الفصل 27 – حديث التيار

في بعدٍ مجهولٍ، حيث تتجسد المفاهيم وتتحول التيارات إلى ألوانٍ مرئيةٍ تتدفق في الفضاء كأرواحٍ سائبة، كان هناك كيان واحد فقط تتجمع حوله تلك المفاهيم.

وقف أرين في وسط ذلك الفراغ الصامت، يحدّق في الرجل الذي تلتف حوله التيارات، يراقبه بتمعّنٍ وكأنه ينظر إلى أصل الوجود نفسه. لم يحتج إلى من يشرح له، فالشخص الواقف أمامه هو الروح العظيمة — أزوريان، التيار الأول.

فتح أرين فمه بهدوءٍ وقال بنبرةٍ مائلةٍ للسخرية:

"مرحبًا بأعظم من هرب من حرب، صاحب القوة العظيمة الذي لم يفعل بها شيئًا... الكيان الذي لم يفشل قط، فقط لأنه لم يحاول أبدًا."

ضحك أزوريان بخفة، بصوتٍ عذبٍ يحمل صدى التيار ذاته، وردّ بنفس نبرة أرين:

"أهلًا بمن أسقط العالم بلسانه، بالذي يراني فاشلًا لأنني لم أفعل شيئًا رغم امتلاكي للقوة، بينما هو لا يملك القوة ولم يفعل شيئًا أيضًا. أهلًا بالهارب الذي فرّ أجداده من هذا العالم مذلولين، ليعود إليه هو بذات الذل... وكل ما أعدّه لاستعادة كرامتهم هو هذه الكلمات."

تغيرت ملامح أرين قليلًا، ثم ردّ بسرعة:

"عندما كان أجدادي يحاربون، أين كان أجدادك؟ هل من مات وهو يقاتل لحماية عائلته أصبح مذلولًا، ومن هرب كالجبان صار عظيمًا؟... هيه، تقول إنني أعددت هذه الكلمات؟ أنا لم أعد شيئًا. استعادة كرامتنا؟ حسنًا، هنالك نورين وإيرافين — فقل هذا في وجهيهما، لا في وجهي أنا، هل لأني ضعيف؟"

ضحك أزوريان ثانيةً، وقبل أن يتكلم قاطعه أرين ببرود:

"ادخل في صلب الموضوع. هذا البعد منفصل عن الواقع، والوقت في الخارج متوقف... أو أن هذا البعد يتجاوز الإدراك نفسه، لذا لا يهم كم يمضي هنا، فالزمن هناك سيظل ثابتًا."

ابتسم أزوريان بخفوتٍ، وقد أدرك أن أرين جرّه عمدًا للحديث كي يراقب العالم الخارجي من منظور تجسيداته الأخرى.

قال بهدوء:

"أحسنت الملاحظة... في هذا البعد، يمر الوقت بسرعةٍ لا نهائية، حتى لو قضيت هنا أبد الدهر، لن يتحرك شيء في الخارج."

ردّ أرين وهو يضيق عينيه:

"ما المغزى من سحبي إلى هنا إذًا؟ مهما فكرت ، كل شيء من — ذهابي أنا وفالين إلى منزل عائلة الأزوريان، اكتشافكم لأمرنا، عدم تحرككم، تسلسل الأحداث، وحتى مجيئي إلى هذا العالم — كله كان مخططًا منك، أليس كذلك؟"

أمال أزوريان رأسه قليلًا وابتسم:

"أريد أن أسمع تحليلك للأمر، لدينا وقت لا نهائي."

تنفس أرين ببطء، ثم قال بصوتٍ متزن:

"لنبدأ من البداية... عندما استلمت الرسالة التي تخبرني أني ورثت منزل جدي، كان في الأمر شيء غريب. أولًا: الرسالة كانت تحمل اسمي فقط، لا اسم أخي. وجدي مات قبل أخي بسنتين، المفروض أن تصلني الرسالة بعد موت جدي بمدة ، لا بعد سنتين. ومع ذلك، وصلتني بعد موت أخي مباشرة... من الغريب أن يعرف كاتبها بموته، خصوصًا أنه مات في اليوم نفسه الذي وصلتني فيه الرسالة.

هذا يعني أن الكاتب استعجل ولم يتحقق من التوقيت المناسب، ومع ذلك علم بموت أخي، لذلك لم يكتب اسمه.

ثم ذهبت إلى منزل جدي... وهناك نُقلت إلى هذا العالم. من الواضح أن سيد روحٍ ما تواطأ في هذا الانتقال، لكن الأحداث نفسها بدت وكأنها تسير لصالحه. كل شيء كان سلسًا أكثر من اللازم. وهذا وحده كافٍ ليؤكد أنك السبب. أنت من جعلني أقرأ الرسالة، لأصل إلى هذا العالم. لأني، ببساطة، لا أملك مصيرًا فيه. أنا مجرد عازل يمنع خطتك من الانكشاف، أليس كذلك؟"

صفق أزوريان ببطء، وارتسمت على شفتيه ابتسامة إعجابٍ خفيفة.

