الفصل 23 – قديس الحرب

في القصر الإمبراطوري لعائلة إرنوس في إمبراطورية فالكان، جلس الملك تولكان السادس على العرش، تحيط به هالة من القلق والتفكير العميق. رفع رأسه ببطء وقال بصوت متهدّج:

"هل من إقتراحات؟"

ساد الصمت القاعة، قبل أن يتجسد فجأة أمامه كلٌّ من أرين وإيرافين. إرتفع صراخ الحراس ورفعت الأسلحة بحدّة، لكن الملك لم يتحرك، فقد اخترق صوته الداخلي نداء لم يسمعه أحد غيره… كان صوت إرنوس، الروح الأصلية للعائلة الإمبراطورية، روحًا عظيمة من المستوى الثامن، قدرته الأصلية هي التحوّل العملاق.

قال الصوت في ذهن تولكان بتحذير عميق:

"احذر من إيرافين… إنه تهديد يضاهي هايدرن وأرڨان."

اتسعت عينا الملك؛ فكل من يبلغ المستوى الثامن يُعدّ روحًا عظيمة، لكن من يرتقي إلى التاسع يصبح من أقوى الكيانات في التاريخ، من يمتلكون السلطة الحقيقية على الوجود ذاته. وحتى الأرواح العظيمة من المستوى الثامن، رغم عظمتها، لا تصمد طويلًا أمامهم.

تقدم أرين خطوة وقال بابتسامة هادئة:

"اهدؤوا... أنا أرين، ولدي طريقة تمنع موتكم جميعًا."

ارتفعت همهمة في القاعة، فصرخ أحد الوزراء:

"أنت من دمّر عاصمة لوسيان وأشعل حربًا ستمزّق العالم!"

ضحك أرين بتفاجأ وقال:

"جميل... صرت مشهورًا حتى هنا. وصلت إلى هذا العالم منذ أربعة أشهر فقط، وها أنا أقوده إلى الهلاك. المهم، هل ستسمعون حلي أم تفضلون الموت بصمت؟"

نظر إليه الملك بعينين ثاقبتين وقال بوقار:

"أتيت لتجرّنا إلى الحرب، ومعك هذا الرجل... تلعب دور القديس، لكنك شيطان."

أطلق أرين ضحكة قصيرة وقال:

"ربما... لكن هل تعتقد ولو للحظة أنك تستطيع الهرب من هذه الحرب؟ سقوطك حتمي. فكل من أنشأ مملكة، عليه أن يتوقع يوم زوالها. هذا هو قانون العالم."

ساد الصمت. لم يكن الصمت خضوعًا، بل إدراكًا لصدق كلماته.

تنهد الملك وقال:

"ما الذي تقترحه يا فتى؟"

ابتسم أرين أكثر:

"ببساطة، لا تقيّد نفسك بخيارين... اصنع خيارًا ثالثًا."

إرتفع حاجبا الملك باهتمام:

"وكيف يكون ذلك؟"

قال أرين بثقة:

"ترددك في منح القرض أو رفضه نابع من خوفك أن يحدد القرار أعداءك دون حلفاءك. إن منحت القرض للإمبراطورية لوسيان، صرت عدوًّا للأركيديا، دون أن تكون حليفًا للوسيان. وإن رفضته، صرت عدوًّا للوسيان، دون أن تصبح تحت حماية الأركيديا. والسبب الحقيقي في خوفك هو الأرواح العظيمة... أليس كذلك؟"

أومأ تولكان:

"نعم، وماذا بعد؟"

أجاب أرين بابتسامة عريضة:

"إذن، اجعل العالم كله يعرف ما تخفيه! دون الكشف عن وجود الأرواح العظيمة ،ألقِ خطابًا رسميًا تقول فيه إن إمبراطورية لوسيان وعائلة الأركيديا تمتلكان سلاحًا قادرًا على تدمير العالم، وإنهما على وشك جرّ الجميع إلى حرب كارثية.

أخبر لوسيان أنك ستمنح القرض بشرطين إختارو أحدهم:

الأول، أن تمنح الأركيديا المبلغ نفسه.

