الفصل 12: ليلة العاصمة الحمراء
بعد دق الأجراس وإطلاق الضوء الأحمر كإشارةٍ على وقوع حدثٍ جلل في البلاط الإمبراطوري، عمّ صوتٌ مهيبٌ أرجاء المملكة. ظهر على شاشات القصر، وعلى سطوح الميادين، وعلى أبواب المنازل —صوت الإمبراطور أركان هايدرن الرابع— ينطق بكلماتٍ أثقلت قلوب السامعين:
"إلى كل من في العاصمة، كبارًا وصغارًا: لقد اقتحمت شياطين أركيديا العاصمة. هم كوباءٍ ينتشر؛ ليس لهم جسدٌ مادي ثابت —قد يستيقظون في جسد أي شخص في أي وقت— لذا أطلب من كل قوات القصر الإمبراطوري إغلاق البوابات وعدم السماح لأحد بالمغادرة، وتفتيش الناس عن آثار شياطين أركيديا. أما عائلات الدم: إن لم ترغبوا بدخول قواتي إلى أراضيكم فعليكم التحرك فورًا لإيقاف هؤلاء الشياطين. على الجميع ملازمة بيوتهم؛ فقد تندلع مواجهاتٌ شرسة في المدينة —في الساحات، وفي الأزقة— أتمنى لكم السلامة. —ملككم، أركان هايدرن الرابع."
كانت وقعُ الكلمات كالصاعقة؛ ارتفعت أصوات النحيب والذعر. "لماذا جاء شياطين أركيديا هنا؟!" صرخ الناس. "ألم يندثروا في طيات التاريخ؟ لماذا يرفضون الموت؟!"
وسط الفوضى، اتخذ رؤساءُ عائلات الدم موقفًا مختلفًا. قوتهم في المستوى السادس تكاد تجعلهم لا يُقهرون، ومع امتلاكهم لأرواحهم الأصلية، رأوا في الأزمة فرصةً للكسب، وإضعاف خصومهم من العائلات الأخرى.
في مقرِّ عائلة الدم الشاحب مورڨال، جلس رئيسُ العائلة بشعرٍ أبيض وعيونٍ زرقاء، تتحرك حوله برودة الأرواح وهالاتهم. تأمل الموقف بعمق: عائلة أزوريان ستتأخر في التحرك بسبب قدرتهم على رؤية تدفق العالم، لكن ضغط العائلة الإمبراطورية سيجبرهم على التدخل عاجلًا أم آجلًا.
ابتسم كروس، زعيم مورڨال، وقال بهدوءٍ بارد: "ادفعوا الشياطين شرقًا... نحو مقر الأزوريان."
كان يعلم أن ذلك سيُشعل المعركة في تلك الجهة، وأن الأزوريان سيُتهمون بالتقاعس عن حماية منطقتهم. وسط الفوضى، ستُطمس الأدلة، وتتحقق مكاسبه دون أن يلطّخ يده مباشرة. كان مستعدًا للتدخل فقط إن ساءت الأمور.
---
في الجهة الشرقية من العاصمة، داخل مقر عائلة أزوريان، كان فالورين يحدق في فالين بعينٍ حذرة.
رفع يده بهدوءٍ، فاهتزّ الفضاء من حولهما —ثم في لحظةٍ تجمد الزمن، وانسحب الاثنان من تدفقه إلى فراغٍ أزرق بارد، عالمٍ ساكنٍ صامتٍ إلا من نبض الهالة.
كانت تلك إحدى تقنيات عائلة أزوريان العليا: "العزلة الزمنية"، التي تسمح بسحب الوعي من مجرى الزمن الحقيقي. تشبه قدرتها ما يمتلكه فالين من إنشاء واقعٍ خاص، لكنها أكثر دقة وأقل رحمة.
قال فالورين بصوتٍ منخفضٍ لكنه حاد: "كيف اكتشفت الأمر؟ هل أنت من الأركيديا؟"
أجابه فالين ببرود: "الأركيديا أعداء للملك بنر وسلطته، بما في ذلك أبناؤه. لا علاقة لكم بهذا —أليس أزوريان التيار الأول تلميذًا للروح الأصلية لعائلة أركيديا؟ هل غير ولاءه؟"
رد فالورين بصرامة: "هذا ليس شأنك."
قال فالين بلا تعبير: "إذًا ماذا؟ هل ستسلمني إلى هايدرن، أم أن هناك ما تريد قوله؟"
---
في قاعة الطعام، كان أرين يتمدد مستعدًا للنزول والقتال. فجأة، رأى فالين يدخل عليه بخطواتٍ هادئة.