"تحليلك دقيق جدًا... لكنه ناقص. نقص المعطيات يجعله كذلك، ولا ألومك."

صمت أرين للحظة، ثم رفع رأسه وسأل بجدية:

"من هو سيد الروح الذي سيطر على جسدي وجعلني أتي إلى هذا العالم؟"

اختفت الابتسامة من وجه أزوريان، وصوته أصبح أكثر عمقًا وهو يقول:

"أحيانًا يكون الواقع نفسه مؤلمًا... أكثر مما يمكن احتماله.

الشيء الأكثر إيلامًا هو أن تكون منبوذًا. أحيانًا تُخلق عائلة كاملة من أجل شخصٍ واحد، فقط لتنتهي تلك العائلة، وتبدأ دورة جديدة للعالم. أكثر الأشخاص جنونًا... هو أنت. وستفهم ذلك مستقبلًا."

أطرق أرين رأسه قليلًا، لم يفهم لمَ الجميع يجيب على أسئلته بأسئلةٍ أخرى.

هل لا يملكون الإجابة؟ أم أن الحقيقة لا يمكن قولها؟

تنهد، ثم قال بهدوء:

"حسنًا... ماذا تحاول فعله؟ وماذا سيحل بفالين؟ وماذا سأربح أنا؟"

ردّ أزوريان بنبرةٍ ثابتة:

"أحاول تحقيق الشرط الأخير للارتقاء إلى المستوى التاسع... لاكتساب السلطة.

أما طفل الأركيديا، فلا تقلق، لديه خطته الخاصة.

وأنت، ما ستستفيده... أخذته بالفعل."

تجمد أرين قليلًا، ثم تذكّر الحجر الأزرق، وتطور روحه الأصلية، وبلوغه قمة المستوى الثالث.

قال بابتسامةٍ صغيرة:

"صحيح... لكني أريد المزيد. أنا لا أشبع، ولا أخجل... فلا تحاول اللعب على هذين الخيطين."

أزوريان، وقد لمعت عيناه الزرقاوان كبحرٍ ساكن، قال:

"وماذا تريد أكثر إذًا؟"

أجاب أرين بابتسامةٍ باردة:

"أريدك أن تتعاون مع إيرافين... لقتل أرڨان."

ضحك أزوريان كما لو أن أرين نطق حماقةً طفولية، ثم قال:

"أراهن أنك لم تسأل إيرافين بعد... وتتوقع أنه سيوافق ببساطة؟ حسنًا، هل تعرف من هي والدة أرڨان؟"

ردّ أرين بثبات:

"أخبرني فقط."

تابع أزوريان بصوتٍ عميقٍ:

"والدته هي ملكة الليل... نيڤارا. إنها من عالمٍ آخر.

ورث أرڨان ملامحها — الشعر والعينان شديدا السواد، والبشرة البيضاء كالثلج.

في كلا العالمين، ملامح كهذه تُعد مشؤومة... ومع ذلك، تزوجها ملك الملوك بنر، لأسبابٍ سياسية بحتة."

أمال أرين رأسه قليلًا وقال ببرود:

"وماذا بعد؟"

ابتسم أزوريان وهو يتابع:

"كانت نيڤارا جميلة، لكن شؤم مظهرها حال دون حب الناس لها. احترموها، لكن لم يحبوها.

غير أن هناك شخصًا واحدًا لم يكترث لكل هذا... كان نورين.

وحين قابل أختها الصغرى — إيليندرا — عرض عليها الزواج."

تسمرت نظرات أرين في الفراغ.

لم يتمالك نفسه، فتح فمه ببطء، وعيناه تتسعان تحت نظرات أزوريان الهادئة.

قال أزوريان وهو يراقب صدمته:

"لا أرغب في إطالة الحديث أكثر... لقد تزوجها، وأنجبا إيرافين.

بهذا، يكون أرڤان... ابن خالة إيرافين."

ساد الصمت للحظات. لم يفهم أرين شيئًا للحظة، ثم تمتم ببطء:

"إذاً، لِمَ قتل أرڨان عشيرة أسياد الروح؟ من الواضح أن الروابط العائلية لا تعني له شيئًا."

هز أزوريان رأسه نافيًا:

"لا. أرڨان لم يكن شريرًا يومًا. كان دائمًا يهتم بعائلته، أحبّ والده واحترمه بشدة.

بعد موت بنر، احتضن جثته وبكى... ثم حطم التاج. رفض أن يكون ملكًا، ما دام والده غير موجود.

تمامًا كما غضبت أنت وطلبت الانتقام لعائلتك.

هو فعل الشيء نفسه.

كان يعلم أنه لو ترك عشيرة أسياد الروح، فلن يبقى سوى الحقد المتوارث... حتى لن يعرف أحد من منهم على حقٍّ أو مخطئ."

