الفصل 26 – تيار المفاهيم
بعد مغادرة أغنوس القصر، اجتمع مع فرقة الظل في غابةٍ معزولةٍ تمامًا. كانت أولى مهامه هي تعقّب جماعةٍ غامضة وتصفية أفرادها في حال تأكد خطرهم.
في الليل، تحرّكت فرقة الظل في صمتٍ مطبق، وانقسمت إلى مجموعاتٍ صغيرة تُطوّق المنطقة من كل الجهات. قاد أغنوس بنفسه نخبة الفرقة نحو قلب المعقل المستهدف.
غير أن الهدوء الذي خيّم على المكان كان مريبًا… كان المعقل فارغًا بالكامل.
تبادل أفراد الظل نظراتٍ حذرة، وفكر معظمهم في احتمال أن يكون هذا فخًا، إلا أن أغنوس نفى ذلك بهدوء قائلًا:
"إنهم لا يعلمون بوجودنا، وعددنا يفوقهم، ثم لا فائدة من الفخ دون فريسة تنتظرك في الداخل."
تقدّم بخطى واثقة ثم أضاف بصوتٍ خافتٍ حازم:
"لا ترخوا حذركم، أبلغوا القوات في الخارج بالاستعداد. إن اندلعت الحرب، فسنقاتل نحن أولًا.
في حال أُصيب أحد، فليتراجع ويحلّ مكانه أحد الجنود من الخارج. لا نعرف العدد الفعلي لهم، لذا ابقوا على شكل مجموعات صغيرة، فالانسحاب السريع أهم من النصر المتهور."
أجاب الجميع بصوتٍ واحدٍ منخفض:
"حاضر."
كانت فرقة الظل مدرَّبة على أعلى مستوى، ولم يناقش أحد أوامر أغنوس. تابعوا التقدم حتى وجدوا غارًا غامضًا يقود عميقًا إلى باطن الأرض.
حينها شعروا بتجمعٍ كثيفٍ للطاقة البشرية في الأسفل. أمرهم أغنوس سريعًا:
"انسحبوا وراقبوا من بعيد. كونوا صلة الوصل بين الداخل والخارج. سيبقى معي فرد واحد فقط للاستطلاع."
امتثل الجميع للأمر، وظل أغنوس مع رفيقه يتوغّلان أكثر في الغار المظلم.
ومع اقترابهما من القاع، انكشفت أمامهما قاعة حجرية تتوسطها طاولةٌ مستطيلة، تحيط بها شموع وُضعت حول جدارياتٍ هائلة تُصوّر كيانًا واحدًا.
رجلٌ بعباءةٍ بيضاء، شعره أسود ناعم تتلوّن أطرافه بخضرةٍ مزرقة، عيناه خليط بين الأزرق والأخضر، وبشرته بيضاء تشعّ بضوءٍ باهت. خلف رأسه دوائر تُماثل حركة النجوم… كأن اللوحات تُجسّد تدفق العالم ذاته.
حين وصف أرين المشهد لفالين، ابتسم هذا الأخير وقال بهدوء:
"أزوريان… التيار الأول، أخطر شخص في هذا العالم حاليًا."
اتسعت عينا أرين بدهشةٍ صادقة:
"لماذا؟ إنه في المستوى الثامن فقط، وهناك من هم أقوى منه."
ضحك فالين بخفوت، ولم يُجب.
---
في الشرق البعيد، حيث تمتد المروج الواسعة، قامت مدينةٌ فخمة تشعّ بمزيجٍ من الذهب والأسود، مدينة كأنها تعكس تشوّه قدرة باريان على هندسنها المعمارية .
كانت تلك هي دوقية باريان.
في مكانٍ غير بعيد عنها، كان أرين وفالين يراقبان القصر من خلال جسد باول، أحد أرواح أرين المجسدة. ومنذ أن أصبح باول أحد رجال الدوق، امتلك حريةً أكبر داخل القصر، فكان عيونهم وأذنهم.
ومع ذلك، ظلّ أرين وفالين حذرين. كانت خطتهما الليلة هي التسلل إلى المدينة وإنهاء حياة الدوق باريان.
لكن أرين أوقف فالين فجأة قائلًا بحدةٍ هادئة:
"هل أنت جاد؟ فكر في الأمر، باريان في المستوى السادس! مع حراسه ورجاله، نحن ضعفاء جدًا. حتى لو قاتلنا اثنين ضد واحد ، لن نفوز. وأنت تقتحم دون خطة؟"
أجابه فالين بابتسامةٍ باردة:
"ولماذا تعقد الأمور؟ لدي خطة… فقط اتبعني."
عند البوابة، أوقفهما الحراس، لكن فالين مدّ يده على كتف أرين، وتقدما بهدوء.
خطوة… خطوتان… ثلاث — ثم اختفيا.
أُطلق الإنذار في أنحاء المدينة، وبدأت الفوضى.
