الفصل 16: حين تتحدث الأرواح
عمّ السكون المكان…
عودة نورين أستير إلى العالم لم تكن مجرد حدث، بل زلزال روحي هزّ أساس الوجود ذاته. تحكمه في كل شيء، في المادّة والروح، في الزمان والمكان، جذب أنظار كل القوى العظمى في القارة و القارة المجاورة.
الملوك، والأباطرة، السيف الذين بلغوا النجمة الثامنة والتاسعة في الهالة، والسحرة العظماء من الدائرة الثامنة والتاسعة، كلهم أصابتهم الحيرة — أيتقدمون للهجوم؟ أم يراقبون بصمت هذا الوجود الذي عاد من الأبدية؟
في عاصمة إمبراطورية لوسيان، كان الهواء يضطرب بتلك الطاقة التي تكاد تخنق الأنفاس.
حدّق كلّ من دراغور قلب الأسد، ومورڨال الستار البارد، وأرڨان هوت الصمت في ذلك الكيان المتجلي أمامهم — نورين، عين الأبدية الأولى.
في تلك اللحظة، كان أرين يقف على حافة الإدراك، يلتقط أنفاسه بعد أن استوعب ما يحدث، والعالم نفسه يهمس له بالأجوبة.
ارتفع سحر الأفكار خاصته إلى الدائرة الثالثة، وتطوّرت قدرته إلى المستوى الثالث. ومع هذا التحوّل، تطورة قدرته الأصلية والفرعية، فصنع من نفسه فرعًا جديدًا — يستطيع من خلاله تحويل جسده المادي إلى جسد روحي، كما يستطيع العكس؛ تحويل الأرواح المستنسخة إلى أجساد مادية.
في لحظة النشوة، ومع كل خلية في جسده تصرخ بالقوة الجديدة، ومع تحرره من صوت العهد، انفجر ضاحكًا بصوت مجنون مشوّه، صرخ نحو الأرواح العظيمة التي كانت تطفو فوق العاصمة:
"يا حثالة هذا العالم! ألم يحن وقت شمسكم لتغرب؟ لقد دمرتم العالم من قبل، وها أنتم على وشك تدميره من جديد!
ألم تتعلموا من أخطائكم؟ إن كانت حربكم حرب أفكارٍ وإيديولوجيات، فاعلموا أن الفائز هو الأقوى، لا من يظن نفسه على حق!
أي صراع فكري يدمر العالم هو فسادٌ محض مثلكم!
هل تريدون الخير لهذا العالم؟ إذًا اختفوا جميعًا… أو اجعلوني ملكًا عليكم، فأنتم فاشلون في كل الأحوال!
حكمتم العالم وكدتم تلتهمونه!"
تعالت الهمهمات من بين الأرواح العظيمة؛ بعضهم اشتعل غضبًا، بعضهم تجاهله، والبعض الآخر نظر إليه باستعلاء كأنّه ذبابة تجرؤ على الصراخ في وجه الشمس.
زمجر دراغور بقوة زلزلت السماء وقال:
"يا فتى، أتتمنى الموت؟ أنت لا تستطيع حتى حماية نفسك من حضوري!"
فجأة شعر أرين بحرارةٍ تمزق جلده، كأنّ موجة نارية هائلة انفجرت من دراغور وغطّت المنطقة. ومع ذلك، ابتسم أرين وقال متحديًا:
"وهل تستطيع أنت حماية كرامتك؟
أنت تواجه العالم بدرعٍ عظيم رغم صلابة جسدك، وأنا أواجهه بصدري!
أفضل الموت بعزٍّ على أن أعيش بذلٍّ كما تفعل أنت الآن!
هل كل إنجازاتك هي أن تتنمر على الأضعف منك وتتجنب العظماء؟
لهذا بالضبط… أنت حثالة!"
ضحك نورين، بخفة من يعرف أن العالم لعبة بين يديه، وسحب أرين خلفه بحركة يد بسيطة، فشُفي جسده في لحظة. ثم قال له بهدوء يقطر هيبة:
"استمر."
