف... سيعارض أرڨان الأمر لا بدة أنه تعمد تصميمها بهذه الطريقة . لكن لماذا؟ لا أحد يعرف شكل القاعة الأصلية إلا أحفاد الأركيديا... وسادة الروح العائدين من العصور الأولى. هذا المكان... فخ لابد من وجود مراقبين."

تدارك أرين الموقف بسرعة، وقال بصوت مرتفع:

"يا له من متحف مهيب! لقد صدمت من تصميمه حقًا!"

لكن الهمسات بدأت تنتشر حوله:

"يا له من ريفيّ، ألا يمكنه التوقف عن الصراخ؟ لهذا لا أحب القرويين."

ابتسم أرين بخفة، بينما ظل فالين بجانبه هادئًا، وكأنه يرى كل شيء من وراء ستار.

ثم جاء صوت أنثوي هادئ من بين الحشد:

"أنت ممثل سيّئ... هناك فرق بين الدهشة والهلع."

تصلب جسد أرين لجزء من الثانية. صدمته لم تدم طويلًا، فقد كانت عقول أرواحه المستنسخة تعمل معه في آنٍ واحد، فاستعاد رباطة جأشه فورًا. التفت، فلم ير أحدًا،و عندما أعاد بصره للأمام ظهرت فتاة بشعر أسود طويل وعيون زرقاء لامعة، كأنها تعكس السماء نفسها. قالت "هل تبحث عن شيء"

تحرك فالين بسرعة لتثبيتها، لكنها أفلتت منه بخفة مذهلة.

أدرك أرين أن هنالك خطب لا توجد طريقة يمكنها الإفلات من فالين المتحكم في الواقع لابد أنه تساهل ،إنه لا يريد الكشف عن قوته و يريدني أن أتصرف حسب الضروف...

عبس فالين وقال بصوت منخفض:

"يالها من مهارة... لم أستطع الإمساك بها رغم أني لست ضعيفًا. من أنتِ؟"

ضحكت الفتاة بخفة وقالت:

"أنتم لا تجيدان التمثيل. أخبراني، ماذا كنتما تفعلان في حصن الظل؟ وكيف وصلتما إلى هنا بهذه السرعة، أيها الغريبان؟"

حافظ الاثنان على هدوئهما.

قال أرين بهدوء مستفز:

"حسنًا، لا أعلم. أخبرينا أنتِ، لماذا لا تذهبين مباشرة إلى النقطة المهمة؟"

نظرت إليه الفتاة بدهشة وقالت:

"أنت كأنك غير موجود... لم أر شخصًا مثلك من قبل."

ضحك أرين قليلًا مازحًا وهو يغيّر نبرته عمدًا لإخفاء شخصيته الأصلية حتي لا تتمكن من ربطه مع الحادث في حصن الظل و لأنه لايملك مصير في هذا العالم فهو يعرقل قدرتها و حقيقة أنها لا تمتلك دليل ضده و إلا لجاء قوات الإمبراطورية ،قال:

"نعم، أعرف أني أقلّ جمالًا من صديقي، لكن لا بأس بي على ما أعتقد."

ضحكت الفتاة مجددًا وقالت:

"أنت مميز فعلًا... ما رأيك أن تأتي معي إلى عائلتي؟ شخص مثلك سيرحب به والدي."

أجاب أرين فورًا دون تفكير:

"أوه، يالك من سريعة! حسنًا، فلنفعل ذلك... سأكلم والدك من أجل الزواج بك!"

ثم صرخ ضاحكًا:

"الجميع مدعوّ إلى حفل زفافي! أظن أن القدر ابتسم لي أخيرًا، سننجب الكثير من الأطفال! بالمناسبة، أنا أرين، وأنتِ؟"

انفجرت الفتاة بالضحك وقالت:

"أنا أليا أزوريان، من عائلة الدم الأزرق، ابنة زعيم العائلة."

تجمّد أرين للحظة، ثم نظر إليها، ثم إلى الناس من حوله، وتنهد بعمق قبل أن يقول بصوت عالٍ:

"ألغي الزفاف! لا أريد التورط معكِ. كل العائلات القوية تمتلك أعداء أقوياء، والزواج منكِ يعني أن أضع نفسي في قلب المدفع! السيدات النبيلات مثلك يحتجن أزواجًا يحموهن... وأنا أحتاج من يحميني، فكيف سأحميكِ أنا؟!"

وبمجرد أن أنهى كلامه، استدار وهرب وسط ضحكات الناس التي عمّت المكان.

قال البعض ساخرًا:

"أول شخص يعرف مقامه!"

"يا له من قروي ذكي!"

"هكذا يجب أن يكون التواضع!"

لكن بعد لحظات، عاد أرين بخطوات سريعة وقال بابتسامة واسعة:

"حسنًا، فكّرت في الأمر... لا أريد أن تنتهي علاقتنا التي دامت ثانيتين هكذا. أنتِ نبيلة، صحيح؟ زوجيني بإحدى خادمات قصرك الجميلات! لا بأس أن أصبح البستاني أو سائق العربة!"