في مكتبه، رفع الدوق باريان رأسه بهدوء وهو يسمع الجلبة.
ثم سمع طرقًا منتظمًا على الباب، فقال بصوتٍ أجشّ مهيب:
"ادخل."
فتح الباب، ودخل فالين ومعه أرين.
تأمل باريان ملامح الاثنين، وبخاصة فالين… كان وجهه مألوفًا على نحوٍ غريب.
باريان بدا كرجلٍ في أواخر الأربعين، لحيته السوداء مشذبة بعناية تتخللها خصلات بيضاء، وشعره الأسود ممشط للخلف بعناية. عيناه الزرقاوان تومضان بوميضٍ ذهبيٍّ و أسود غريب.
قال باريان بنبرةٍ رسمية:
"ما العمل الذي لديّ معك يا فتى؟"
شعر أرين بقوةٍ غريبة تضغط على إرادته، كأن نظرات الدوق تسحب وعيه. و أصبح جسده ثقيل كأن ألاف الأصفاد تقيده مقاومته عديمة الفائدة لأنها و أفكاره و قوته تسحب منه بدأ جسده يخضع تلقائيا لباريان.
لكنّه أجبر أرواحه المستنسخة الخمسة على الاندماج داخل روحه الأصلية، وضغطها لأقصى حدٍّ ممكن. حتي صارت كثيفة جدا و ثقيلة خرج ضباب أزرق من جسده، واستعاد سيطرته.
تفاجأ باريان بوضوح، لكن فالين لم يتأثر أبدًا.
قال فالين بهدوءٍ بارد:
"أما عن سبب زيارتي… فهل أحتاج سببًا لزيارة جدي؟"
تجمّد أرين، واتسعت عينا باريان بدهشة.
أمعن الدوق النظر في وجه فالين — الشعر الفضي المائل إلى البياض، البشرة الشاحبة، والعيون البنفسجية الهادئة.
همس بصوتٍ ثقيل:
"من والداك يا فتى؟"
أجاب فالين بثقة:
"أمي هي آية… آية هايدرن، ابنتك. أما أبي، فلم يكن يعلم أنها من العائلة الإمبراطورية، وإلا… ربما لم يكن ليتزوجها."
ساد الصمت.
قال باريان بصوتٍ منخفضٍ يختلط بالغضب والارتباك:
"ومن والدك ليجرؤ على رفض ابنتي؟ هل هو مؤهل لذلك؟ و… هل آية ما تزال حية؟"
خفت صوته تدريجيًا، وبدت على وجهه ملامح الحزن والندم.
رد فالين بنعومةٍ حزينة:
"للأسف… لقد فارقت الحياة منذ زمن. لكنها قبل أن تموت، قالت إنها كانت سعيدة معك و أنك كنت أبا جيدا ، وإن موت والدتها لم يكن خطأك… وأنها استمتعت باللعب معك كثيرًا، وتتمنى أن تولد من جديد فقط لتلعب معك مرة أخرى كما فعلت في صغرها."
عمّ الصمت، وغرقت الغرفة في كآبةٍ خانقة.
تبدّل وجه باريان كمن غاص في ذكرياتٍ لا يريدها أن تعود.
---
في مكانٍ آخر، في أعماق الغار ذاته…
كان أغنوس يستمع لأفراد الجماعة المجهولة يتناقشون حول نبوءةٍ غامضة.
"النبوءة واضحة… عندما تتحرك النجوم وتبدأ الأحداث، سيستعد العالم لاستقبال الكيان العظيم!"
"لكننا لا يجب أن نطيع اللوح بشكل أعمى، فربما استيقاظه ليس في صالحنا!"
"لقد أطعنا الأوامر، بدأت الحرب، وتغير العالم، نحن على الطريق الصحيح!"
تفاقم الجدال حتى لاحظوا وجود أغنوس ورفيقه، فاستلّوا أسلحتهم وهاجموا.
بلمح البصر، خفّض أغنوس رأس رفيقه بيده اليمنى، وفي اليسرى سحب سيفه وأطلق ضربةً دائريةً حادة.
كانت روحه معززة بثلاث نسخٍ مدمجة مع جسده في حالة مادية حيث أصبح جسده كما لو أنه ثلاث أجسام مضغوطة في واحد حيث يمتلك قوة جسدية و حواس غير بشرية و الروح الأخيرة تم تحويلها إلي قوة روحية مضغوطة تسري فالجسده كالدم حيث يجعلها تحل محل الهالة، فاندفع جسده بطاقةٍ خارقة، ومع كل تمريرةٍ من سيفه، انشطر اللحم والحديد معًا.
أرسل رفيقه إشارةً غير مرئية، وسرعان ما هبطت ظلالٌ من السقف — نخبة فرقة الظل.
اشتعل القتال، والدماء غمرت الحجارة.
بعد دقائق، لم يبقَ سوى رجلٍ وامرأة، بدا أنهما زوجان.
