الفصل 24 – صدى العصور المتحاربة

في الرواق المظلم والبارد للقصر المهجور التابع لعشيرة أسياد الروح، وقف أرين وإيرافين في صمت تام. لم يكن المكان يحتمل أي صوت سوى أنفاسٍ هادئة تتخلل الهواء الكثيف، إلى أن قطع إيرافين الصمت بصوته العميق:

"أنت تدرك تمامًا أنك لا تعرف كل شيء، وهذا أمر جيد لك. من الحماقة أن تظن أن الأحداث الكبرى تحدث لأسباب بسيطة."

سأل أرين بهدوء يحمل فضولًا خفيًا: "هل الأسباب معقدة؟ أم أنك لا تستطيع قولها؟"

ضحك إيرافين — وكانت تلك أول مرة يرى فيها أرين هذا الرجل البارد الكئيب يضحك — ثم قال بابتسامة خافتة:

"الآن أملك سلطة التمرد، أستطيع أن أقول ما أشاء. السبب الحقيقي لعصر الدمار والخراب يمكن تقسيمه إلى سببين رئيسيين."

سكت لحظة، ثم تابع بنبرة مملوءة بالإجلال:

"السبب الأول كان حرب الإيديولوجيات بين الأركيديا وملك الملوك بنر. بالنسبة لبنر، كانت فكرته أن يمنح جميع الناس الفرص ذاتها، أراد عالمًا مليئًا بالخير والرخاء، لكنه كان يعرف أن الرخاء يصنع أناسًا بلا قيمة. لذلك جعل العمل والجهد شرطًا لكل شيء، كأن طريق القمة مفتوح لكل من يسعى إليها. لكن تلك الفكرة تعارض قوانين العالم نفسها، لأن العالم لا يقوم على المساواة المطلقة. نتيجة ذلك كانت ظهور قوى كثيرة، أكثر مما يحتمل العالم نفسه. لاحظ بنر المشكلة مبكرًا، لكنه لم يتراجع، لأن التراجع كان يعني أنه أخطأ، وكونه عاش ومات من أجل أفكاره جعله يرى في الخطأ موتا أسوأ من الفناء ذاته."

كانت لهجة إيرافين تنضح بالاحترام والتقدير لذلك الرجل الذي حمل لقب ملك الملوك. ثم واصل قائلاً:

"أما إيديولوجية إيريكثوس أركيديا فكانت النقيض تمامًا. هو يؤمن أن العالم لا يمكن أن يُملأ بالملوك، لأن التوازن يتطلب وجود الخدم، الفقراء، والضعفاء. لا يمكن للجميع أن يعيشوا في الثراء، لأن هذا يناقض طبيعة الوجود. في نظره، العالم يسير بتوازن دقيق: من يأخذ أكثر من حاجته، يخلق محتاجًا، ومن يتسلق القمة، يجب أن يدهس من تحته ليستمر في البقاء. فهكذا فقط يُحافظ على النظام. بعبارة أخرى، لا يمكن للجميع أن يكونوا فوق."

صمت أرين لحظة ثم قال مبتسمًا: "بإختصار، أحدهما شيوعي والآخر رأسمالي."

نظر إليه إيرافين طويلاً، وكأنه شعر بسخافة المقارنة، ثم تنهد، فعاد أرين ليغير الموضوع بسرعة وسأل: "وما هي إيديولوجية نورين؟"

أجاب إيرافين بعد لحظة من التفكير:

"فلسفته هي المنفعة الشخصية قبل كل شيء. مصلحتك أولاً، في أي وقت وأي مكان. تخيل فيضانًا يضرب منطقة ما، بينما يهرب الناس لإنقاذ حياتهم، الأب — أي نورين — يسرق البيوت والمتاجر لمجرد أنه يستطيع، ولأن الأمر مسلٍّ بالنسبة له. بالنسبة له، العالم ساحة للّعب، والذكاء هو القانون الوحيد. لكن تلك الفلسفة لا تصلح لأن تجعل صاحبها ملكًا أو قائداً، إنها انعكاس لشخصيته فقط."