قال فالين بنبرةٍ ثابتة: "لا تتحرك بمفردك. لدي خططي الخاصة."
رفع أرين حاجبيه بدهشة: "ماذا الآن؟ ماذا تغيّر؟ هل هددوك؟"
أجابه فالين: "لا... لقد اكتشفوا من نحن."
---
في أطراف العاصمة، داخل مقر عائلة الدم النجمي فالرين، جلس رئيس العائلة محاطًا ببعض مستشاريه، وعيناه نصف مغمضتين بمللٍ واضح. قال بصوتٍ بارد:
"لا أهتم حقًا بأي شيء لا يستحق اهتمامي. أراهن أن كل عائلة دم تخطط، وربما بعضهم ضدنا بالفعل. دعوا قوات الإمبراطورية تقتحم منطقتنا، وسنرسل نحن قواتنا إلى أماكن أخرى. هدفنا بسيط: منع العائلات الأخرى من افتعال الفوضى في منطقتنا، والحصول على نظرة شاملة للوضع في العاصمة بعد انتهاء الاضطراب. نحن لا نملك شيئًا نخفيه... أو هكذا يبدو للعالم."
ثم تمطّى بتثاقل وأردف بلامبالاة: "أنا كسول عن التفكير أكثر من هذا. نفّذوا الأوامر فورًا."
---
أما عائلة الدم الحديدي دراغور، فقد حشدت كامل قوتها وبدأت عملية إخضاعٍ سريعة، مستعرضين قوتهم أمام الجميع.
في المقابل، رسمت عائلة الدم الأزرق أزوريان خطة محكمة للتحكم في حركة شياطين أركيديا عبر قدرتهم، ودفعهم للهجوم على مورڨال مرورًا بقوات دراغور، لتشتعل المعركة بين الأطراف الثلاثة.
وفي ظل هذه الفوضى، أعطى فالورين شعار العائلة لأرين، وأمره بالقتال منفردًا ليكتسب خبرةً قتاليةً حقيقية بعد وصوله إلى المستوى الثاني وتطوره في القدرات القتالية.
---
في القصر الإمبراطوري، كانت الأميرة سيليا هايدرن تستعد للنزول بنفسها لقمع الشياطين قبل أن يُحدثوا دمارًا أوسع.
في تلك الأثناء، جلس الإمبراطور أركان على عرشه محاطًا بوزرائه، وتبادل معهم نظراتٍ ثقيلة.
قال أحد الوزراء: "ما الخطب يا جلالة الملك؟"
أجاب الإمبراطور بصوتٍ منخفضٍ لكنه عميق: "شياطين أركيديا... أمر اخترعناه نحن. خلقناهم لنصيب بهم من نرغب في تصفيته، ولنكون نحن الأبطال المنقذين في أعين الشعب. لكننا صنعناهم من دم أركيدي —دم عائلة تتحكم في الواقع. خطر استعماله واضح... ومع ذلك، أشعر بشيء غريب. كأنني غفلت عن أمرٍ ما، ولا أستطيع تذكره."
قال وزير آخر محاولًا التهدئة: "ربما ليس بالأمر الجلل يا مولاي. يمكننا إنهاء العملية بسرعة قبل أن يخرج أي شيء عن السيطرة."
تنهد الملك، ثم نظر إلى السقف بعينين لامعتين بالقلق:
"قدرتي تجعلني لا أنسى شيئًا أبدًا... ولا يمكن التلاعب بعقلي مطلقًا. حقيقة أنني نسيت —تعني أن هناك من تلاعب بالواقع نفسه. وهو على الأقل في المستوى السادس."
ساد الصمت. شعرت كل أعصاب الحاضرين بقشعريرةٍ تتسلل إلى عظامهم. كانت كلمات الإمبراطور تحمل ثقلًا أشد من أي تهديدٍ مباشر.
همس أخيرًا وهو يحدّق في الأفق خارج القصر:
"ستكون ليلة صعبة حقًا."
---
وهكذا انطلقت العاصمة في ليلتها الحمراء —كل جهةٍ تعدّ نفسها بطريقتها؛ بعضهم بالدهاء، وبعضهم بالقوة، وآخرون بخططٍ لم تُكتب بعد.
تداخلت الأهداف: البقاء، النفوذ، الانتقام.
أما الشياطين، فتلك الكائنات التي ظن الجميع أنها دفنت في كتب التاريخ، فقد عادت... لا كأوهامٍ، بل كلعنةٍ حقيقية في عالمٍ لم يعد أحد يعرف قواعده.