الفصل 19 : الليلة التي خُنق فيها الضوء

في المنطقة الواقعة خارج العاصمة، كان فالين يخفي وجوده بعناية. لم يرغب في دخول لوكسيفار مباشرة، فالحاجز الإمبراطوري الذي يحيط بها قادر على كشف أي تمويه أو إخفاء من طراز الأركيديا، كما أنه يعرقل الانتقال الآني.

لهذا ظل فالين يترقب بصبر، منتظرًا اللحظة المناسبة، رغم أنه لا يستطيع الانتقال أنيًا. ومع ذلك، امتلك قدرة أخرى؛ تبديل موقعه مع شخص آخر، وهي تقنية نادرة وخطرة.

كانت الإمبراطورية في حالة ترقب دائم لأي غزو محتمل من الأركيديا، فاختفاء شخص واحد فقط قد يكون كافيًا لإشعال الإنذار وتحريك الجيوش.

لكن فالين لم يكن من ذلك النوع الذي يُفاجأ بسهولة. خطط مسبقًا لكل الاحتمالات، ولهذا جعل أرين يضع جزءًا من روحه بداخله، بحيث يتمكنان من التواصل والتنسيق دون الحاجة إلى كلمات أو إشارات.

وعندما تسلل أرين إلى العاصمة لوكسيفار، وزّع أجزاءً من روحه في أماكن مختلفة داخلها، مما أتاح له القدرة على التبديل بين موقعه وموقع أحد تلك الأجزاء المنفصلة.

لكن الانتقال الكامل كان يعني اكتشافه فورًا.

لذا دفع أرين أجزاء روحه لتتحرك نحو المجاري السفلى، بينما ظل فالين بالخارج ينتظر اللحظة الحاسمة لفتح البوابة والسماح لقوات الأركيديا بالزحف نحو قلب العاصمة.

كان التواصل بينهما يتم عبر جزء الروح المزروع داخل فالين، نبضًا صامتًا بين عقلين في ظلّ واحد.

في تلك الأثناء، وفي مستودع الأسلحة بالقصر الإمبراطوري، خرجت روح من سيف قديم لتتجسد في هيئة أرين. قام بتعويض الأجزاء الناقصة من روحه عبر أرواحه المستنسخة، ثم ضغط وجوده الروحي إلى أصغر شكل ممكن.

تجول داخل أروقة القصر بخفة ظلّ، متتبعًا أرواحه المستنسخة التي سبقته في التجسس داخل جسد أغنوس.

كان لدى أرين فكرة أولية عن تصميم القصر الإمبراطوري وتوزيع غرفه، وقد اعتمد على تلك المعرفة بحذر مفرط.

في قاعة العرش، جلس الإمبراطور أركان الرابع على عرشه الرفيع، وإلى جانبه الأمير الأكبر فالتر، بينما دخل كل من الأمير الثاني سايرين ومساعده، ومعهما أغنوس المقنع.

انحنى كلٌّ من المساعد وأغنوس باحترام أمام الإمبراطور، وتحت نظرات أركان المتفحصة ساد الصمت لحظة قبل أن يتحدث:

>"سايرين، هل انتهت مهمة الإخضاع بهذه السرعة؟"

رد سايرين بلا تكلّف:

> "نعم، كل الفضل يعود لأغنوس. لقد حقق إنجازات في أرض المعركة، واقتحم بوابات الحصن مزدوج الأسوار بنفسه. كان سببًا رئيسيًا في نصرنا في عدة غارات."

تحولت أنظار الإمبراطور والأمير الأكبر نحو أغنوس المنحني أمامهم.

لكن ما لم يدركه أحد هو أن كلاً من فالين وأرين كانا يراقبانه من بعيد، الأول من خارج العاصمة، والثاني من ظلال القصر ذاته، مستعدين لتغيير كل ما يجب تغييره في اللحظة المناسبة.

تفحص الإمبراطور أركان أغنوس بدقة وقال بنبرة فاحصة:

> "أنت فارس هالة من المستوى الرابع، قريب من الخامسة. جسدك صلب كما لو أنه احتوى ثلاث قوى في جسد واحد. هالتك كثيفة ومخفية بعناية... أنت حقًا شخص مميز."

انحنى أغنوس شاكرًا على المدح، بينما استمر الإمبراطور والأميران في مناقشة خطوتهم القادمة.

وخلال ذلك، كان فالين يركز بكل انتباه، فيما أرين استمر يتنقل بين الجدران كطيفٍ رماديٍّ لا يُرى.