تم تكبيلهم بالسلاسل و تم وضع كل شخص مقابل للأخر
جلس أغنوس بينهما وقال ببرودٍ مميت:
"أنا أسأل، وأنتم تجيبون. إن كذب أحدكما، فسأعذّب الآخر. تذكّروا أن حياة شريككم في يديكم."
ثم أشار لرجاله بإزالة الخرق من أفواههم.
سأل أغنوس: " من أنتم"
قال الرجل بصوتٍ متردد:
"أنا إيريك، وهذه جيسي. نحن من قبيلةٍ عريقة نجت من الحرب الكبرى. أثناء هروب أجدادنا، وجدوا كهفًا مليئًا بالجداريات والرموز الغامضة… هناك لوحٌ غريب، وحجرٌ أزرق يشعّ بضبابٍ روحيٍّ كثيف.
من خلال اللوح، علمنا أن كيانًا قديمًا سينهض، ولن ينسى من ساعدوه. فعبدناه نحن ونسلنا."
بينما كان أرين يستمع عبر الرؤية المشتركة، فكّر بدهشة:
"أزوريان… ما الذي يريده من كل هذا؟"
سأل أغنوس المرأة بنبرةٍ باردة:
"وكيف تنوون إيقاظه؟"
ارتجفت وهي تهمس:
"ن… كنا ننفذ أوامر التي تص عليها اللوح لتغيير العالم… تدمير الجسور، قتل بعض الشخصيات المجهولة، إعاقة تحركات البعض. قال لنا اللوح إن هذا هو السبيل لتدفق العالم نحو إرادته."
استوعب أرين الفكرة… أزوريان يرى تدفق العالم، ويقصي من يعكّر تياره.
"هذا يشبه ما يفعله فالين، لكن على نطاقٍ لا يُقاس… أزوريان توقع كل شيء قبل الحرب و بدأ يخطط لقتل أشخاص الذين سيعيقونه من العصر التالي"
سأل أغنوس مجددًا:
"أين الكهف؟"
أجاب الإثنين دفعة معا
"خلف مكتبة رئيس القبيلة."
أومأ أغنوس، فأومض السيفان خلف الأسيرين، وسقط الجسدان بلا صوت.
---
في مكتب الدوق، ساد صمتٌ خانق قبل أن يقطع فالين السكون قائلًا:
"أبي كان يُدعى لويس."
رد باريان بفراغ كأنه مزال غارق في الحزن:
"وماذا عنه؟"
أجاب فالين بهدوء:
"كان يعمل مع أمي، ثم تزوجها. كان زوجًا أبا مثاليًا… لكن لويس لم يكن اسمه الحقيقي، ولا جسده الكامل.
اسمه الكامل فاليريان أركيديا، زعيم العائلة الأركيديا… وأنا فالين أركيديا، جئت لدقّ أجلك أنا لست مثل أمي أنا لا أفهم لماذا شتت عائلتك و لماذا من يفترض بهم العيش ماتو و أنت الذي يفترض بك الموت حي."
تبدّل الهواء فجأة، وتشوه الواقع، وتحرفت القوانين.
كل شيء أصبح أبيض… صامتًا.
---
في الكهف خلف مكتبة رئيس القبيلة، دخلت فرقة الظل، فرأت الجداريات تصوّر أزوريان، التيار الأول.
شعر كل من أرين وأغنوس بنداءٍ من الحجر الأزرق المشع.
مدّ أغنوس يده ولمسه — فاندفعت طاقةٌ روحية كثيفة إلى جسده، ثم اختفت، وانتقلت إلى أرين.
إرتجّ وعي أرين، وامتلأت روحه بالمفاهيم الروحية والتقنيات القديمة، ارتفعت كثافة روحه الأصلية، وتعززت أرواحه المستنسخة.
في لحظةٍ ما، شعر بأن وعيه ينقسم — أن أغنوس، باول، وماركوس أصبحوا كياناتٍ مستقلة… ثم عاد التوازن تدريجيًا بعد صراعٍ روحيٍّ مرير.
وفي تلك اللحظة، أدرك أرين أنه لم يفعل ذلك وحده… بل هناك من ساعده ، و شعر أيضا أن الوقت في مكتب الدوق باريان يمر ببطئ مقارنة بالخارج.
انفصل عن الواقع والوقت، وسقط في بعدٍ مجهولٍ، حيث تتدفق المفاهيم كأنهارٍ من الضوء، وتلتفّ كلها حول كيانٍ واحدٍ يجلس في قلب التيار.
رجلٌ بشعرٍ أسود حريري يتدلى للأسفل، تتلوّن أطرافه بالأزرق والأخضر، برداءٍ أبيضٍ يفيض بهالةٍ من الصفاء، عيناه مزيج بين الأزرق والزمردي، كأنهما تُبصران جوهر الحقيقة ذاتها.
لم يكن سوى…
أزوريان، التيار الأول.
---
الصورة الجدارية للروح العظيمة أزوريان