الفصل 11: الوليمة المسمومة
في داخل العربة الفاخرة التي تهتز ببطء فوق الطريق المرصوف بالحجارة، جلست أليا بهدوء، ينساب ضوء الغروب عبر النافذة ليعكس ملامحها الهادئة كمرآة لبحيرة لا تعرف الرياح.
أمامها، جلست فارستها شاردة النظرات، غارقة في بحر أفكارها المتشابكة. كان الصمت سيد الموقف إلى أن قطعته نبرة أليا الناعمة:
> "كيف كان الأمر؟"
قالتها بابتسامة خفيفة تحمل فضولًا أكثر مما تحمل استجوابًا.
أجابت الفارسة بعد تردد، وصوتها يحمل شيئًا من الارتباك:
> "لا يمكن وصفه بالكلمات، لكنه كان يمتلك حضور الملوك... نظرته وحدها جعلتني أشعر وكأن ثقل العالم قد وُضع على كتفي، حرفيًا."
رفعت أليا حاجبها بسخرية رقيقة وسألت:
> "وماذا عن أرين؟"
ردت الفارسة دون تردد، وكأنها تودّ الدفاع عن نفسها من أي سوء تقدير:
> "إنه ضعيف، أستطيع تأكيد ذلك. ولا يمتلك ذكاءً مثل صديقه، باختصار... إنه يحتمي خلفه فقط."
ضحكت أليا بخفة، تلك الضحكة التي تجمع بين الاستخفاف والإعجاب:
> "لقد تم خداعك... أو ربما جعلت قوتك الكبيرة عقلك يتبلّد. رغم كل الضغوطات، تمكن ذلك الثنائي من البقاء هادئين وثابتين. فقط فكّري بالأمر: نحن عائلة قوية، وأنت قادرة على إسقاطهما لو شئتِ، ومع ذلك خرجا من الموقف محافظين على كرامتهما."
سكتت الفارسة قليلًا، ثم بدأت تنظر للأمر من زاوية أخرى، نبرة وعي جديدة تلوح في صوتها:
> "ما الهدف من ذلك إذن؟"
رفعت أليا ثلاث أصابع وقالت بنبرة تحليلية دقيقة:
> "لثلاثة أسباب.
أولًا: تورطهما في مسألة حصن الظل شبه مؤكد، لقد غيّرا طريقة تصرفهما حتى لا أتمكن من ربط الأحداث بين الموجة وبينهما.
ولأن أرين كأنه غير موجود في هذا العالم — لا أستطيع تتبعه بتقنيتي — وهما يعلمان ذلك.
والحقيقة أنه لا يوجد دليل، لذا لم تتحرك قوات الإمبراطورية ضدّهما، بل اكتفوا بمراقبتهما.
في الظروف العادية كنا سنعتقلهما للتحقيق، لكنهما جاءا إلى العاصمة، حيث لا يمكننا التحرك بحرية. كأنهما يعرفان أننا أمسَكنا بخيوط قضية حصن الظل."
اتسعت عينا الفارسة بدهشة، وقد شعرت بأنها أسقطت كل هذه التفاصيل سهوًا.
تابعت أليا:
> "ثانيًا، حقيقة أن أرين لا يمتلك مصيرًا شيء غامض يستحق التحقيق. لكنه ظل يجعل نفسه مستفزًا وجاهلًا حتى يجد فالين طريقة لجذب كل الأنظار إليه، ويسحب أرين من المشهد تمامًا."
شعرت الفارسة بأنهم تلاعبوا بها ببراعة.
> "وثالثًا..." أكملت أليا بابتسامة أكثر حدة، "جذب الانتباه إلى هذه المسألة بالذات، حيث سيستغل أعداؤنا من عائلة الدم الشاحب مورڨال الوضع للإضرار بسمعة عائلتنا ومحاولة خفض تأثيرنا."
احتدت نبرة الفارسة قليلًا وهي تقول بثقة:
> "لكن هذه المسألة لن تضر سمعتنا كثيرًا، يمكننا مواجهة عائلة مورڨال بمسائل أخرى."