سكت أرين، ثم غيّر الموضوع كعادته:

"ما هي شروط ترقيتك بالضبط؟"

أجاب أزوريان بنبرةٍ أقرب إلى الهمس:

"أولًا، أن أراقب تدفق العالم وأفهمه، دون أن أملك أثرًا فيه، أو يرتبط بي أي حدث.

كل ما رغبت بفعله... فعلته قبل أن أحقق هذا الشرط.

أما الشرط الأخير... فهو أن أجعل تدفق العالم يتحرك وفق إرادتي تمامًا، بلا فشل."

تنفس أرين بعمقٍ، ثم قال:

"وماذا عن فالين؟"

ابتسم أزوريان بهدوء، ومدّ يده بخفةٍ في الهواء.

تغير المشهد أمام أرين فجأة، وتزامن الزمن في البعد مع العالم الواقعي.

رأى فالين وباريان واقفين في واقعٍ أبيضٍ، كأن العالم كله قد مُحي، ولم يبقَ سوى فراغٍ ناصعٍ من النور.

فتح فالين شرخًا متصلًا بـ قصر الفراغ، المعقل الفعلي لعائلة الأركيديا.

خرجت يد فاليريان من الشرخ، وفرقع أصابعه، مما سمح لفالين بالارتقاء مؤقتًا إلى المستوى السادس، دون أن يخلق قدرات جديدة — فقط القديمة تطورت.

شعر فالين بطاقةٍ تهدر داخله، عيناه صارتا فضيتين، وهالة خفية تغلفه كإشعاعٍ من العدم.

بدأ القتال...

أطلق باريان قوة إخضاعٍ مدمجةً مع قوة سحبٍ وإلتهامٍ كثقبٍ أسود، هاجم من كل اتجاهٍ ليخضع واقع فالين ذاته.

لكن فالين ألغى كل الهجمات من الوجود، عزل نفسه عن الواقع، وأصبح كالشبح. اندفع نحو باريان بخطواتٍ صامتة.

أدرك باريان أن أي هجومٍ عادي لن يصيبه، فبدأ يستهدف الفضاء ذاته، فتح ثقبًا خلف رأس فالين، يسحب كل شيء — الضوء، المادة، وحتى الأفكار.

تباطأت حركة فالين، جسده تقيّد، أفكاره تُسحب.

لكنه لم يتراجع.

تردد باريان... حفيده أمامه. آخر ما تبقى من دمه.

وفي تلك اللحظة، اخترق سيفٌ جسده من الخلف، خرج من صدره، ممزقًا رئته.

همس فالين في أذنه ببرودٍ قاتل:

"لماذا تعتقد أن الأركيديا يصنعون واقعهم الخاص قبل كل معركة؟"

ترك السيف في صدره، وتراجع خطوةً إلى الوراء.

"قدرتنا الأصلية هي التلاعب بالواقع، لكن الواقع نفسه صعب التحكم به.

لذلك نصنع واقعنا الخاص — داخل هذا الواقع لا قيود، لا قوانين تردعنا.

ببساطة... أنت في عالمي. اخترته أبيضًا لأنه يليق أن يكون قبرك."

ابتسم باريان بألم، واستمر القتال.

فتح بوابةً إلى الهاوية، أطلق منطقة السيادة لقمع فالين وعالمه.

لكن فالين اختفى فجأة.

ضغط واقعه الخاص إلى كرةٍ صغيرةٍ حملها بكلتا يديه داخل واقعٍ آخر أكبر.

عالم داخل عالم.

ثم بدأ الهجوم.

آلاف السيوف اخترقت كل شيء.

طُعن باريان مئات المرات. حاول المقاومة، لكن قوة غير مرئية قيدته — لمسة خفيفة من فاليريان كانت قد تدخلت.

في اللحظة التالية، مزقت السيوف روحه ووعيه.

ورغم سقوط جسده، ظل واقفًا.

ألغى فالين الواقعين معًا، وخرجا إلى الفراغ.

ابتسم باريان بألمٍ شديد، الفاصل بينه وبين الموت لم يعد سوى أنفاس.

قال بصوتٍ متهدج:

"حسنًا... هذه أفضل نتيجة. أن أموت أنا... ليعيش حفيدي.

أنا نادم، حقًا.

ابتعدت عن أية لأنني لم أرد أن أراها تموت أمامي.

بالرجوع إلى ذلك الوقت... لقد ندمت.

إن كنت تريدني أن أموت لهذه الدرجة، فليمت الدوق إذًا..."

وبعد كلماته الأخيرة، أسلم باريان أنفاسه.

في لحظة موته، لم يشعر باريان بثقل السيوف بل بثقل ما لم يقله.

أدرك حينها أن أكثر ما يوجع في النهاية… ليس الرحيل، بل الإدراك المتأخر لما كان يمكن إنقاذه.

---

صورة لأرڤان

صورة لإيرافين

2025/10/27 · 21 مشاهدة · 1459 كلمة
Mehdi Dz
نادي الروايات - 2026