الفصل 17: وريث الصمت والتمرد
في القصر المهجور لأسياد الروح، كان الغبار يتراقص في ضوء الفجر المتسلل من النوافذ المتشققة، وصوت الريح يهمس عبر الأروقة التي شهدت مجدًا منسيًا.
وقف أرين إلى جانب فالين، وكلاهما يحدّقان في الفراغ وكأنهما يواجهان ثقل العالم بأسره.
قال أرين بنبرة مرهقة لكنها حادة:
"إذن، ما هي خططك للحرب؟ فلنعترف… نحن ضعفاء. مع وجود الأرواح العظيمة، سنهلك لا محالة. لا يمكننا تكرار ما فعلناه في حصن الظل، فالجميع الآن على أهبة الاستعداد لأي هجوم. حتى خطتك لقتل الدوق باريان عن طريق الجاسوس باول ستفشل حاليًا على الأغلب… فماذا نفعل؟"
ابتسم فالين بهدوء، لكنه لم يردّ بعد. فتح فمه ليقول شيئًا قبل أن يقطعه صوت خطوات تقترب.
تبدّل الهواء فجأة، وغمر القاعة حضورٌ لا يمكن وصفه إلا بأنه أسمى من الوجود ذاته.
دخل نورين أستير، وخلفه السياف الغامض الذي شق الواقع سابقًا في لوكسيفار.
قال نورين بنبرة هادئة لكنها عميقة تخترق القلب:
"الأرواح العظيمة لا تستطيع التحرك بسهولة… يقيدهم العالم فورًا. لهذا يبقون في أبعادهم الخاصة ولا يدخلون إلى الواقع إلا إن كان التهديد من مستواي أو مستوى روح عظيمة على الأقل.
أما أنت، يا أرين، فلن تتحرك أي روح عظيمة من أجلك، حتى لو قاتلت أحد أحفادهم وقتلته. الأمر ببساطة لا يستحق."
عبس أرين وسأل بحدة:
"إذن كيف تتحرك أنت؟ ومن يكون هذا الذي بجانبك؟ ومن أنت حقًا؟"
ضحك نورين بخفة وقال:
"أنا نورين أستير، الروح الأصلية لعشيرة أسياد الروح. وسبب عدم تقييدي هو أمران:
الأول، أن قدرة تقسيم الروح لدي تطورت لدرجة أني قادر على الاندماج مع أي شيء… حتى العالم نفسه.
أما الثاني، فهو أن قدرة استنساخ الروح عندي تطورت إلى استنساخ الوجود.
أنا قادر على صنع آلاف النسخ مني، كل نسخة تملك قوتي وذكائي، كلها أنا… لكن بشكل مختلف.
لذلك، العالم يتعامل مع إحدى النسخ على أنها أنا، ويترك الباقي. لأن الكون يقيد كل من وصل للمستوى الثامن — سواء بالقدرة أو الهالة أو السحر — بتقييد يستهدف وجوده ذاته. أما أنا… فأنا حر من هذا القيد."
أشار إلى الرجل بجانبه وقال بابتسامة فخر خافتة:
"أما هذا فهو إيرافين، ملك السيف… لقب يُمنح لمن بلغوا النجمة الثامنة في الهالة. قدرته التي تؤثر على العالم هي التمرد — قادر على تحدي قوانين العالم ذاته."
ثم أضاف وهو ينظر إليه بإعجاب واضح:
"إنه أسطورة حية… وأنا فخور به."
رمقه أرين بشك وسأل بابتسامة متوترة:
"ولماذا أنت فخور به إلى هذا الحد؟ هل هو تلميذك؟"
ضحك نورين وقال ببساطة:
"لا… إنه ابني. لسببٍ ما لم يرث قدرتي، لكنه ورث صفة التحكم بروحه. ألا تراه يشبهني؟"
ضحك بفخر، بينما ظلّ إيرافين واقفًا بصمت، بوجه بارد لا يحمل سوى سكون العاصفة.