وصل إلى باب ضخم مزخرف يقف أمامه فارسان من فرسان الهالة. ضغط أرين وجوده الروحي أكثر حتى أصبح كخيط دخان، واختَرق الجدار ليدخل الغرفة.

كانت الغرفة فسيحة، تحوي سريرًا واسعًا وخزانة ملابس ضخمة، ومرآة مزخرفة يحيط بها ضوء ناعم.

بدت كغرفة أميرة من عصور بعيدة.

أمام المرآة وقفت فتاة تتفحص وجهها الذي شُفي حديثًا من آثار الضرب، واستعادت شيئًا من جمالها السابق: شعر ذهبي، وعيون ذهبية لامعة.

كانت سيليا هايدرن، الأميرة الكبرى، رابعة أبناء الإمبراطور أركان.

تحيط بها خادماتها وهن يغسلن وجهها ويديها بعناية.

عزل أرين الصوت عن الخارج بقوة روحه، واستدعى دعم فالين ليخفي أي أثر غير طبيعي، ثم تجسد على كرسي بجانب السرير وقال ساخرًا:

> "ما هذه السخافة؟! الجميع يساعدها على غسل وجهها ويديها؟ ألا يوجد مفهوم للخصوصية في هذا العصر؟ أم أنها لا تعرف كيف تفعل ذلك بنفسها؟"

رفعت سيليا رأسها نحو المرآة، وحين رأت انعكاس الشاب الجالس خلفها، اتسعت عيناها رعبًا.

شعر أسود غرابي قصير، عيون رمادية، ابتسامة باردة...

تجمدت ملامحها وهي تتذكر تلك الابتسامة المجنونة، ذلك الدخان الأزرق الذي خرج من جسده، والضرب الذي تلقته على يديه من قبل.

كلمات شقيقها فالتر عنها عادت تتردد في ذهنها: "ذلك الحاقد المجنون..."

صرخت إحدى الخادمات بعنف:

> "أنت! ماذا تفعل أيها الوقح المنحرف؟! كيف تجرؤ على دخول غرفة الأميرة؟ ألم تعلّمك أمك الأدب؟!"

اختفت ابتسامة أرين في لحظة، وحل مكانها برود قاتل:

> "والدتي ماتت للأسف... كانت تخبرني دائمًا أن أكون مهذبًا وأتجنب المشاكل. لكن في هذا العالم، إن أظهرت ضعفك... ستهلك. لذا أستذكر كلام أبي دائمًا: لا تسمح لأحد أن يهينك، ودمر عدوك. وهذا ما سأفعله."

وبمجرد أن أنهى كلماته، سقط رأس الخادمة أرضًا في قطعٍ نظيفٍ مثالي.

تجمدت الخادمات الأخريات في أماكنهن، والدماء تسيل على الأرض الرخامية.

جعل أرين أحد استنساخاته يتلبس سيف سيليا، وأعاد نفس أسلوب السيف الذي رآه منها في لوكسيفار، كي يبدو كأن القتل صدر عنها في حال اكتشاف الأمر.

في الخارج، لم يسمع أحد شيئًا بفضل العزل الروحي الكامل.

تمتمت سيليا بصوت مرتجف باكٍ:

> "رجاءً... دع الخادمات... إنهن معي منذ كنت صغيرة... لا تقتلهم..."

انهمرت دموعها كالشلال، والارتجاف يسيطر على جسدها الضعيف.

ابتسم أرين ابتسامة باهتة دون رد.

في تلك اللحظة، نهض فالين خارج العاصمة وبدّل موقعه إلى المجاري السفلى. هناك فتح بوابة، وسمح لعدد من مقاتلي الأركيديا من المستوى الخامس بالدخول.

قال فالين بصرامة هادئة:

> "صديقي الآن داخل القصر الإمبراطوري. الخطة واضحة: سنستدرج العائلة الإمبراطورية ونختمهم مؤقتًا في مكان محدد داخل القصر. بعدها ندمّر الحاجز فورًا، ونحدث أكبر قدر من الفوضى في العاصمة. هدف العملية هو ضرب العاصمة وإرباك خطوط الإمداد في الجبهات الأمامية."