ضحكت أليا ضحكة قصيرة ماكرة:
> "لقد نسيتي شيئًا مهمًا."
> "ما هو يا سيدتي؟"
> "لقد ركزتِ على مورڨال، لأنهم الأهم سياسيًا، لكن بالنسبة لهم — أرين وفالين — لقد وجّهوا إلينا ضربة موجعة بدون أي مجهود... ثم انسحبوا من القضية."
ساد الصمت داخل العربة، ولم تجد الفارسة ما تقول. في داخلها، كانت تشعر بالرهبة من أولئك الغامضين الذين يقلبون الموازين بمجرد كلمات.
> "في المرة القادمة التي يزوران فيها عائلة أزوريان... رحّبي بهما."
> "سمعًا وطاعة، سيدتي."
واصلت العربة سيرها نحو العاصمة تحت ضوء القمر الصاعد، والليل يغمر الطريق بسكونٍ عميق.
---
في مكان آخر، عند ضفة نهر هادئ تتراقص مياهه تحت ضوء النجوم، جلس أرين محدّقًا في الماء بفراغٍ يشبه روحه المرهقة.
قال بنبرة متعبة:
> "فالين... لماذا لم يسمحوا لنا بالمبيت في أي فندق؟ أنا متعب وجائع."
أجابه فالين بابتسامة مطمئنة:
> "من يعادي إحدى عائلات الدم مصيره بائس. لكن لا تقلق، هناك مكان أفضل من كل الفنادق... والأهم، أنه مجاني. اتبعني."
نهض أرين متحمسًا رغم تعبه، وتبع فالين عبر شوارع العاصمة المزدحمة حتى وصلا إلى قصر مهيب تزينه أعمدة من الرخام الأبيض وشعارات عائلة أزوريان على الأبواب.
قال أرين بارتباك وصوت مرتجف:
> "هذا... منزل عائلة أزوريان؟"
> "أجل."
في اللحظة التالية، سُحب الاثنان من عند البوابة إلى قاعة الطعام، حيث اجتمعت العائلة بأكملها.
جلس الزعيم في مقعد الشرف، وإلى يمينه نساء العائلة، وإلى يساره الرجال، وجوّ المكان مشحون بالتوتر.
قال أرين بابتسامة متوترة:
> "مرحبًا، كيف حالكم؟ آسفون لإزعاجكم."
ردّ أحد أطفال العائلة بازدراء:
> "يالكم من وقحين، تأتون في وقت العشاء!"
لم يتردد أرين لحظة واحدة:
> "حسنًا، مرحبًا بالوقاحة! أفضل أن أكون وقحًا على أن أكون فاشلًا. والفشل الأكبر هو ألّا تُحسن تربية ابنك حتى يصبح وقحًا مثلي."
ساد الصمت المطبق، وبدت الصدمة على وجوه الجميع.
إحدى السيدات كادت تختنق بعصيرها، وقالت أليا ساخرة:
> "إذن هل والدتك فاشلة لأنك وقح؟"
اختنقت سيدة أخرى تلميحًا واضحًا بأنها أم أليا، فردّ أرين بسرعة:
> "لا، عائلتك هي من سحبتنا إلى هنا. الوقاحة بدأت منكم."
لم ينبس أحد بكلمة. فقط نظرات متوترة تتنقل بينهم كأنها سهام مسمومة.
سعل رئيس العائلة ليكسر الصمت:
> "ما سبب قدومكم إلينا؟"
رد فالين بهدوء:
> "هناك ما أريد مناقشته معك."
قاطعه أحد أفراد العائلة بنبرة مستعلية:
> "وهل أنت مؤهل لتتحدث مع رئيس العائلة؟"
ربت فالين على كتف أرين مبتسمًا. عندها التفت أرين نحو المتحدث وقال ببرود قاتل:
> "هل أنت رئيس العائلة؟"
ضحك الشاب ألفريد باستهزاء:
> "ربما لم يرَ قروي مثلك العالم بعد فطبيعي أن تضنني الرئيس لاكن... لا، لست أنا."