ثم تغيرت نبرة إيرافين فجأة، أصبحت أكثر جدية وهو يقول:

"أما السبب الثاني لعصر الدمار والخراب فهو ما قبله: العصر الذي عرف بـ«عصر العوالم المتحاربة»."

تسعت عينا أرين، وكأنه بدأ يدرك شيئًا كان غامضًا عنه طوال الوقت. واصل إيرافين حديثه قائلاً:

"في ذلك العصر، قبل أن يصبح بنر ملك الملوك، كان روحًا عظيمة من المستوى التاسع، يُعرف بـ«ناسج القوانين»، لأن قدرته الأصلية كانت إنشاء وتحريف ومحو قوانين العالم نفسه. في مرحلة ما من التاريخ، فتحت بوابات عظيمة ربطت عالمنا بعوالم أخرى، عوالم تحتوي على مخلوقات لم تعرفها البشرية من قبل: الإلف، الأقزام، التنانين، أنصاف البشر، وأنصاف الوحوش. بعض تلك العوالم امتلك السحر، وبعضها الهالة، وبعضها جمع بينهما، لكن لم يمتلك أحد القدرة الأصلية كما في عالمنا."

توقف للحظة، ثم تابع بصوت أهدأ:

"أدرك كل من بنر وإيريكثوس أن الحرب مع تلك العوالم مسألة وقت، فبدؤوا بغزوها وسرقة مواردها واستعباد شعوبها. كانت تلك العوالم زاخرة بالخيرات، لكنها لم تكن قادرة على مواجهة القوتين العظميين. بمرور الوقت، أدى هذا الغزو إلى اختلاط المصائر بين العوالم، ومع غياب التوازن، اندمجت العوالم تدريجيًا في عالمنا. لقد ابتلع عالمنا أجزاء من تلك الأكوان الأخرى، ويمكن رؤية آثارها الآن في شكل قارات أخرى على الخريطة، حيث كل قارة أشبه بجسر أو بوابة تقود إلى عالم آخر، وإن كانت مغلقة جزئيًا."

رفع أرين رأسه ببطء، وقد اتسعت ملامحه دهشةً من كمية المعلومات التي تلقاها، وسأل بصوت متوتر: "وماذا حدث بعد ذلك؟"

أجاب إيرافين بنبرة ثقيلة:

"لم تتمكن العوالم الأخرى من تحمّل طغيان بنر وإيريكثوس، فطوروا السحر والهالة ودمجوها في قوانين العالم نفسه، لصنع حاجز يمنع أي غزو آخر. الحاجز كان أشبه بقانون أسمى: إن دُمِّر، فسوف تُدمَّر كل العوالم دفعة واحدة، ولن يكون هناك نجاة لأي طرف."

صمت قليلًا قبل أن يضيف بنبرة غامضة:

"لكن… هذا القانون لا ينطبق على الأب… ولا عليّ."

اتسعت عينا أرين بذهولٍ عميق، ثم تمتم: "لماذا؟"

رد إيرافين بنبرة هادئة:

"لأن الأب يمتلك نسخًا كثيرة له في تلك العوالم، أما أنا، فأمي من عالم آخر. لهذا السبب لم أرث قدرة الأب، بل شيئًا مختلفًا تمامًا."

تجمد أرين في مكانه، وقد بدأ كل شيء يتضح له ببطء. بعد نهاية عصر العوالم المتحاربة، أغلقت العوالم أبوابها، وانقطعت الصلات بينها وبين العالم الأصلي. لكن قبل أن يتمكن من السؤال عن المزيد، قاطعه صوت فالين وهو يقترب بخطوات ثابتة في الرواق المظلم قائلاً:

"بعد إغلاق أبواب العوالم الأخرى، بدأ الأركيديا يبحثون عن بدائل… ومن بين تلك البدائل، كان عالمك القديم يا أرين."

تجمد أرين في مكانه، ثم تنهد بعمق وقال بصوت مبحوح:

"حسنًا… بقي لي شهران وربع لأعيش، فلنركّز إذن على الحرب أكثر."

