الفصل 21 – تمرد على العالم
مع اشتعال الفوضى في العاصمة، تسلّل إيرافين في صمتٍ عبر ظلال الفوضى. لم يكن هدفه القتال ولا النجاة، بل إخفاء وجوده عن أنظار العالم ذاته.
توجّه نحو قصر الفراغ، القصر الشاهق بلونه الأبيض المائل إلى الرمادي، يعلو في السماء كأنه جدار يفصل بين الوجود والعدم.
في أعلاه جلس فاليريان أركيديا، زعيم العائلة ذات الدم القديم، على عرشه الحجري الهادئ، محاطًا بهالةٍ من الغموض والهيبة.
خطا إيرافين بخطواتٍ ثابتة نحو العرش، وانحنت الظلال حوله كأنها تخشى التنفّس بقربه، ثم قال بصوتٍ هادئ:
"ساعدني على إخفاء شيءٍ معين."
رفع فاليريان نظره، ملامحه كالثلج، وصوته كهمس الريح:
"ومن تخطّط لقتله هذه المرة؟"
أجابه إيرافين دون تردّد:
"هذا ليس مهمًا… المهم أن تخفيني."
فكر فاليريان للحظةٍ قصيرة، قبل أن يغمض عينيه ويشير بيده.
ارتجّ الفراغ من حولهما، وانمحت صورة إيرافين كأنها لم تكن.
لكن قبل أن يغادر، قال فاليريان بصوتٍ بارد:
"لديك ثلاثون دقيقة فقط… بعدها سيزول الإخفاء."
أومأ إيرافين بصمت، ثم اختفى من الوجود.
...
شقّ الفضاء بسيف إرادته، وعبَر من خلاله إلى الفراغ المظلم… عالم لا يوجد فيه سوى الصمت والظلام والعزلة المطلقة.
اندفع بسرعةٍ عظيمة وسط العدم حتى صادف حاجزًا غير مرئي، اخترقه دون تردّد، وفي اللحظة التالية تغيّر كل شيء.
عالم من الجليد والأنين، تتطاير فيه الأرواح كضبابٍ باهتٍ يبحث عن خلاصه.
ما إن لاحظت الأرواح الدخيل حتى بدأت بالصراخ والعويل، لكنّها لم تجرؤ على الاقتراب.
فحول إيرافين، تشكّل جدارٌ غير مرئي من قوته… قوة سيد الروح المنبوذ.
كلما تقدم أكثر، ازدادت البرودة حتى أصبحت كالسكاكين تخترق العظم، واشتدّت صرخات الأرواح حتى بدت وكأنها لحنٌ جنائزيّ للعالم نفسه.
وأخيرًا، بلغ قمة الجبل الجليدي الشاهق الذي يخترق السماء.
هناك، كان يقبع عرشٌ من الجليد الأزرق، وخلفه ظلّان لتنينين روحيين، أحدهما يلتهم ذيل الآخر، يشكّلان دائرة خالدة تمثل دورة الحياة و الموت.
وعلى العرش جلس رجلٌ بملامح من الجليد، شعره أبيض كالعاصفة، وعيناه زرقاوان كهاويةٍ متجمدة، بدا في أوائل الثلاثينات، بلا لحية، بلا دفء.
لم يكن سوي مورڨال الستار البارد، الروح الأصلية لعائلة الدم الشاحب.
ما إن التقت أنظارهما حتى قال مورڨال بابتسامةٍ خافتة:
"ملك المرتزقة من عصر الدمارو الخراب… أم قاتل شادوين؟
أم الويث المنبوذ من عشيرة أسياد الروح؟
أم أنك ابن نورين أستير نفسه؟ من تكون بالضبط؟"
أجابه إيرافين بنبرةٍ ثابتة كالسيف:
"أنا هو الموت… الذي جاء يطرق بابك. فهل أنت مستعد؟"
...
إشتعل الغضب في عيني مورڨال، وإرتجّ الجليد من حوله.
قبل أن يولد نورين أستير ويؤسس عشيرة أسياد الروح، كانت هناك عشيرة قديمة تُعرف باسم عشيرة الأرواح، تضم كل من لمس جوهر الروح ودرس أعماقها.
لكن حين وُلد نورين، كان ناقصًا، مشوهًا، قدرته تجمع كل الجوانب السلبية من القوى الروحية.
احتُقر، سُخر منه، لكنّه طوّر عيبه حتى صار قوةً عظيمة في حد ذاتها، ثم أبيدت العشيرة على يده…
قال حينها: "لقد أرادت العشيرة تطوير مفهوم الروح… والآن وُجد الكمال، فليزُل الناقص ،لقد أرادو أن يصنعو روح عظيمة وقد نجحو في ذلك فل يهلكو إذا."
أخفض مورڨال رأسه وهو يتذكّر أمه، الهاربة من تلك المذبحة، وكيف تعقّبها نورين وقتلها وكلّ من حمل دمها، تاركًا الأطفال يعانون.