قال أرين بنبرة حادة، تحمل سخرية وذكاءً مبطّنًا:
> "إذن لماذا تتحدث؟ هل أنت المتحدث الرسمي؟ قبول طلب فالين أو رفضه شأن يقرره الرئيس، لا أنت. أنت حرفيًا هنا لتتناول الطعام فقط... وليس لأنك شخص عظيم مثلي."
ساد الصمت من جديد. بدا أن أرين لا يخاف من أحد.
قال رئيس العائلة بهدوء ثقيل:
> "وهل أصبحت عظيمًا لأننا سحبناك إلى هنا؟ أنت لا تعرف معنى العظمة يا فتى."
رد أرين ببرود ساخر:
> "ولا أنت تعرف، يا سيد العائلة... كلانا لا نمتلكها."
غامت ملامح رئيس العائلة للحظة، ثم سأل:
> "لماذا أنت هنا؟"
> "من أجل الطعام. بسببكم لم أستطع الأكل، على الأقل أعطني شيئًا آكله."
بدت ملامح أليا مزيجًا بين الغضب والفضول وهي تقول:
> "ألم تأتِ لتتحدث مع والدي؟"
> "لا أريد الزواج منك. فالين هو من يريد والدك، لا أنا."
ساد صمت ثقيل للمرة الثالثة. بدا أن القاعة بأكملها حُبست أنفاسها.
بعد دقائق قليلة، ذهب فالين إلى مكتب رئيس العائلة، بينما بقي أرين يتناول طعامه بهدوء مدهش، وكأنه في منزله.
اقترب الطفل الذي نعتهم بالوقحين، وحدّق فيه بجرأة:
> "ألا تخاف أن يكون الطعام مسمومًا بعد كل ما قلته؟"
ابتسم أرين ببرود دون أن يرفع رأسه:
> "هل سمعتم ما قاله؟ إن مت، ستكون أنت من سمّمني."
ارتبك الطفل وقال بعناد:
> "عندما أكبر، سأجعلك تدفع الثمن."
توقف أرين عن الأكل، نظر إليه بعينين جامدتين وقال بجدية غير معتادة:
> "يا أيها الطفل... أنا لا أملك شيئًا. لا عائلة، لا مال، لا زوجة. أنا حرفيًا وحيد، وليس لدي ما أخسره. حياتي أشبه بمصباح وسط العواصف... قد ينطفئ في أي لحظة.
أما أنت، فتمتلك كل شيء. أستطيع ضربك من عدة نواحٍ... أما أنت فلا تستطيع."
---
في مكتب رئيس عائلة أزوريان، جلس فالورين بنظرات حادة، يتأمل وجه فالين الذي بقي هادئًا كعادته.
> "هل تقول إن هناك من سيغزو العاصمة من تحت الأرض والبر والجو في وقت واحد؟ كيف سيتمكنون من تخطي دفاعات العاصمة والهروب من أنظارنا؟"
أجاب فالين بابتسامة خفيفة غامضة:
> "لأنهم داخل العاصمة بالفعل. سيبدؤون التحرك قريبًا."
ارتفع حاجبا فالورين بدهشة وهو يحدق في عينيه:
> "لماذا تبدو مرتاحًا... بل سعيدًا؟"
> "من يدري؟" قال فالين وهو ينهض ببطء. "ربما لأني أسير على الطريق الصحيح... أو هكذا أظن.
لكن، لا أحد يسير في طريقٍ صحيح تمامًا. فلكلٍّ منا مثله الخاصة التي يبني عليها طريقه... ويظنها الصواب."
---
في الخارج، وبينما يغادر فالين مكتب رئيس العائلة، دوّى صوت
الأجراس في أرجاء العاصمة.
ارتجف الزجاج، وخرج الخدم يركضون في فوضى.
ارتفع في الأفق ضوء أحمر غريب قادم من جهة القصر الملكي.
تجمّدت نظرة فالين للحظة، بينما قال أرين وهو يبتلع آخر لقمة من طبقه:
> "يبدو أن الوليمة المسمومة... لم تنتهِ بعد."
وانطفأت الأنوار فجأة، إيذانًا ببداية الفوضى.