الفصل 28 – حين يصمت التيار

في البعد المجهول، خارج تدفق الزمان والمكان، ساد صمت ثقيل لا يشبه إلا نهاية الأشياء. كان أرين واقفًا يحدّق بباريان الملقى على الأرض، ظهره متكئ على مكتبه وجسده متهالك ينزف من مواضع لا تُحصى، كأن الحياة قررت مغادرته بهدوء بعد أن استنزفته تمامًا.

إلى جانبه، راقب فالين المشهد ببرود جليدي، بينما تجمّد الزمن في الخارج كما لو أنه انحنى احترامًا لهذه اللحظة الأخيرة.

فتح أرين فمه بهدوء وقال:

"حسنًا... كدت أن لا أنتبه للأمر، لكن سير كل شيء بسلاسة غريبة. تذكّر باريان أن فالين حفيده، وندمه على الماضي بدا طبيعيًا، لكن... أنت من كنت تتحكم بتدفق المعركة، بل وحتى بذكرياته. أليس كذلك؟ يبدو أن هذا هو آخر ما تقدمه لي، لأنك من أراد قتل أرڤان، أليس كذلك يا أزوريان؟"

انخفض صوته حين قال آخر كلمة، فاهتز الفراغ، وظهر أزوريان، التيار الأول، بابتسامة هادئة تفيض بالثقة.

قال بابتسامة خفيفة:

"نعم، لا أنكر ذلك. أكثر ما يميزك، يا أرين، ليس تحليلك، بل شجاعتك في مواجهتي بما اكتشفت."

صمت أرين قليلاً، ثم ردّ بنبرة خالية من الانفعال:

"وكيف ستَرتقي بالضبط؟... ما زلت كما أنت."

ضحك أزوريان بخفة وقال:

"لِمَ أنت مستعجل؟ دعهم يعرفون أولًا بموت باريان."

رفع أرين حاجبه وقال:

"حسنًا، لكن لمَ تزامن الوقت في هذا البعد مع العالم الخارجي؟"

ابتسم أزوريان وأجاب بنبرة غامضة:

"لأن العالم يجب أن يعرف... بموت باريان. ثم سيعلم الجميع من العالم نفسه."

لم يفهم أرين تمامًا ما يقصده، لكنه شعر أن شيئًا أكبر بكثير بدأ يتحرك، وأن ما رآه لم يكن سوى الشرارة الأولى.

ـــ

في حديقة الأزهار الحمراء، التي تمتد حتى الأفق، جلست امرأة بشعر أحمر تراقب السماء بنظرات حزينة. كانت نسمات العالم الخافتة تحمل رائحة الموت إليها. همست بصوت مبحوح:

"لقد عانى باريان في حياته، والآن يلقي مصيره على حفيده... كم هذا محزن."

وفجأة، تجسد خلفها كيان بشري الملامح، شعره أسود، عيناه زرقاوان كعمق الليل، بلحية خفيفة وصدر عارٍ يكسوه وشاح أسود يشبه القلنسوة. كان هو نورين أستير — الروح الأصلية لعشيرة أسياد الروح.

حين التقت نظراته بعيني المرأة، رفع يده بتحية خفيفة، لكن عينيها الحمراوين اشتعلتا بالغضب والرغبة في القتل.

استشعر نورين نيتها، فأخضعها بنظرة واحدة فقط، كأن الزمان نفسه أطاعه.

تمتمت المرأة بصوت مرتجف ودموعها تسيل:

"لماذا...؟ لماذا قتلت الأب؟ لقد كان شخصًا طيبًا، كان يقدّرك حقًا رغم أنك أصغر منه بكثير! لم تكن بيننا عداوة... كنت أحب حفلات الشاي التي تستضيفها زوجتك إيليندرا... كنا جميعًا سعداء."

ضحك نورين بخفوت، وقال وهو يشيح ببصره نحو الأفق:

"ربما كانت هناك أيام كهذه... لكن لا شيء يدوم للأبد. زوجتي ماتت، مثل التي قبلها. أما والدك... فقد كان عظيمًا، لا غبار على ذلك. لكنه قتل واستعبد أعراقًا كاملة من عوالم أخرى.

السبب الذي دفعني لقتله... هو أنه هو من أراد الموت. لقد عاش أكثر مما كان ينبغي. وإن أردتِ توضيحًا، فقد كان معلمي، من ربّاني وعلّمني، لكن هذا العالم يدفعك لاتخاذ قرارات لن ترغب أبدًا في اتخاذها.

السعادة التي شعرتِ بها لم تكن من فعل الزمن... بل من صُنع والدك نفسه."

عمّ الصمت الحقل كله، حتى الأزهار توقفت عن التأرجح.

ـــ

في البعد المجهول، خارج تدفق الزمان والمكان، أعاد أزوريان مزامنة تدفق الوقت مع العالم الخارجي، ثم التفت إلى أرين بابتسامة هادئة، والظلال من حوله تومض كأنها تتنفس.

ـــ

في القصر الإمبراطوري لعائلة هايدرن، قرع أحد الوزراء باب العرش بخوف، ثم دخل وهو يرتجف وقال بصوت متقطع:

"يا جلالة الإمبراطور... لقد وصلت أنباء من السحرة في دوقية باريان... الدوق باريان... لقد تم اغتياله!"