قال أرين بعد لحظة من التردد:
"هل أستطيع قول ما أفكر فيه؟ أظن أني سأموت حقًا إن فعلت… انسَ الأمر. أخبرني فقط، هل أنت من أحضرني لهذا العالم؟ بالنظر لطريقة انتقالي… ولماذا لم أمت من لعنة أرڤان رغم موت عائلتي كلها؟"
ساد الصمت، وراقب إيرافين أرين باهتمام خافت.
ثم قال نورين أخيرًا:
"ليس كل ما تحلله صحيحًا في ظل نقص المعلومات… أحيانًا يكون أكثر شخص تخافه هو نفسك.
أما ما تسميه لعنة أرڤان، فلم يحن وقتها بعد… لكنك ستموت فعلًا بعد ستة أشهر. بغض النظر عن أي شيء… ستموت."
تجمد أرين في مكانه، ثم سأل بصوت خافت:
"هل يمكنني فعل شيء لأعيش؟"
رد نورين بلا تردد:
"لا. لكن قبل أن تموت، حاول أن تجمع روحك، واصنع جسدًا جديدًا، أو استولِ على جسد أحدهم.
لقد حصلت على قدرة فرعية تمكنك من التحول بين جسدك المادي والروحي، إنها جيدة. تدرب عليها… واستعد للحرب.
سأدع إيرافين يدربك، أما أنا… فلدي وجهة أخرى."
اختفى نورين بصوتٍ يشبه تمزق الهواء.
بقي أرين مذهولًا، بينما نظر إليه إيرافين وقال ببرود:
"ماذا كنت ستقول حول شبهي بوالدي؟"
رد أرين بابتسامة ماكرة:
"هل ستصدقني إن قلت إنك أكثر وسامة منه؟"
سكت إيرافين… وكأن العالم نفسه توقف للحظة.
---
في عاصمة لوسيان – لوكسيفار،
فتحت سيليا عينيها ببطء وسط ضوء ناعم يتسلل من النافذة. رائحة الأزهار المالحة والضمادات الطبية ملأت الغرفة.
إلى جانبها كان شقيقها فالتر يجلس بوجه متعب، وأمامها على السرير تنام أختها الصغيرة ليورا.
قالت سيليا بصوتٍ مبحوح:
"كم مرّ من الوقت منذ غيبوبتي؟"
أجاب فالتر بهدوء:
"يومان ونصف."
استيقظت ليورا من نومها، ورأت أختها تستفيق، فغرقت في البكاء وعانقتها بقوة:
"أي نوع من الوحوش فعل هذا بك؟ سينتقم منه فالتر بالتأكيد!"
قال فالتر بعينين حادتين:
"إنه سيد روح… إن عشيرته مجانين. مع عودة الأركيديا، لا أستبعد عودة أسياد الروح. إنه وحش بين الوحوش.
لم تكن سيليا أضعف منه حينها، لكنه قاتل بجنون، وضع حياته على المحك دون تردد. بعد تلك الحادثة، شعرت أن قدرته ارتقت إلى المستوى الثالث وسحره إلى الدائرة الثالثة."
ثم أضاف بنبرة حازمة:
"لكن لا داعي للخوف. حتى لو تحالف أسياد الروح مع الأركيديا مجددًا، سنتحالف نحن مع عائلات الدم — خاصة عائلة الدم الأسود، أرڤان. نتشارك أصلًا واحدًا بعد كل شيء."
قالت سيليا بقلق:
"ولماذا قد يبحث عنا؟ ماذا يريد؟"
رد فالتر بجمود:
"إنه حاقد… لا يحتمل الإهانة. يرى نفسه ملكًا، ونحن مجرد قطع على رقعته. احذرا منه."
خرج من الغرفة بخطوات ثقيلة، حاملاً في ملامحه ظلّ حربٍ تقترب.
---
في الشرق البعيد، كان باول يتنزه مع زوجته وطفله وسط حقلٍ من الأعشاب الذهبية.
النسيم كان هادئًا، لا يوحي بما يجري في العاصمة.
لكن الروح المستنسخة لأرين — التي سكنت جسده — كانت تتحرك بانسجام تام مع حياته، تقلده بدقة مذهلة، لا تثير الشك في أحد… لا في عائلته، ولا في أعين المراقبين.
