الفصل 15: اليوم الذي اهتز فيه العالم

بمجرد أن عاد فاليريان إلى العالم، شعر كل كائن حي وكل روح عظيمة بأن الواقع نفسه تنفس من جديد. الهواء ارتجف، والسماء بدت وكأنها تتوسع لتستوعب شيئًا أكبر من الوجود نفسه. حتى المفاهيم تجمدت للحظة، كأنها تنتظر ما سيحدث.

من أعماق العوالم المنفصلة خرجت الأرواح الأصلية لعائلات الدم — عوالم كانت تُعتبر مغلقة منذ العصور الأولى، وها هي الآن تتصدع وتُفتح، يخرج منها الكبار واحدًا تلو الآخر.

ظل أزوريان التيار الأول وحده في بعده، يراقب دون أن يتحرك، كأنه يعلم أن تدخله الآن سيغير كل شيء قبل أوانه.

أمام فاليريان وفالين، انبثق ضوء نجميّ سماويّ كأن الكون نفسه قد تجسد من خلاله. كان فالرين النجم الهاوي، شعره الأسود القصير يلمع بوميض يشبه شظايا النجوم، وعيونه عميقة كالمجرات. لباسه بدا وكأنه نُسج من الفضاء ذاته، يتلألأ كلما تحرك.

ثم ظهر محارب عظيم، درعه كُسيت بالنقوش النارية، صوته يحمل الصدى الهادر للمعارك القديمة.

كان ذلك دراغور قلب الأسد، عيونه تشتعل بلهب الهيبة، ووجهه الخشن يشبه تمثالًا نحته القدر بصرامة.

تبعته موجة من البرودة لا تُحتمل، تصحبها صرخات أرواحٍ معلقة في الفراغ. خرج من خلالها مورڨال الستار البارد، بشعرٍ أبيض وبشرةٍ فاتحة وعيونٍ زرقاء كصقيعٍ لا نهائيّ. بدا كأن الشتاء الأبدي قد تجسد في جسده.

ثم ارتفع فوق العاصمة ضوءٌ ذهبيّ، مهيمنٌ، طاغٍ، يفيضُ إخضاعًا وسلطة.

من بين الأضواء، تجسد رجل ذو شعرٍ ذهبيّ وبشرةٍ بيضاء وعصابة عينٍ تربط خلف رأسه.

كل خطوةٍ له كانت تُحدث تموجًا في المفاهيم، وكأن الزمن نفسه يخضع لأمره.

لم يكن سوى الملك الأعمى هايدرن، الروح الأصلية لعائلة هايدرن، سيد الإخضاع.

وقف في مواجهة فاليريان، تحيط به قوةٌ جعلت الواقع يرتجف حوله، بينما كان فالين يراقب بصمت.

قال فاليريان مبتسمًا بسخرية خفيفة:

"رغم أنكم أتيتم بسرعة، لكننا كبار على هذه الاستعراضات. لما لم تأتوا بلا مؤثرات؟"

رد دراغور قلب الأسد بصوتٍ أجشّ:

"همف، يبدو أنك أخذت بعضًا من وقاحة نورين مع تعليمه لك."

ابتسم فاليريان، وقال بثقة هادئة:

"نعم؟ ولماذا لم تقل له ذلك وجهًا لوجه عندما أهانك؟ هل أصبحت شجاعًا فقط بعد أن اختفى؟"

زمجر دراغور بقوةٍ حتى اهتزّ المكان، لكن فاليريان رفع يده، فعزل الواقع المحيط به لئلا يتدمر العالم من غضب الأسد.

تحولت نظرات الملك الأعمى نحوه ببطء، تحيط به طاقةٌ من الإخضاع الخالص، حتى المفاهيم المجردة بدت وكأنها تركع له.

رفع فاليريان حاجبيه باهتمامٍ خافت بينما كان الملك الأعمى يتحدث بصوتٍ جعل الزمن يتباطأ.