كان مورڨال أحدهم.
ولد من جليد الألم وهاوية الحقد.
كل جرحٍ في قلبه، كل نبضةٍ في دمه، كانت تلعن اسم "نورين أستير".
والآن… يقف أمامه ابنه.
اشتدّ صقيع العالم حتى تجمّد الزمن نفسه،
وإنبعثت الأرواح من كل اتجاهٍ نحو مورڨال،
تحوّلت إلى سيفٍ من الجليد، مخلوقٍ حي ينبض بالأنين.
لم تكن قدرته بسيطة، فهو يستطيع تحويل الأرواح إلى جليدٍ خالد،
والجليد إلى أرواحٍ تصرخ من بين الشقوق… كان يتحكم في الوجود والموت في آنٍ واحد.
انطلق نحو إيرافين،
فتصادمت القوتان،
وتحطّم الفراغ بينهما في آلاف الشظايا.
تبادل الاثنان آلاف الضربات،
كل ضربة تهدم جزء من البعد، وكل نظرة تشقّ سماءً.
...
وحين أدركا أن الصراع قد يطول أكثر مما يسمح به الوقت، أخرج كل منهما ورقته الأخيرة.
غرس مورڨال سيفه في الأرض الجليدية، وارتفع صدى الأرواح في السماء.
اجتمع الجليد والأرواح في جسده، فاشتعل ضوءٌ أزرق من عينيه، وغطّت النقوش جسده كأنها تعاويذ من عهدٍ منسيّ.
أما إيرافين… فقد ولِد بصفات سيد الروح، لكنه لم يرث القدرة نفسها.
بدلًا من ذلك، ضغط روحه حتى أصبحت في حجم الذرة،
وسمح لهالته أن تملأ الفراغ، تغلّف جسده وتتمرّد على العالم ذاته.
هالته التي حملت الاسم الذي يخشاه الجميع — التمرد.
صرخ مورڨال وهو يطلق هجمته المدمجة، مزيجًا من الأرواح والجليد، اخترقت صدر إيرافين وثقبت قلبه،
لكن الأخير لم يتحرك، بل سمح للهجوم أن يمرّ.
أعاد مورڨال الضربة ثانيةً، مستهدفًا الرئة والمعدة.
وحين ظن أنه أنهى خصمه… توقّف الزمن.
لاحظ مورڨال شيئًا واحدًا…
إيرافين لم يسحب سيفه بعد.
في مستوى النجمة الثامنة، يصبح السلاح مجرد زينة ،حيث سيتطيع تحويل أي شيء إلي سلاح
لكن ألا يسحب سيفه؟ هذا غير طبيعي.
وحين أخرج إيرافين سيفه أخيرًا من غمده،
اهتزّ العالم.
تشقّق البعد نفسه، واهتزّت قوانين الوجود.
زلزالٌ غير مادي ضرب عالم مورڨال،
لقد تجرّأ إيرافين على التمرّد على سلطة العالم نفسه.
في العادة، يتمرّد على قانون، على مفهوم، على مصير…
لكن هذه المرة، تمرّد على العالم بكامله.
قال بصوتٍ متهدّج وهو يوجه سيفه الأخير:
"إما أن أنتصر وأصعد للقمة… أو أموت وأنا أحاول."
تدفّقت الهالة من جسده كطوفانٍ مظلم، تغلّفت بها روحه، وتمردت على القوانين ذاتها.
حين نزلت الضربة، توقف كل شيء.
الزمن… الصوت… الفكر… حتى الوجود نفسه.
ثم انفجر كل شيء.
اهتزّت كل شيء العالم ،القارات، الفراغ، وسقط مورڨال أرضًا، يلفظ أنفاسه الأخيرة.
تحوّل الجليد إلى رمادٍ أثيريّ، والأرواح إلى نثار ضوءٍ تلاشى في الفراغ.
حتى لو امتلك مورڨال طرقًا للعودة، فموته هذه المرة كان مطلقًا — حكم عليه بالـ"المُوت"، العدم الأبدي.
"....."
رفع إيرافين رأسه وسط الخراب،
الدم يسيل من صدره، لكنه ابتسم.
لقد تحقّق الشرط…
بدأ جسده في التسامي لقد بلغ ذروة الهالة تحولة قدرته التي تؤثر على العالم إلي سلطة على مجال " التمرد" لقد تطورة جودة هالته لحد الكمال و أصبحت قادرة على تغطية العالم أصبح جسده قوي جدا لدرجة أنه لا يمكن لخدشه تقريبا ...
وفي تلك اللحظة، نزل ضوء ذهبي مصنوع من الهيمنة المطلقة و الإخضاع على إيرافين وسط الانفجار الذي زلزل الأبعاد، ظهر هايدرن الملك الأعمى.
مع ذلك شفية جراح إيرافين تماما
لقد وصل إلى النجمة التاسعة —
التمرد المطلق على العالم.
---