الفصل 14 – فوضى الأركيديا وعودة الظلال
استمر القتال بين أرين المجنون وسيليا.
كان الجنود المرافقون يستهدفون أرين، لكنهم لم يكونوا أقوياء بما يكفي، فهم ما زالوا فرسانًا تحت التدريب خرجوا لاكتساب الخبرة القتالية، مثل أرين نفسه، الذي لو كان شخصًا عاديًا لكان ميتًا منذ لحظات.
توقفت سيليا قليلًا، ثم استخدمت سلطة الأصل لفرض هيمنتها على أرين.
تراجع الأخير بسرعة، وقد شعر بآلاف الأصفاد تقيده من كل جانب.
لم تتردد سيليا، وفعلت تجلي السيادة — وهي قدرة فرعية لسلطة الأصل، تقمع الهالة والسحر والقدرات في مساحة معينة.
أرين شعر بذلك فورًا؛ سيليا في المستوى الثالث من القدرة، وقمعته تمامًا.
أدرك أنه لا فائدة من الدفاع بعد الآن، وقال بصوت عالٍ:
"أما الحياة أو الموت الآن!"
ثم صرخ:
"سييليااا! هل تريدين إخضاعي؟ إذن سأتولى أنا السيطرة على جسدك... لتكن معركة سيطرة، إمّا كل شيء أو لا شيء!"
تخلى أرين عن الدفاع، وحوّل فورًا أرواحه المستنسخة الثلاثة إلى قوة روحية زرقاء ضبابية غطت المنطقة كلها حتى حَجبت الرؤية تمامًا.
ثم أعاد أرين أحد الأرواح المستنسخة إلى حالتها الأصلية داخل جسد سيليا، فشعرت الأخيرة بأن هناك من يحاول الاستحواذ عليها.
ضغط أرين روحه الأصلية لأصغر شكل ممكن ليزيد من كثافتها ويقاوم صوت العهد لبعض الوقت، ومع تعزيز روحين إضافيتين أصبح بإمكانه الصمود أكثر.
لكنه فضّل المجازفة — ضغط قوة روحين في ساقه وركل سيليا بكل قوته على بطنها، فطارت بعيدًا.
استخدم أرين تقسيم الروح وسحر الأفكار لجذب شياطين الأركيديا نحو الفرسان المتدربين الذين جاؤوا مع سيليا، ثم انطلق خلفها.
ما إن لمحها تنهض من الأرض، أرسل روحًا أخرى إلى داخل جسدها، فأصبحت مستحوذًا عليها من روحين مستنسختين.
لم يتوقف أرين، أغرقها بالأفكار الشريرة.
ورغم مناعتها ضد الهجمات العقلية بفضل قدراتها، إلا أن الإزعاج المستمر جعلها ترتبك.
وسط اضطرابها، لكمها أرين على وجهها مرة، مرتين، ثلاث...
سيليا بقيت واقفة، رغم أنفها النازف بشدة.
عزّز أرين ضرباته بروح مضغوطة، واستمر بالكمّ والركل.
كانت سيليا تشعر بالخوف — ليست لأنها أضعف، بل لأنها تخاف على حياتها.
أما أرين، فلم يكن يهتم بها ولا يخشى الموت، ولهذا كان يهاجم بجنونٍ مطلق.
وفجأة... نزل شعاع من السماء خلف أرين.
قبل أن يدرك ما يحدث، شعر بقدم تركله بعنف. رفع ذراعه ليتصدى، لكن ذراعه تكسرت مع بعض أضلاعه، وقُذف بعيدًا.
انقشع الضباب، ووقف هناك رجل بشعرٍ أصفر وعيونٍ ذهبية وبشرة بيضاء — لم يكن سوى فالتر هايدرن، الأمير المتوج وولي العهد.
تجاهل أرين وتوجه نحو سيليا ليتأكد من سلامتها.
قالت سيليا، ووجهها مدمّر والدموع في عينيها:
"أنا آسفة، أخي... لقد كنت ضعيفة وجبانة... لقد خذلتك... أنا... أنا..."
انهمرت دموعها واختلطت بدمها.
نظر إليها فالتر بشفقة، ثم سمع صوت أرين من بعيد يقول بسخرية:
"هل أُغمي عليها؟ دعني أكمل مكانها. كانت تقول (أنا... أنا...)، تقصد أنها فاشلة. أن تمتلك كل شيء ولا تحقق شيئًا، هذا هو الفشل الأعظم. أما أنا... لا أملك شيئًا، ومع ذلك فزت، ولهذا أنا عظيم!"
قال فالتر دون أن ينظر إليه:
"هل تدري ماذا فعلت؟"
أجابه أرين بابتسامة متشققة:
"نعم. للأسف، حقيقة أن أختك نزلت إلى ساحة المعركة تعني أنه لا يوجد رجال في عائلتك. أو هذا ما ظننته... لكن بعد أن رأيتك، تأكدت أكثر من ذلك."
قال فالتر بهدوءٍ بارد:
"هل تعلم أني قوي جدًا؟ وأنني سأقتلك؟ لماذا لست خائفًا؟ هل أنت من الأركيديا أم ماذا؟"
رد أرين بابتسامة مجنونة:
"يبدو أنك تظن أني مجرد ضعيف يمكن قتله في أي وقت. لذلك تبحث عن إجابة لسبب عنادي، لتفهم أو تحصل على الإلهام الذي يمنع وجود المزيد مني أو من الأركيديا. يا لك من ملكٍ مستقبلي عظيم... لكنك أعمى أيضًا!"
