الفصل 25 – بقايا النور الأخير

في القصر الإمبراطوري لعائلة هايدرن، وفي غرفةٍ يغمرها ظلال الشموع المتراقصة، جلس سايرين في صمتٍ يراقب لهبًا يتمايل فوق الطاولة بينه وبين أغنوس. كانت الغرفة تفيض بسكونٍ ثقيل، لا يقطعه سوى صوت سايرين الهادئ وهو يقول:

"منذ أن قابلتك، لم تخذلني مرة واحدة. أثبتَّ كفاءتك في أكثر من موقف، ولهذا قررت أن أجعلك قائدًا لفرقة الظل التابعة لي. إنها فرقة سرية، تتحرك في الخفاء لتتعقب الجواسيس، وتصفّي الخونة، وتستطلع الأوضاع قبل أن يعرف بها أحد. لكنك تعرف القاعدة الأهم، أليس كذلك؟"

أجاب أغنوس دون تردد:

"السرية."

أومأ سايرين برأسه تأكيدًا، ثم أضاف:

"هل لديك أي طلبات قبل أن تبدأ عملك رسميًا؟"

أجاب أغنوس بعد لحظة تفكير قصيرة:

"هل أستطيع أن أبدأ بعد ثلاثة أيام؟"

رفع سايرين حاجبه متسائلًا:

"وما المميز بعد ثلاثة أيام؟"

تنهد أغنوس قليلًا وقال:

"لا أدري حقًا، يا سيدي... لكني وعدتُ شخصًا أن أرافقه خلال هذه المدة."

اتسعت عينا سايرين قليلًا وهو يسأل:

"ومن هذا الشخص؟"

أجاب أغنوس وهو يحدّق في لهب الشمعة أمامه، وكأن صوته خرج من مكان بعيد:

"مجرد طفل في القصر... اسمه ماركوس."

ظل سايرين صامتًا لحظة، ثم نظر إلى الشمعة نفسها التي ينظر إليها أغنوس. كان يدرك أن للرجل أسبابه، وأن الثقة به لم تكن قرارًا عشوائيًا.

ناول سايرين شعار فرقة الظل لأغنوس، وقال بهدوء:

"ثلاثة أيام إذًا. استعد لقيادة الظل."

بعد الاجتماع، خرج أغنوس يسير في ممرات القصر الواسعة. وبينما كان يعبر قرب الحديقة، توقفت عيناه عند منظر الأطفال يلعبون تحت ضوء الغروب. كانت الأميرة ليورا بينهم، وضحكتها تتناثر في الهواء، وإلى جانبها ماركوس، الصبي الذي وعده أغنوس أن يرافقه. تمتم بصوت خافتٍ كأنه يخاطب نفسه:

"بعد ثلاثة أيام... هل سيبقون قادرين على الضحك هكذا؟"

...

في القصر المهجور لأسياد الروح، كان أرين يتأمل بعينيه الزجاجيتين بينما يتابع جسده الثاني، باول، وهو يلتقي بالدوق باريان. قال أرين بنبرةٍ مترددة:

"فالين... باول التقى بالدوق باريان. ما رأيك؟ هل أجعله تابعًا له أم لديك خطة أخرى؟"

ما إن سمع فالين الاسم حتى تغيرت ملامحه، صار صوته باردًا وحادًا كالسيف:

"الدوق باريان؟"

ثم أضاف وهو يشيح بنظره إلى الفراغ:

"ذلك الرجل... لا يستحق الحياة."

رفع أرين حاجبه بدهشة:

"من يكون بالضبط؟ ولماذا ترغب في قتله؟"

أجاب فالين وهو يقبض كفه ببطء:

"إنه باريان هايدرن، الأخ غير الشقيق للإمبراطور الحالي، أركان. والدته من عائلة أرڨان... الدم الأسود. ولد بمزيجٍ مشوهٍ من سلطة الأصل الخاصة بعائلة هايدرن، والجوف الأسود لعائلة أرڨان. رغم أنه الابن الثاني، إلا أنه كان المرشح الأفضل للعرش. لكن ولادته بتلك القدرة المشوهة جعلته غير مؤهل، ومعارضة عائلة أرڨان لفكرة الإمبراطورية جعلته مجرد دوقٍ بدلًا من إمبراطور."

تأمل أرين بضع لحظات ثم سأل:

"لماذا تمنعه القدرة المشوهة من تولي العرش؟ ولماذا عارضت عائلة أرڨان؟"

رد فالين بصوتٍ خالٍ من الانفعال:

"أرڨان لا تريد سلطة، ولا ترغب في أن تُعرف كعائلة حاكمة. هم يكرهون فكرة السيطرة نفسها. أما عن القدرة المشوهة، فهي مزيج بين قوتين تنتميان لنفس المجال أو الأصل. هذا يخلق اضطرابًا قاتلًا في الروح... تجعل المستخدم يشكل خطر على نفسه و على من حوله."