"ماذا تحاول إثباته يا فاليريان؟ العصر القديم انتهى منذ أكثر من ألفٍ وثمانمئة عام، والحرب انقضت. أنت تبخرت في طيات التاريخ. لماذا لا تختفي؟ أعدك باسم الملك الملوك بنر أني لن ألمس ابنك، سأدعه يعيش. لتكن كل الأرواح العظيمة شاهدة على كلامي."

تنهد فاليريان، ورد بنبرةٍ هادئةٍ تحمل سخرية الزمن نفسه:

"كل حرب تنتهي إلى حرب أفكار. تقول إن كل شيء انتهى، فلماذا ما زلت تعتقد أن بنر ملك الملوك؟ لقد اندثر في الزمان الغابر. أنت متناقض، يا هايدرن. الحرب لا تنتهي كما تريد أنت، بل حين أقرر أنا."

ثم أضاف بابتسامةٍ قاتلة:

"تقول لي أن أموت ليعيش ابني؟ إذًا سأقول لك الشيء ذاته. اقتل نفسك، وأعدك باسم إيريكثوس أركيديا، سيد الفراغ الأزلي، الروح الأصلية لعائلة الأركيديا، أني لن أمسّ عائلتك وسأدعهم يعيشون. ولا أحتاج شهودًا، فأنا من قال ذلك."

ساد الصمت.

ثم تنفس هايدرن ببطءٍ وقال: "إذن لا حل آخر."

رفع فاليريان يده، ورداؤه المزخرف يرفرف كأجنحة الليل، يتلألأ عليه شعار عائلة الأركيديا:

تاجٌ أسود تتدلى منه شظايا من الضوء الأزرق الداكن، يحيط به هلال مقلوب من زجاجٍ متكسر.

أطلق ضوءًا خافتًا، ثم شكل أجسادًا من بقايا الأرواح المحفوظة — كانت تلك أرواح عائلة الأركيديا التي حفظها أسياد الروح كثمنٍ لنقل أحفادهم إلى عالمٍ آخر.

لقد حفظهم فاليريان في واقعٍ خاصٍ جمد فيه الزمن، والآن، أعاد لهم أجسادهم الجديدة، نسخةً مطابقةً للأصل، ليعودوا معه إلى هذا العالم.

ارتجف الواقع بعنف.

اهتزت السماوات، وتصدع الفضاء.

ثم، وسط هذا الصخب، عاد إيريكثوس أركيديا، سيد الفراغ الأزلي.

شعره فضيّ يتوهج بضوءٍ خافت، وعيونه بيضاء ببؤبؤٍ أبيض، لم يكن أعمى، بل تجسيدًا للفراغ نفسه.

عمّ الصمت.

انفجر الظلام، كأن الهاوية تنفست، وظهر أرڨان هوة الصمت، الروح الأصلية لعائلة الدم الأسود.

شعره أسود كالليل، وبشرته بيضاء ناصعة، وعيونه هاويةٌ بلا قاع.

كان بسيط المظهر، لكن حضوره كان هائلًا، كأن العالم كله انكمش في وجوده.

رفع فاليريان يده مرةً أخرى، فطوى الواقع، وسحب الأرواح العظيمة إلى واقعه الخاص، تاركًا جيوش الأركيديا تقاتل في العاصمة.

تداخلت الفوضى مع الصراخ، والسماء تشتعل بوميض المعارك.

أصدر فالتر هايدرن أوامره بأخذ سيليا إلى القصر، وحشد كل القوى المتاحة، متجهًا إلى ساحة القتال.

وفي وسط هذا الجحيم، كانت الأنقاض تغطي جسد أرين.

كان مدفونًا بعمق، يختنق بصوت العهد الذي لا يزال يطارد روحه.

استخدم كل ما تعلمه من سجلات أسياد الروح — لقد خزن آلاف التقنيات في ذاكرة روحه، لكنه ما زال بحاجةٍ إلى المفاهيم ليترقى.