سأله أحد الأركيديا، شاب بدا في مثل عمر أرين:

> "لكن كيف سيؤثر ذلك على الجنود في الخطوط الأمامية؟"

ابتسم فالين بثقة وقال:

> "مصدر إمداداتهم من السلاح والطعام يأتي من العاصمة. حتى لو لم تكن المصدر الوحيد، فمعظمها ينطلق من هنا. أضف إلى ذلك أن الجنود لديهم عائلات يعيش أغلبهم هنا، ظنًا منهم أن العاصمة أكثر مكان آمن. ضرب هذا المكان سيزرع الذعر في قلوبهم... ويجبرهم على التراجع."

بعد أن شرح جميع نقاط الخطة بالتفصيل، سأله أحد مقاتلي الأركيديا من المستوى الخامس:

> "فالين، لِمَ لا تعود إلى الأركيديا؟ أنت ابن الزعيم، ولن يسيء أحد معاملتك."

ابتسم فالين بهدوء وقال:

> "أهدافي تقع خارج الأركيديا."

في تلك الأثناء، في قاعة العرش، رفع أغنوس رأسه نحو الأمير الثاني وقال بصوت منخفض:

> "أيها الأمير... هناك مشكلة."

التفت الجميع نحوه، فقال الإمبراطور أركان بحدة:

> "وما الذي يجعلك تقاطعني الآن؟"

رد أغنوس بجدية:

> "جلالتك، أشم رائحة دم... لكنها تختفي كلما استخدمت الهالة لتقوية حواسي. هناك شيء غريب يحدث."

لم يتجاهل الإمبراطور التحذير، وسأل بسرعة:

> "هل تستطيع تحديد المصدر؟"

أجاب أغنوس:

> "نعم، غربًا... على بعد ثلاثين مترًا."

تجمدت الوجوه في القاعة، فذلك الاتجاه كان يقود إلى جناح الأميرة سيليا.

تحرك الجميع فورًا، يتقدمهم الإمبراطور والأميران، متجاهلين تحذير أغنوس الذي قال:

> "قد يكون فخًا، توخّوا الحذر!"

لكن الخوف على سيليا كان أقوى من الحذر.

---

وفي تلك اللحظة، حين أدرك أرين اقترابهم، أرسل إشارة خفية عبر الروح نحو فالين.

في الأعماق، عند فوهة المجاري، رفع فالين يده اليمنى وهو محاط بمقاتلي الأركيديا، وتدفقت من حولهم موجة من الطاقة الزرقاء الداكنة.

اتحدت هالاتهم جميعًا لتشكّل دائرة معقدة من الرموز، انطلقت منها خطوط من الضوء لتخترق الأرض وتصعد نحو القصر الإمبراطوري.

امتزجت قوة فالين بالجوهر الروحي لأرين، وبدأ الختم في التكوّن — حاجز يفصل جناح سيليا وكل من فيه عن الواقع ذاته.

في الداخل، بدأ الهواء يثقل، والجدران تهتز بخفوت، وكأن المكان يُنتزع من العالم تدريجيًا.

نظر أرين نحو الأميرة المذعورة وهمس بابتسامة باردة:

> "بدأ الختم..."

داخل جناح سيليا، شعر أغنوس بتشوّه في الطاقة من بعيد، لكن لم يكن الوقت كافيًا لتفسير ما يحدث.

---

في جناح الأميرة، وسط حمّام من الدماء، كانت سيليا منهارة تبكي، والخادمات الأخريات بين قتيلة ومحتضرة.

عندما اقترب صوت الأقدام من الباب، شعر أرين بوجودهم. فاختفى على الفور، وتحول إلى حالة روحية، ثم شطر جزءًا من روحه وجعلها تدخل داخل جسد سيليا نفسها.

انفتح الباب على المشهد الدموي، ورأوا الأميرة باكية على الأرض.

وقبل أن يتمكن سايرين من الوصول إليها، ظهر أرين فجأة خلفه، محاولًا قطع رأسه.

لكن أغنوس التقط سيف أحد الحراس بسرعة واعترض الضربة.

في اللحظة التالية، انفجرت هالة الإخضاع من فالتر وأركان معًا، فاختفى أرين من القصر كأنه لم يكن.

في الأسفل، داخل المجاري، تجسد من جديد بجانب فالين.

وفي اللحظة نفسها، كانت قوات الأركيديا تعمل على تعطيل الحاجز وفتح البوابات.

بدأ غزو العاصمة لوكسيفار.

ابتسم كلٌّ من فالين وأرين بخبث، بينما كانت الليلة التي خُنق فيها الضوء قد بدأت للتو.

---يتبع...

2025/10/20 · 29 مشاهدة · 1338 كلمة
Mehdi Dz
نادي الروايات - 2026