صمت المكان لبرهة، قبل أن ينفجر ضوء ذهبي من جسد الإمبراطور أركان هايدرن. ارتجّ القصر تحت طغيانه، وصوته دوّى كالرعد:

"هل ما تقوله صحيح؟ هل تأكدتم أكثر من مرة؟ وإن كان لا يزال على قيد الحياة، أليس من الأجدر أن تنقذوه بدل أن تأتوني بخبر موته؟!"

سقط الوزير أرضًا من شدة الضغط، وتلعثم وهو يقول:

"للأسف... يا جلالة الإمبراطور... لا يمكن علاج من مات فعلًا..."

ساد صمت رهيب، ثم دوّى صوت الإمبراطور كأمرٍ لا يُردّ:

"فليأتِ الأمراء فورًا!"

دخل فالتر وسايرين بسرعة، فرفع أركان نظره وقال:

"ألم يعد أدريان بعد؟"

أجاب فالتر:

"لا، ما زال في رحلته البحرية. أظن أنه لم يسمع بالأمر بعد... لكنه سيعود قريبًا."

كان التوتر يملأ القاعة، حتى قال سايرين:

"لقد وصلتني رسالة من أغنوس بعد أن أمرته بالتحقيق في جماعة غريبة. وجد جداريات تصور كيانًا مجهولًا، وقال إن تلك الجماعة تتحرك منذ ما قبل الحرب الكبرى في عصر السابق. حين لمس حجرًا غريبًا، تدفقت معلومات إلى عقله، كلمة واحدة منها فقط كانت مفهومة... «أزوريان، التيار الأول.» كما طلب مني تحذير الدوق باريان من خطر وشيك "

ارتجف الإمبراطور حين سمع الاسم، وقال بصوت خافت غاضب:

"لم يعد هناك حاجة لتحذير عمكم... فقد تم اغتياله فعلًا."

ساد الذهول بين الأميرين، ثم قال فالتر:

"ربما أغنوس متورط! كيف علم بأمر الدوق باريان وهو بعيد عنه؟ أليس غريبًا أن يعثر على أدلة كهذه في أول مهمة له؟!"

رمقه سايرين بنظرة غاضبة وقال:

"أنا من أرسله، ولم يكن وحده! فرقة الظل كانت معه. لا يمكنه تزوير أمر بهذا الحجم، وحتى لو كان متورطًا، أليس من الأفضل له أن يخفي الأمر؟!"

صمت الجميع، قبل أن يقول الإمبراطور بحزم:

"هذه المسألة تتجاوز سلطتنا... إنها تخص الأرواح العظيمة. فلنبلغ الملك الأعمى، هايدرن."

ـــ

في البعد المجهول، تابع أرين وأزوريان المشهد من بعيد. كان القصر الإمبراطوري يضج بالفوضى، والأحداث تتشابك كما أراد أزوريان بالضبط.

همس أرين لنفسه:

"هل كل هذا... لتُحرّك الأرواح العظيمة؟"

ابتسم أزوريان بصمت، وبدت الظلال خلفه وكأنها تبتسم معه.

ـــ

في دوقية باريان، دوّى صوت فالين عبر السماء:

«إلى كل مواطنٍ في هذه الدوقية... أعلن رسميًا أن الدوق باريان قد فارق الحياة. وكوني الوريث الوحيد له، أعلن أن دوقية باريان أصبحت تابعة للأركيديا... وأنا ملكها!»

اجتاح الذعر القلوب، فالسماء انشقت عن مئات البوابات خرج منها أفراد عائلة الأركيديا، يطفون في الجو بهالة سحرية داكنة تنير سماء الليل.

وفي المقابل، تقدّم الجيش الإمبراطوري بقيادة الأميرين فالتر وسايرين، ومعهما أغنوس بفرقته الخاصة.

كان المشهد لوحة ملحمية تجمع النور والظلال — الأركيديا في السماء، والإمبراطورية على الأرض، بينهما توتر يشبه حافة الحرب.

في المنتصف، وقف إيرافين، متجليًا بين القوتين، حضوره وحده كافٍ ليجعل الأرواح العظيمة تستيقظ من سباتها.

تحرك دراغور قلب الأسد وأرڤان هوت الصمت، بينما اكتفت الأرواح الأخرى بالمراقبة، تترقب ما سيحدث.

ـــ

في البعد المجهول، خارج تدفق الزمان والمكان، نظر أرين إلى أزوريان الذي ابتسم بهدوء.

لم يبقَ أمامه لتحقيق شرط الارتقاء إلا القليل. عندها فقط، أدرك أرين الحقيقة... الشرط الأخير لأزوريان هو أن يجعل العالم نفسه يتدفق كما يريد.

لكن كيف يريد أن يتدفق العالم؟

نظر أرين في عينيه، ورأى فيهما ظلالًا لا نهاية لها، وابتسامةً تحمل غموض الأبدية.

حينها فقط، تذكّر كلمات فالين القديمة:

"أزوريان... أخطر شخص في هذا العالم."

---

صورة للروح العظيمة دراغور قلب الأسد:

هذه الصور في عصر الدمار و خراب وحاليا عنه لحية راح أتعذب حتي أصنع الصوة 🥲 مع ذلك سأصنع صور لكل الشخصيات مع تقدم الفصول

2025/10/28 · 27 مشاهدة · 1077 كلمة
Mehdi Dz
نادي الروايات - 2026