ضحكت أليا مجددًا وسألته:

"هل تعرف كيف تكون بستانيًا؟ أو كيف تسوق العربة؟"

رد أرين بجدية مصطنعة:

"لا، لماذا تسألين؟"

ازداد الجو حيوية وضحك الجميع حولهما، لكنّ الفارسة المرافقة لأليا تقدمت بخطوات غاضبة، صرخت في وجه أرين:

"هل تعرف من تُكلِّم؟!"

أجابها أرين ببرود:

"نعم، لقد عرّفت نفسها بنفسها."

كانت الفارسة بشعرٍ أسود قصير وعيونٍ بنية، تبدو في أوائل الثلاثينات، بمظهرٍ عاديّ لكنه حازم. قالت بغضبٍ مكبوت:

"إذا كنت تعرف، فلماذا أهنتِ السيدة؟!"

أجابها أرين بارتباكٍ صادق:

"متى حصل ذلك؟ لقد كنت أطلب الزواج منها! وعندما أدركتُ من هي... ألغيت الفكرة. لكن قولي لي، أي فارسة تترك سيدتها كل هذا الوقت وحدها؟ ماذا لو اغتالها أحد؟!"

قالت الفارسة بازدراء:

"هذه العاصمة لوكسيفار، ومقر العائلة يقع هنا. لا أحد يجرؤ على أذيتها."

رد أرين بسرعة حادة:

"إذاً ما دوركِ هنا؟ الزينة؟"

اشتعل الغضب في وجه الفارسة، وأمرت الحراس باعتقاله. أجبرته على أن يجثو، وأطلقت هالتها بقوة مهيبة — كانت من خمس نجوم!

الهواء حولها تغيّر، كأن العالم نفسه استجاب لأمرها. الأرض اهتزت، والضغط انخفض فجأة، حتى شعر المارّون بالرهبة.

تقدّم فالين بخطوات هادئة، ووقف بين الفارسة وأرين. كان رأسه مغطى بقلنسوته التي حجبت وجهه.

قالت الفارسة بصرامة:

"اكشف وجهك!"

بهدوء رفع فالين الغطاء، وكأن اللحظة تجمد فيها الزمن. ارتبكت الفارسة للحظة، رغم غضبها، فحدّقت فيه بعينين متردّدتين. مظهره لم يكن عاديًا؛ كان فيه من النبل والعمق ما جعلها تتراجع قليلاً.

سألته بنبرة حذرة:

"من أنتما؟"

أجاب أرين قبل أن يفتح فالين فمه:

"وما شأنك؟"

ضربه فالين على رأسه بخفة، ثم التفت نحو الفارسة وقال:

"نحن مجرد غرباء. لكن ، هل نستحق العقاب أم لا؟ هذا أمر لا تقررينه أنتِ يا سيدة... بل سيدتك."

نظر فالين نحو أليا و قال:

"هل تريدين أن يعاقب أرين"

نظرت أليا نحو الفارسة وقالت بهدوء:

"لا، دعيه وشأنه."

نظر فالين إلى الفارسة نظرة حادة وقال بنبرة ثقيلة:

"مهمتكِ أن تحمي سيدتكِ، لا أن تقرري مكانها."

انفجرت هالة الفارسة كالسيل، لوّحت بسيفها بسرعة مروعة حتى شطرت الهواء نصفين، وتوقف نصلها على بعد سنتيمترات من عنق فالين.

اهتز الهواء من ضغط الضربة، ومع ذلك لم يرمش فالين، ولم يتغير تعبير وجهه.

خفضت الفارسة سيفها أخيرًا، وسألت أليا ببرود:

"هل أتركه يذهب؟"

أجابت أليا بنبرة عادية:

"نعم."

قالت الفارسة بصوت منخفض:

"حياتكم وموتكم بيد السيدة... وليس شيئًا لتقرره أنت أيها الغريب."

رفع فالين نظره نحوها، وصوته هذه المرة كان كأنه يأتي من أعماق العصور:

"في هذا العالم، الناس يُقسمون إلى ثلاث طبقات...

عبيدٌ يعيشون لرغبات أسيادهم لا قيمة لهم،

وأحرارٌ يسيرون على الطريق ولا صوت لهم،

وملوكٌ يتحكمون في مصير الجميع ولا أحد يتحكم بهم.

فمنذ متى... أصبح العبيد يأمرون الملوك؟"

اقترب منها خطوة بخطوة، وكل

خطوة كانت كأنها تسحق الهواء نفسه. شعرت الفارسة بضغطٍ رهيبٍ على كتفيها، كأن ثقل العالم أُلقي فوقها.

قال فالين بصوتٍ منخفضٍ لكنه مهيب:

"تذكّري مقامكِ... أيتها العبدة."

2025/10/14 · 46 مشاهدة · 1466 كلمة
Mehdi Dz
نادي الروايات - 2026