في تلك الأثناء، كانت أصداء خطاب إمبراطور فالكان السادس تولكان تنتشر في أرجاء القارة. أعلن خطابًا صدم سكان الإمبراطورية، بل والعالم بأسره، وأكثر ما أثار دهشة الجميع هو ذكر الاسم الجديد الذي بات يتردد في كل مكان: قديس الحرب – أرين.

وفي القصر الإمبراطوري لعائلة هايدرن، جلس الإمبراطور أركان برفقة ولديه فالتر وسايرين وعدد من الوزراء والجنرالات. قال فالتر بقلق واضح:

"لابد أن إمبراطورية فالكان خائفة من الحرب، أو ربما حصلت على دعم الأركيديا، وإلا لما وصفوا أرين بقديس الحرب."

رد أركان بهدوء:

"يبدو أنك متعب يا فالتر، عد واسترح. أرين متحالف مع الأركيديا، لكنه ليس تابعًا لهم، هذا واضح من أفعاله. لديه هدفه الخاص، وهو قتلنا نحن. يريد أن يحصر الحرب بيننا وبين الأركيديا، ثم يجعل العالم بأسره يهاجمنا بعد أن يروج لمدى خطورتنا. إنها خطة لإسقاطنا بخطواتٍ متقنة."

تدخل سايرين غاضبًا: "لكن يا أبي، لدينا دعم عائلات الدم الأخرى، وحتى أبناء عمنا من عائلة الدم الأسود أرڨان، لن يكونوا ندًا لنا."

تنهد الإمبراطور ببطء وقال بنبرة ثقيلة:

"أنتم متعبون يا أبنائي… هذه الحرب كلها مجرد لعب أطفال. حتى لو فزنا، فنحن خاسرون. إن النصر والهزيمة يُحددان فقط عندما تتدخل الأرواح العظيمة، وما دون ذلك عبث."

وفي القصر ذاته، في مسكن الخدم، كان أغنوس يقوم بالحراسة الليلية مع مجموعة من الجنود بأمرٍ من الأمير سايرين. لم يكن يحتاج إلى النوم، فكونه روحًا مستنسخة في هيئة مادية جعله خاليًا من التعب، فاستمر في الحراسة بصمت إلى أن سمع بكاء طفل وامرأة. اتجه بسرعة إلى مصدر الصوت، ليجد طفلًا صغيرًا مريضًا ووالدته تبكي بجواره. جلس أغنوس على ركبتيه وربت على رأس الطفل بلطف قائلاً:

"اهدأ يا صغيري، سيكون كل شيء بخير."

في الصباح التالي، كان الطفل شاحب الوجه يتنفس بصعوبة، حاول أغنوس الاطمئنان عليه، فقال الطفل بصوت متقطع:

"لا تقلق… سيدي… أنا بخير…" ثم بدأ يسعل بقوة.

مد أغنوس يده ليلمس جبينه، فشعر بحرارته العالية، وأطلق قوته الروحية داخل جسده ليتفقد حالته، فصُدم. جسده يتآكل من الداخل… لن يعيش طويلًا. دون تردد، ضخ أغنوس روحه نفسها في جسد الطفل، محولًا كل طاقته إلى قوة علاجية، فشُفي الطفل في لحظة، فتح عينيه بفرح، ونهض محتضنًا أمه التي بكت من السعادة.

لكن أغنوس لم يتحرك. بقي واقفًا في مكانه، قطرات تنسال من تحت قناعه الحديدي وتسقط على الأرض.

ذلك الطفل سيموت بعد ثلاثة أيام — جسده لم يعد يحتمل، فقد أُجبر على الحياة بطاقة ليست له.

جلس أرين في الظلال يراقب المشهد بصمت، وشعر بضيقٍ غريب في صدره. لم يفهم لماذا، لكنه تمتم بخفوتٍ مرير:

"لقد قتلت الآلاف… فلماذا يؤلمني موت طفل واحد؟"

2025/10/24 · 47 مشاهدة · 1221 كلمة
Mehdi Dz
نادي الروايات - 2026