رفع أرين حاجبيه متسائلًا:

"إذن... ما الجانب السلبي في قدرة باريان؟"

أجاب فالين ببطء، كأنه يتحدث عن شيء مقزز:

"إنها تأكل روحه."

تسمر أرين في مكانه. خفق قلبه بقوة، وكأن الكلمات أعادت له ذكرى مألوفة.

"تمامًا مثل ماركوس..." تمتم بصوتٍ منخفض.

رفع رأسه بسرعة وسأل:

"هل توجد طريقة لتخفيف التآكل؟ وكيف تمكن باريان من العيش كل هذا الوقت والوصول للمستوى السادس؟"

ساد الصمت لحظة قبل أن يجيب فالين ببرودٍ قاتم:

"نعم، توجد طريقة... لكنه اختار أكثرها دناءة. يمكنه تأخير التآكل عبر نقل جزءٍ منه إلى أبنائه. لقد أنجب الكثير، ورماهم في الشوارع ودور الأيتام... بل أنجب من الخادمات، فقط ليطيل عمره يومًا بعد يوم."

لم ينطق أرين بشيء، لكن أغنوس في داخله كان يغلي كبركانٍ مكتوم، كأن النيران اشتعلت في صدره.

...

في القصر الإمبراطوري، كان أغنوس يرافق الطفل ماركوس. يلعب معه في الصباح، ويعلمه المبارزة في المساء، ويروي له و للأطفال الأخرين القصص قبل النوم. ضحكة الأطفال كانت كفيلة بإذابة كل تعب، كأن الحرب في الخارج لم تكن موجودة.

وفي يومٍ دافئ، اقتربت منه ليورا وهي تحمل سلة من الزهور وقالت بلطف:

"سيدي المقنع، لماذا تجلس وحيدًا؟"

رفع أغنوس رأسه نحوها وابتسم بخفة خلف القناع، ثم قال بصوتٍ مبحوح:

"تعلمين، في هذا العالم إن أدركت شيئًا، فهو أن السعادة لا تُعرف إلا بعد أن تُفقد. حينها فقط تصبح ذكرى جميلة تملأ القلب بالحنين. رغم بساطتها، رغم أنك لا تملك شيئًا، كنت سعيدًا... فلماذا لا نستطيع أن نصنع تلك السعادة الآن، ونحن نملك كل شيء؟"

ابتسمت ليورا بخفة وقالت بصوتٍ عذب:

"ربما لأن السعادة لا تُخلق حين نشاء، وهذا ما يجعلها ثمينة. ربما في الماضي كنت سعيدًا لأن شخصًا آخر إجتهد ليمنحك تلك السعادة. والآن رحل ذلك الشخص، فاختفت معه. إن أردت استعادتها، فابحث عنها في الآخرين... تمامًا كما فعلت مع ماركوس. لقد جعلته سعيدًا، وكنت سبب ضحكته. ربما لم تدرك ذلك، لكنك كنت له كالأب و منحته السعادة."

تجمد أغنوس لوهلة، ثم طأطأ رأسه بتأمل، بينما بدا على أرين — المتصل به — أثر نفس الذكرى، كأنه رأى صورة والده تتلاشى في ذاكرته. وبعد لحظة صمتٍ طويلة، ضحك أغنوس بخفة وقال:

"أنت محقة، يا أميرة... كعادتك."

ثم سألها فجأة بصوتٍ متردد:

"هل تعرفين من والد ماركوس؟"

اتسعت عينا ليورا بدهشة، وصمتت للحظة وهي تحاول أن تجد إجابة، لكنها لم تجدها. لم تكن تعرف لماذا تخلى والد ماركوس عنه، ولماذا سكت الإمبراطور عن الأمر. ومع صمتها، أدرك أرين الحقيقة دون كلمات.

ماركوس... ابن باريان.

...

في تلك الليلة، كان أغنوس يقوم بدورية حين لمح خادمة مألوفة. كانت رايا، والدة ماركوس. ما إن رأته حتى انحنت باحترام وقالت:

"شكرًا لك، يا سيدي الفارس، على علاجك لابني وعلى الوقت الذي تقضيه معه. لقد أخبرني الكثير عنك، حتى الأميرة الصغيرة ليورا لا تكف عن مدحك. لذا... هل يمكنك حضور عيد ميلاده غدًا؟ سيكون سعيدًا بوجودك."

ارتجف صدر أغنوس، شعر بأن قلبه يُعتصر بين ضلوعه. ومع ذلك، أجاب بابتسامةٍ خافتة:

"غدًا؟ حسنًا... سأحضر بالتأكيد."

...

في اليوم التالي، أمضى أغنوس النهار مع الأطفال، يروي لهم القصص، ويعلمهم المبارزة والرسم. كان يعلم في أعماقه أن ذلك اليوم سيكون الأخير.