ومع اقتراب موعد لقائه بالدوق باريان، بدأ الصراع الحقيقي يقترب من نقطة غليانه.
---
في إمبراطورية فالكان،
جلس الإمبراطور أورثال إرنوس على عرشٍ من الحجر الأسود، كأنه جبلٌ من الهيبة الحية.
وقف الوزراء أمامه يقدمون تقارير عن أحداث لوكسيفار، وعن عودة الأركيديا وأسياد الروح، وعن تحرك شادوين – إيرافين ضد هايدرن.
الوجوه كانت شاحبة، والخوف يتسلل حتى إلى قلوب أكثر الرجال صلابة.
مع عودة الأرواح العظيمة، لم يعد مصير العالم بيد البشر.
الكل يعرف أن حربًا عالمية تلوح في الأفق، حربًا لن تُبقي شيئًا على حاله.
ومع أن فالكان تمتلك روحًا أصلية من المستوى الثامن، إلا أن الإمبراطور كان يعلم… أن مجرد اسم مثل إيريكثوس أو نورين قد يعني الفناء ذاته.
---
في بعدٍ خاص، نصفه ظلام مطلق والنصف الآخر ذهبٌ يسطع كالخطيئة الأولى، جلس أرڤان وهايدرن على طاولةٍ صغيرة.
كان الحوار بينهما هادئًا، لكنه أثقل من جاذبية العالم.
ناقشا كيفية قتل نورين وإيريكثوس، وكيف يمكن للحرب القادمة أن تغيّر كل الموازين.
ثم قال أرڤان بصوتٍ متأمل:
"أخي، لقد مر وقت طويل… ماذا عن أليسيا؟"
ساد الصمت طويلاً، ثم أجاب هايدرن بهدوءٍ حزين:
"ولماذا تسأل عنها؟ أأنت قادر على مسامحتها؟"
ابتسم أرڤان بمرارة وقال:
> "في هذا العالم، كل ما هو موجود يمكنني الحصول عليه… من البداية إلى الآن.
لكن القيمة لا تأتي من الوجود، بل من الندرة. الذهب، النساء، السلطة… كلها بلا قيمة حقيقية.
ما يعطي الشيء قيمته هو أن يكون نادرًا، ولا يُعوّض، وأن يكون من مكانتي.
وهذا لا يتحقق إلا في شيء واحد… العائلة."
تنهد هايدرن بخفوت، تمتم وكأنه يهمس إلى ماضٍ بعيد:
"العائلة… يا لها من أيام كنا نحياها."
في تلك اللحظة، لم يبدُ الاثنان كروحَين عظيمتين… بل كأخوين فقدا كل شيء، ولم يبقَ لهما سوى الذكريات.
---
في قاعةٍ وسط تحالف الممالك الخمسة، جلس الملوك في دوامةٍ من الخوف والتوتر.
كانت قوتهم تعادل الإمبراطوريتين فالكان ولوسيان، لكن في ظل تدخل الأرواح العظيمة… أصبحوا كالأطفال وسط العاصفة.
ومع كل تقرير يصل، كان الأمل يتآكل أكثر — فلا نجاتهم مضمونة، ولا حيادهم ممكن.
---
في بعدٍ آخر…
كانت امراة تسير في حقلٍ من الورود الحمراء، شعرها القرمزي يتماوج مع النسيم كأن اللهيب يسري فيه.
كانت تتوقف أحيانًا لتنظر إلى السماء القرمزية، وأحيانًا إلى الأرض، وكأنها تبحث عن معنى وسط الصمت.
بعد مسافة، وصلت إلى قبرٍ بسيط كُتب عليه:
"هنا يرقد العظيم الذي حكم العالم. كما لكل بداية نهاية… فهذه نهايتي. لقد هلك ملكي، وهذا مألي."
جلست أمام القبر، ووضعت يدها عليه، ثم بكت بصمتٍ طويل.
كانت الدموع تسقط على الورود الحمراء، تختلط بالدم والذكريات،
وفي السماء… خيّم الهدوء المرعب الذي يسبق العاصفة القادمة.
---