وفجأة، سمع صوت فالين، هادئًا كدويّ الصمت نفسه، وهو يزيل الأنقاض عنه:

"يجب ألا يدركك العالم... لكنك ضعيف جدًا يا أرين. لدي فكرة. ماذا لو جعلتُ العالم يكتشف وجودك جزئيًا؟ عندها يمكنك أن تفهمه، أن تلمس مفاهيمه، لترتقي دفعة واحدة إلى المستوى الثالث من قدرتك."

بصعوبة، قال أرين بصوتٍ متقطع:

"حسنًا، افعلها. لا أستطيع التفكير كما يجب... لكن أعلم أن الأمر سينجح، وسيسبب

كارثة ما، وإلا لما اقترحته أنت."

إبتسم فالين بخفة، ووجّه أنظار العالم نحو أرين.

عندها أدرك العالم أن هذا الأخير مجهول، شيئًا لا يمكن تصنيفه.

استشعر أرين آلاف النظرات تسقط عليه من كل مكان، فألقى بنظره نحوها أيضًا.

وفي تلك اللحظة، امتلأ عقله بالمعلومات والمعارف — تلك التي يحتاجها والتي لا يحتاجها، تدفقت كلها كفيضانٍ لا يُكبح.

لم يحتمل أرين، فأجبر الأرواح المستنسخة داخله على استيعاب وفهم ما تبقى من المعلومات.

وفي الوقت نفسه، بدأت الأرواح العظيمة داخل الواقع الخاص بفاليريان تدرك وجود أرين سيد الروح.

... في بعدٍ آخر.

جلست امرأة معينة وسط حقلٍ من الزهور الحمراء الممتدة حتى الأفق،

شعرها أحمر كشفق الغروب، بشرتها ناصعة البياض،

وعيناها حمراوان لامعتان كالدم، تجلس على طاولة الشاي البيضاء الموضوع عليها تاج ملكي.

كانت تحدق بصمت في أرين من خلال العالم نفسه.

ارتفع أرين في الهواء ببطء،

كأن العالم بأسره أراد التهامه أو فهمه، لا أحد يعلم أيهما كان.

عندها أصبح كل شيء حيًّا أو هذا ماتضنه للوهلة الأولي بعدها تدرك أن كل شيء أصبح جزء من ذلك الشخص.

أُلغي الواقع الذي صنعه فاليريان، و عطل كل الهجمات و أوقف نظرات العالم نحو أرين و أوقف كل أثر للأرواح العظيمة كأنه أصبح العالم نفسه ..... كأنه أصبح كل شيء،

توقف الجميع، حتى الزمن نفسه، ورفعوا أنظارهم نحو السماء.

ومن بين الصمت، خرج شخصٌ عارٍ من الصدر،

جسده مكسوٌّ بعضلاتٍ دقيقةٍ متناسقةٍ،

عيناه زرقاوان لامعتان، وشعره أسود كالليل،

يرتدي غطاء رأسٍ يشبه القلنسوة،

وكانت هيبته وحدها كافيةً لتجعل الهواء يركع.

لم يكن أحد سوى نورين أستير،

الروح الأصلية لعشيرة أسياد الروح...

عين الأبدية الأولى.

وفي بعدٍ آخر،

ابتسمت المرأة ذات الشعر الأحمر بخفة،

وهمست بصوتٍ لم يسمعه سوى الوجود:

"إذًا... لقد عاد من جديد."

---

ملاحظة المؤلف: لقد كان هذا الفصل متعب بشكل غير متوقع لم أتمكن من وضع كل التفاصيل الموجودة في رأسي للأسف عموما لو قرأت كل الفصول من البداية و وصلت هنا فشكرا لك على المشاهدة راح أحاول أطور أكثر حسنا هذه بداية القصة فقط

2025/10/17 · 36 مشاهدة · 1131 كلمة
Mehdi Dz
نادي الروايات - 2026