الثاني، أن تمنح القرض للوسيان فقط، بشرط التعاهد أن تبقى الحرب بين الطرفين، دون أن يتورط العالم فيها. لا أكثر."

ساد الذهول القاعة. كان اقتراحًا جريئًا، خياريًا، ومتوازنًا.

لكن الملك ظل صامتًا، مركزًا بنظرته في وجه أرين، ثم قال:

"هذا حل مؤقت، وليس أبديًا. فحين تبدأ حرب الأرواح العظيمة، سينتهي كل شيء. ما الحل عندها؟"

ابتسم أرين مجددًا وقال:

"الأمر يعتمد على هدفك… هل هو حماية إمبراطوريتك، أم ضمان بقائها بعد نهاية الحرب؟ الأولى مستحيلة، أما الثانية فممكنة.

حين ترى الأرواح العظيمة تتدخل، فل تطلب من روحكم الأصلية نقل سكان الإمبراطورية إلى بُعده الخاص، ثم عودوا بعد أن تهدأ الحرب.

نسخة معدّلة من طريقة أزوريان – التيار الأول."

ساد القاعة صمت ثقيل. لم يجرؤ أحد على الحديث عن الروح الأصلية لعائلة إرنوس علنًا أو أي روح عظيمة أخري، لكن تولكان تجاهل التوجس وسأل أخيرًا:

"وماذا ستستفيد أنت من كل هذا؟"

ضحك أرين بخفة:

"حين تُلقي خطابك، لا تصفني بالشيطان، بل بشيء ألطف... قل قديس الحرب. إنه يناسبني أكثر."

غمر الصمت المكان، ثم تمتم الملك قليلًا... قبل أن يبتسم ويقول:

"قديس الحرب إذن."

---

في القصر الإمبراطوري لعائلة هايدرن، كانت الأميرة ليورا جالسة وسط حقل من الزهور، تحدق في الفراغ بعينين خاليتين من الحياة. من بعيد راقبها الأمير سايرين برفقة مساعده وأغنوس.

قال أغنوس بهدوء:

"أيها الأمير، لماذا لا تكلمها؟ تركها وحيدة ليس أمرًا حسنًا."

أجاب سايرين بنبرة حزينة:

"إنها لا تتحدث مع أحد. الطبيب قال إنها في صدمة... بسبب الشيطان أرين."

بمجرد ذكر الاسم، تغيرت وجوه الحاضرين. الغضب، الألم، والكره اجتمعت فيهم. من ذا الذي لا يكره من أعاد الأركيديا، ودمر العاصمة مرتين، وحاول اغتيال الإمبراطورة والأميرات، وقتل الآلاف؟

لكن أغنوس لم يتراجع وقال:

"على الأقل دعنا نعرف سبب صدمتها."

رد سايرين:

"اتركها وشأنها فقط ستتعافي ببطئ."

وفي القصر المهجور لعشيرة أسياد الروح، بعد عودة أرين وإيرافين من فالكان، طلب أرين من فالين أن "يحرّك الأحداث" ليجعل ليورا تقابل أغنوس.

---

في اليوم التالي، اقتربت ليورا بخطوات بطيئة من أغنوس الذي يضهر في عينها أنه نقي كالطفل الرضيع، وعيناها تملؤهما البراءة والتعب.

قالت بصوت واهن:

"سيدي... ما العدالة؟ وما معنى أن تكون بطلًا؟ لماذا يقتل الناس بعضهم؟ لماذا لا يعيشون في سلام؟"

امتلأت عيناها بالدموع. كانت طفلة بالكاد بلغت الثانية عشرة.

وقف سايرين بدهشة و فرح ثم بدأ في تفقد ليورا، لاكن بقية عيونها مركزة على المقنع بجانب أخيها، بينما أجاب أغنوس بنبرة هادئة:

"العدالة هي أن تعطي كل شخص ما يستحقه."

سألته ليورا:

"وهل الأبرياء يستحقون الموت؟"

أجاب:

"ربما لا، لكن الأمر يعتمد على من قتلهم."