مع إجتمع الكثير من الأرواح العظيمة من المستوى التاسع حولهم، دراغور لم يجرؤ على التحرك دون حساب.
ابتسم أرين أكثر وقال بصوتٍ ثابت:
"أرڨان… لقد دمّرتَ عشيرة أسياد الروح لتنتقم لوالدك، أليس كذلك؟
لكن قل لي، هل كانت العشيرة هي من قتلت والدك؟ أم روحها الأصلية؟
ظللتَ حزينًا كإمرأة عاجزة، والآن تنظر إليّ باستعلاء؟ لهذا أنت فاشل!
قتلت من لا علاقة له بالأمر وتركت الجناة الحقيقيين، ولم تتجاوز موت والدك قط.
أرڨان، لو امتلكتُ القوة لقتلتك أنت، لا عائلة الدم الأسود!"
أجابه أرڨان ببرودة كالجليد:
"وهل تستطيع حتى قتل أحفادي؟ ناهيك عني أنا؟
أنت مجرد ضعيف… يوجد الكثير مثلك في هذا العالم.
لست شيئًا مميزًا، ولا خطرًا، ولا تهديدًا مستقبليًا.
ما تقوله ليس إلا هراءً من فم ضعيف، وهذا كل ما تستطيع فعله."
ابتسم أرين بسخرية حادة وقال فورًا:
"وهل أنت من يحدد التهديدات المستقبلية؟
لما لم تحدد قاتل والدك كتهديدٍ قبل أن يقتله؟
ما تقوله أنت هو المعنى الحرفي للكلام الفارغ!
وأين كنت حين كان والدك يقاتل؟ مختبئًا؟ أم ضائعًا؟ أم عاجزًا عن الوصول؟
كل ذلك يعكس غباءك، أرڨان.
لو كنت كما تدّعي… لما حصل أيٌّ من هذا!"
وقبل أن يردّ أرڨان، انقطع المشهد بانفجارٍ في الواقع نفسه.
ظهر فارس بملابسٍ داكنة فخمة — ليس فارسًا حقًا بل صيّاد. جسده ينبض بطاقةٍ خالصة من ثماني نجوم، بلا أي سحر أو قدرة، فقط هالة خالصة من القوة المتجسدة. شعره أسود ناعم، عيناه سوداوان كلون الهاوية، ولحية خفيفة تُبرز ملامحه الحادة.
بمجرد ظهوره، انقسم الواقع نفسه. حاول هايدرن إخضاعه، لكن الإخضاع تلاشى كما لو لم يكن. قدرته الخاصة التي تؤثر على العالم كانت خطيئة في عين النظام — "التمرد".
عندما أدرك أزوريان التيار الأول أن المعركة ستتحول إلى كارثة على العالم الواقعي، رفع يده فاهتزت السماء، وقسّم الجميع. كل روح وكل جسد، انساب إلى مكان مختلف.
في تلك اللحظة، وجّه أرڨان ضربةً تمحو الوجود ذاته نحو نورين — ضربة لا يمكن صدها أو اعتراضها، تمحو النسخة والجسد الأصلي معًا حتى لو لم تلمسه.
لكن نورين لم يتراجع. ابتسم، وألقى أرين داخل قصر أسياد الروح، ثم وقف في وجه الضربة بنفسه.
…
في العاصمة، جلس فالين يراقب.
كان يشاهد من بعيد انسياب الأرواح العظيمة، وقوات عائلة الأركيديا، وارتداد أرين بفعل قدرة أزوريان.
لم تمر سوى ساعة واحدة منذ عودة فاليريان إلى الزمن الحالي… لكنها كانت كافية لتدمير العاصمة بأكملها.
ورغم أن الأرواح كانت تقاتل في واقعٍ موازٍ صنعه فاليريان، إلا أن حضورها وحده كفيل بإحداث هذا الخراب.
نهض فالين من وسط الركام، والشمس تشرق فوق مدينةٍ تحترق. الجثث مبعثرة، والجرحى يئنّون، وصوت البكاء يعانق الريح.
ومع ذلك… لم تختفِ ابتسامته.