ضحك أرين بصوتٍ متقطع وقال:
"أظنني فهمت الآن لماذا يُلقب الهايدرن بـ الملك الأعمى، هههههاه!
انظر... لا يوجد شيء أبدي في هذا العالم. كل شيء سيزول — الممالك، الإمبراطوريات، حتى العروش. كل شيء سينتهي يومًا ما، لكنكم لا تستطيعون تقبّل ذلك."
تنفس أرين بعمق وأكمل:
"قال حكيمٌ في عالمي: الأوقات الصعبة تصنع الرجال العظماء، والرجال العظماء يصنعون الرخاء، والرخاء يصنع رجالًا غير أكفاء، والرجال غير الأكفاء يصنعون الأوقات الصعبة... وهكذا تدور الدائرة.
الملك بنر صنع الرخاء، وأجبر الناس على أن يكونوا أكفاء، فصعد الكثير من الناس إلى السلطة بدلًا من أن يحكم القليل الكثير جعل الكثير يحكم القليل. وهكذا قاد بنر العالم إلى الهلاك.
لا يمكن أن يكون الجميع ملوكًا، فمَن سيكون الخدم إذن؟ البشر غير متساوين، وهنا تكمن العدالة الحقيقية في أنه لا يتم وضعك في مكان لايليق بك تخيل أن يجعل عالم عبقري سائق عربة لأن كل الناس علماء.
ولأننا لا نولد متساوين فهذه هي العدالة... فالموت هو أيضا العدالة لأنه يشمل الجميع فلماذا الخوف من ماهو محتوم."
تنهد فالتر، ثم أنزل سيليا من يده برفق ووضعها مستلقية على الأرض.
بعدها ركل أرين بقوة، فطُرح بعيدًا، وتكسرت عظامه.
استعاد أرين أرواحه المستنسخة الثلاثة فورًا، لكن صوت العهد ضعف ولم يختفِ.
دفن أرين تحت الأنقاض مغشيًا عليه.
تقدّم فالتر بخطواتٍ هادئة — صاحب قدرة في المستوى الخامس ومستخدم هالة من أربع نجوم — نحو أرين المدفون.
لكن حين استشعر الشذوذ في شياطين الأركيديا والواقع من حوله، رفع بصره إلى السماء...
كان فالين هناك، مرتفعًا وسط العاصفة، بردائه الممزق وشعره الرمادي المائل إلى البياض يرفرف في الهواء.
دوّى صوته في كل أرجاء العاصمة:
"فلتسمعوا جميعًا..."
توقّف الزمن للحظة — سكونٌ مهيب عمّ المدينة.
ثم تابع فالين بصوتٍ مهيب:
"اليوم سأفصح عن حقيقة شياطين الأركيديا!"
انطلقت هجمات من أماكن مختلفة نحوه، لكن جميعها تبددت قبل أن تلامسه.
تجمد الجميع في أماكنهم — زعماء عائلات الدم، قادة الجيوش، وحتى الإمبراطور نفسه.
لم يفهم أحد... لماذا هاجمته قوات الإمبراطورية؟ ولماذا صدّ كل ذلك بهذه السهولة؟
رفع فالين رأسه وقال بابتسامة خافتة:
"كنت أعرف الحقيقة منذ البداية، لكن لم أملك الدليل... شكراً لك أيها الإمبراطور، فهجومك عليّ كان الدليل الكافي."
ساد صمت رهيب، ثم تابع فالين:
"أنا فالين أركيديا، وما تسمونه شياطين الأركيديا... ليسوا إلا نتاج أمرٍ شخصي من أركان هايدرن نفسه، لتصفية المعارضين وجعله البطل دائمًا في عيون الشعب!"
أضاف بعد لحظة من الصمت:
"لكن هذه الحقيقة لا معنى لها أمامكم... أنتم مجرد أتباع بلا رأي. حتى لو عرفتم هذا، ماذا ستفعلون؟ لا شيء.
أنا لا أكشفها لأجلكم، بل لأجل الملك الأعمى هايدرن نفسه، فهو الوحيد الذي يحق له أن يعرف ما جرى حقًا."
ثم رفع يده نحو السماء وقال:
"شياطين الأركيديا... ليست سوى أجزاء من شخصٍ واحد. تعلم من الروح الأصلية لعشيرة أسياد الروح، وعندما وصل للمستوى الثامن وصار روحًا عظيمة، صنع قدرة فرعية تشبه قدرتهم.
لم يمت في عصر الدمار والكوارث... بل شتّت وجوده فقط و كان جزء منه تكون هو ما صنع شياطين الأركيديا أي هو من صنع نفسه و أعادها تحت أعين الإمبراطور نفسه"
وبمجرد أن أنهى فالين كلماته، خرجت شظايا من كل شياطين الأركيديا في العالم — و من العاصمة، و من القبو الإمبراطوري، و من أماكن أخرى لا حصر لها — تتجمع معًا لتشكل نورًا نقيًا كأنه نجم سماوي.
ساد صمتٌ مهيب.
وحين خفّ اللمعان، ظهر شخصٌ بشعرٍ أسود وعيونٍ مظلمة، وجهه شاحب قليلًا ووسيم بشكلٍ مرعب، شعره يصل إلى كتفيه، يرتدي ثوبًا أسود بنقوش فضية على الأكتاف.
ابتسم بهدوءٍ كمن استيقظ من سباتٍ دام ألف سنة وقال بصوتٍ منخفضٍ سمعه الجميع:
"هايدرن... هل نكمل من حيث توقفنا آخر مرة؟"
كان ذلك هو فاليريان أركيديا، زعيم عائلة أركيديا في العصر القديم.