نظرت إليه بارتباك وسألت:

"وماذا لو كان أبي؟"

صُعق الجميع. خيّم الصمت الثقيل كأنها أعلنت حكمًا على الإمبراطورية كلها.

تنهد أغنوس وقال:

"كل ملك يُخيّر بين خيارات صعبة. أحيانًا يُضحّي بالقليل لينجو الكثير. لا أحد يقرر إن كان الإمبراطور مخطئًا أو مصيبًا، لكن من يخطئ في حقه، يخلق رجالًا مثل أرين.

تخيلي لو وضعتِ سكان الإمبراطورية في كفة، وعائلتك في أخرى… أيهم ستنقذين؟ أيا كان خيارك، ستكونين قاتلة، لكن يجب أن تختاري الأقل ضررًا، وتحملي وزره. هذا ما يعيشه والدك كل يوم."

في تلك اللحظة، بدأ أرين وفالين يتلاعبان بعقل ليورا، يزرعان فيها أفكارًا مؤقتة عن أن والدها ليس مجرمًا، بل بطلاً. وبرغم أن قدرتها الطبيعية تمنع التأثيرات العقلية، فإنهما حاولا تجاوز دفاعاتها عبر الإيهام المتكرر و جعلها تتقبل الأفكار حتي تخترق حاجز قدرتها و تشويش بصيرتها حتي لاتدرك سحر الأفكار.

وما إن اقتنعت أخيرًا، حتى انفجرت بالبكاء وركضت نحو والدها الإمبراطور أركان.

في غرفة الإمبراطور، جلس عين الغسق أركان منهكًا يدلك رأسه.

فُتح الباب فجأة، وارتمت ليورا في حضنه تبكي.

تجمد أركان لوهلة، ثم احتضنها بذراعين مرتعشتين، وقال بابتسامة حزينة:

"لا بأس... كل شيء سيكون بخير."

للحظة قصيرة، شعر أن كل أعباء العرش اختفت.

---

في القصر المهجور، كان أرين وفالين يراقبان المشهد من بعيد.

ابتسما بهدوء؛ فحتى بلا جيش أو عتاد، كانت تحركاتهما تغيّر مجرى الأحداث لقد كان يأس الإمبراطور و فرحه بتحكمهم.

عندما خرج إيرافين من القاعة، تبعه أرين من الخلف

توقف إيرافين و دون أن يستدير سأله " ما الأمر"

أجاب أرين " لدي سؤال."

ردّ إيرافين وهو يتنهد:

"لماذا لا تنتهي أسئلتك أبدًا؟"

ابتسم أرين:

"لأني أشعر أن الجميع أغبياء لدرجة لا يسألون عن ما يثير الشك."

لم يرغم إرافين بالجدال معه لأنه لن يتوقف عندها

توقف إيرافين، استدار إليه وقال:

"وماذا تريد أن تعرف هذه المرة؟"

أجاب أرين بنظرة جادة:

"سبب عصر الدمار والخراب هو كثرة القوى وصِغر العالم عن احتوائهم… لكن لماذا لم يقم بنر، ملك الملوك، بنقل البعض إلى عالمي لتخفيف الضغط؟ ثم يضع قيودًا على تطور القوة، كيف لم يلاحظ ملك الملوك بنر تنامي القوي في العالم بسرعة غير معقولة في بدايتها و لما لم يوقفه حينها لما تركها تتفاقم ،وحتى الأركيديا كان بوسعهم فعل ذلك… فلماذا لم يفعلوا؟ الأركيديا ليسو أغبياء لو وجد حل لقامو به لاكن إختيارهم للحرب دليل على إنعدام الحلول ، أخبرني ما هو السبب الحقيقي لعصر الدمار والخراب؟"

ساد الصمت…

.

.

وانتهى الفصل على تلك الجملة التي أثقلت الهواء.

---

بالله إش رايكم بالأحداث

2025/10/22 · 34 مشاهدة · 1183 كلمة
Mehdi Dz
نادي الروايات - 2026