وحين أقبل المساء، ازدانت دار رايا بالزينة والضحكات. اجتمع الأطفال جميعًا، ومعهم ليورا وبعض الخدم، يحيطون بالطاولة التي وُضعت فوقها كعكة صغيرة. جلس أغنوس في الطرف، يراقبهم في صمتٍ ثقيل.

بدأوا بالغناء، وكان ماركوس يبتسم بخجل، ثم أطفأ الشموع وأغمض عينيه ليتمنى أمنية. سأله أحد الأطفال بفضول:

"ماذا تمنيت يا ماركوس؟"

أجاب وهو يبتسم بخجلٍ طفولي:

"تمنيت أن يكون أغنوس سعيدًا دائمًا."

تجمد أغنوس، وارتجف صوته وهو يبتلع أنفاسه. خفض رأسه قليلًا، لكن دموعه تساقطت تحت القناع. كان مشهدًا جعل الحضور يهمسون بدهشة؛ لم يصدق أحد أن المحارب المقنع يمكن أن يبكي. أما ليورا، فابتسمت بهدوءٍ وهي تراقب الدموع المتساقطة.

...

في تلك الليلة، غفا ماركوس في سريره محاطًا بالهدايا. وفي الحلم، وجد نفسه يلعب مجددًا بين الأطفال، يضحك ويسمع أصواتهم. لكنه فجأة توقف، شعر بالحزن كأنه يودع الجميع ،نظر إلى يديه المرتجفتين، ثم همس بصوتٍ مبحوح:

"هذا حلم... أليس كذلك؟"

بدأت الدموع تنهمر من عينيه، ثم التفت فرأى أغنوس يقف وراءه. قال الطفل بصوتٍ مرتجف:

"سيدي... هل سأموت؟ أنا... خائف."

اقترب منه أغنوس وجلس بجانبه، وصوته يحمل كل الحزن في العالم:

"نعم، هذا حلم من إنشائي. حاولت أن أجعلك تعيش أيامك الأخيرة بدون ألم... لكني فشلت. لم أستطع إنقاذك حقًا، وأشعر بالذنب لأني لم أستطع فعل شيء."

ثم احتضنه بقوة وقال:

"أنا آسف، يا صغيري... هذا كل ما استطعت فعله."

ارتجف ماركوس بين ذراعيه، رغم أنه لا يشعر بالألم، لكن الخوف من النهاية كان يلتهمه. بعد لحظة صمتٍ ثقيلة، رفع الطفل رأسه والدموع تغمر وجهه، وقال بصوتٍ متقطع:

"سيدي... هل يمكنك أن تجعل العالم كله يعتقد أني ما زلت موجودًا؟ أريد... أن تظن أمي أني حي، أن يصدق أصدقائي أني ما زلت هنا... فقط حتى لا ينساني أحد."

في تلك اللحظة، صرخ أرين من أعماقه في القصر المهجور:

"فالين!"

ركض يبحث عنه بجنون، حتى وجده.

"هناك طفل يحتضر! رجاءً، ساعدني!"

نظر فالين إليه ببرودٍ معتاد وقال:

"هل هو مستعجل لهذه الدرجة؟ ألم تستطع معالجته بنفسك؟"

صرخ أرين:

"إن روحه تتآكل! لا أستطيع إيقافها وحدي!"

ساد صمت قصير، ثم تغير وجه فالين كأنه أدرك شيئًا.

دون انتظار، فصل أرين جزءًا من روحه ورفعه في الهواء، ليُري فالين المشهد من خلاله. رأى كلاهما ما يجري — أغنوس ممسكٌ بماركوس، والطفل يختفي ببطءٍ أمامه.

حاول فالين بكل ما أوتي من قوة تغيير الواقع وتثبيت الروح، لكن الموت كان أسرع. وفي النهاية، لم يجد سوى طريقة واحدة لإنقاذ ما تبقّى.

فصل آخر جزءٍ غير متآكل من روح ماركوس، ودمجه مع روح أرين المستنسخة، تاركًا بقايا النور الأخير بداخله.

في تلك اللحظة التي غاب فيها صوت ماركوس، لم تمت روحه... بل تحوّلت. فكل نورٍ يظنه الناس قد انطفأ، إنما يختبئ في قلبٍ آخر ليواصل الوميض باسمٍ جديد...

...

وفي صباح اليوم التالي، فتح ماركوس عينيه. غسل وجهه، تناول فطوره مع والدته، وخرج ليلعب. حين التفت نحو أغنوس الذي كان يغادر بهدوء، تبادلا نظرة قصيرة.

في عيني الطفل كان هناك شيء مختلف...

ذلك الطفل لم يعد ماركوس.

لقد أصبح أرين.

–––

2025/10/25 · 31 مشاهدة · 1427 كلمة
Mehdi Dz
نادي الروايات - 2026