من العدم، سمع صوتًا عذبًا لرجلٍ يقول:
"لماذا تبتسم يا ابن الأركيديا؟
هل هذا هو الطريق الصحيح في نظرك؟"
أجاب فالين بهدوء:
"استراق السمع ليس جيدًا، ألا توافقني؟"
ضحك الصوت بخفة:
"ربما… لكن لدي سمع جيد، ماذا أفعل؟"
ابتسم فالين وقال وهو ينظر نحو الأفق:
"هذا العالم لن ينتظر أحدًا.
العالم ليس قصةً أحادية الاتجاه، لا يتوقف عند حزن شخصٍ ما، ولا ينتظر أحدًا ليقوى قبل أن تبدأ الحرب.
في هذا العالم، هناك من يخطط ويراقب، وهناك من يبكي ويتمنى أن يكون كل ما يحدث مجرد حلمٍ سيئ.
الفرق بينهما بسيط…
الأول يغيّر، والثاني يُمحى.
إن سعيت خلف القوة، فالقوة هي ما ستحصل عليه.
وإن سعيت خلف الانتقام، فذلك ما ستناله.
وإن ظللت تبكي، فلن تجد سوى المزيد من الدموع.
لا شيء يتغير ما لم تتغير أنت.
أنا لا أهتم بمن مات… ولا إن تكدست الجثث حتى تبلغ عنان السماء.
كل ما يهمني هو الهدف الذي رسمته لنفسي."
سكت الصوت للحظة، ثم قال:
"وما هو هدفك النهائي إذًا؟"
ابتسم فالين بخفة وقال:
"أغبى خطوة لأي شخص هي أن يُخبر الآخرين بأهدافه.
حقيقة أن لا أحد يعلمها… تجعلني غير متوقّع."
في تلك اللحظة، جلس أرين على كرسيٍّ مكسور وسط حديقةٍ مهدّمة، أغمض عينيه واستشعر قدرته وهي تكتسب روحًا خاصة بها.
…
داخل وعي فالين، تشكلت الروح بسرعة — نصفها الأيمن طفلة صغيرة بشعرٍ أصفر ناعم وبشرة بيضاء وخدود ممتلئة كالملاك، والنصف الآخر كتلة من السواد بعينٍ حمراء وتشققاتٍ حولها، نصف شيطانٍ ونصف نور.
اقتربت الروح من فالين وابتسمت له، فانحنى لها بخفة، وابتسم بدوره.
في الخارج، بدا أكثر هدوءًا، كأن بصيرةً جديدة استقرت في عينيه، وذكاءه ازداد صفاءً.
سمع الصوت نفسه يقول له من جديد:
"مبروك ارتقاؤك."
هز فالين رأسه بخفة، ثم اختفى من الحديقة كأنه مُحي بممحاة من الوجود، وتجسد داخل قصر أسياد الروح، واقفًا بجانب أرين المستلقي، وقال بابتسامة هادئة:
"كيف حالك بعد مقابلة كل أولئك العظماء؟"
"..."
ساد الصمت في القصر للحظات، قبل أن تهتز الجدران بنبضة غريبة — كأن شيئًا في العالم نفسه تغيّر.
في الخارج، توقفت الرياح، وسكنت السماء، قبل أن يشقها وميض أزرق داكن امتدّ من الأفق إلى الأفق.
رفع فالين رأسه ببطء، وشعر بارتعاشة خفيفة تمر عبر جسده.
قال بنبرةٍ خافتة، كأنها وعد أو نبوءة:
"بدأت الفوضى تتحرك من جديد... وما كان مختبئًا في الظل، سيطالب بمكانه في النور."
فتح أرين عينيه ببطء، نظر إلى السقف المتهشم، وابتسم ابتسامة باهتة:
"إذن... هذه ليست النهاية بعد."
خارج القصر، كان ضوء أزرق غامض يلتف حول العالم — علامة على أن عهدًا جديدًا قد بدأ،
وأن السماء ذاتها تستعد لتتحدث من جديد.
---
نهاية الفصل 16: من هنا تبدأ الحرب رسميا