الفصل 29: فجر التمرد

صورة لموڨال حاليا في المستوي 7 نصف روح عظيمة

وقف إيرافين على قمة أحد أبراج دوقية باريان، وسط الأركيديا المحلقين في الجو وجيش الإمبراطورية لوسيان على الأرض. لم يكن كالآخرين؛ كان إمبراطورَ سيفٍ، صاحبَ سلطةِ التَمَرّد، حتى لو لم يعلم أحدٌ ذلك — لكن حضوره كان طاغيًا. في تلك اللحظة عمّ الصمت؛ توقف الزمن كأنه سكت، انسحبت الأفكار، تلاشت الألوان، وانحسر الظلام وتجمع في نقطة واحدة شكلت بوابةً للهاوية نفسها. خرج منها شخصٌ ببشرةٍ شديدة البياض ، وشعرٍ وعيونٍ شديدة السواد، بملابس كأنها نُسجت من الهاوية. لم يكن سوى أرڨان هوت الصمت.

عندها عمّ الضجيج المكان: صوت تلاطم السيوف، صرخاتُ المعركة، ورائحةُ الدماء — كأن ساحة الحرب تحرّكت شخصيًّا. لم يكن سوى دراغور «قلبُ الأسد» بملامحه الشرسة، عيناه الحمر، وشعره ولحيته الكثيفتان السوداوتان. درعه الأسود المصبوغ بدماء أعدائه بدا غاضبًا جدًا، على نحوٍ لم يُرَ من قبل.

...

في البعد المجهول خارج تدفّق الزمان والمكان سأل أرين: "لماذا يبدو دراغور غاضبًا جدًا؟" ابتسم أزوريان وقال: "حسنًا، لقد كان مورڨال الستار البارد من أعز أصدقائه، والآن جاء لينتقم. أظنك تذكر عندما انتقد دراغور من لا يخوض الحرب بالحديد والدم — لقد فعل ذلك لإحراج نورين لأنه علم أن نورين قتل والدة مورڨال ولم يتمكن من بدء القتل في حضرة ملك الملوك بنر."

صمت أرين للحظة. لم يظن أبدًا أن الأرواح العظيمة قد تصير أصدقاء أو تغضب لموضوع يتعلق بأصدقائها؛ فبعد رؤية ملك الملوك بنر، وإيريكثوس أركيديا، ونورين أستير — رغم اختلافهم الجذري — كانوا دائمًا يمنحون أرين شعورًا بأنه لا شيء أمامهم؛ نظرةٌ واحدة تكفي لقتله. ضحك أزوريان بخفة وقال: "أنا أيضًا كنت صديقًا لدراغور ومورڨال، لأننا من نفس الجيل."

تعجب أرين قليلًا ثم قال: "حسنًا — أخبرني عن فالرين، النجم الهاوي." دهش أزوريان وقال: "ألَن تسألني عن شيء يخص صداقتنا أو على الأقل شيء قريب من الموضوع؟" رد أرين: "حسنًا، أخبرتني أنكم كنتم أصدقاء — ماذا سأستفيد من معرفة أمور لا تهمني؟ بدلًا من ذلك أريد معرفة عن شخصٍ لم أسمع عنه شيئًا. مع ذلك، أستطيع أن أدرك أنه ليس عاديًا؛ لأنه لو لم يكن على علاقة بكم جميعًا لانشأ مملكته الخاصة تمامًا مثل إرنوس."

ابتسم أزوريان وأجاب: "أنت حقًا مميز. حسنًا، فالرين هو تلميذ ملك الملوك بنر."

تجمد وجه أرين وهو يتذكر ملك الملوك بنر، الشخص الذي أرعبه حتى النخاع، لكنه سرعان ما جمع شتات نفسه وحلل الأمر ثم قال: "مم... سمعت سابقًا أن أقوى الأشخاص في التاريخ هم نورين أستير (الروح الأصلية لعشيرة أسياد الروح)، وإيريكثوس أركيديا (الروح الأصلية لعائلة الأركيديا)، وملك الملوك بنر. أعلم أن فاليريان كان تلميذ نورين، وبحكم أنك كنت في عائلة الأركيديا سابقًا فإيريكثوس هو الوحيد الذي يمكن أن يكون معلمك. وأخبرتني الآن أن فالرين كان تلميذ بنر. من هذا المنطلق يمكن اعتبار فالرين من أقوى الأرواح العظيمة. أظن حتى أن فالين سُمِّي نسبةً إليه — فلماذا لم يترك أثرًا في العالم كأنه غير موجود؟ ولماذا جعله بنر تلميذه من بين الجميع؟"

أجاب أزوريان: "حسنًا، كل هذا بسبب قدرته: عين النجم الهاوي. هي لا ترمز إلى العين حرفيًا، بل إلى الكونٍ؛ حيث يستطيع صاحب هذه القدرة أن يصنع الكون ذاته. عند بلوغه مستوى الأرواح العظيمة — المستوى الثامن — يستطيع صنع عوالم داخل جسده يدخل إليها كما يشاء فيختفي عن الوجود، كما يستطيع سرقة عوالمٍ أخرى في الكون طالما يدركها. يقضي معظم وقته في عوالمه التي احتواها، فلا يهتم بهذا العالم أو بسمعته. إنه ببساطة يفعل ما يشاء هناك؛ لدرجةٍ أنه تزوج امرأةً في أحد العوالم التي سرقها من الكون. هكذا أنشئت عائلةُ الدمِ النّجميِ فالرين."

تجمد أرين وقال بحسد واضح: "لماذا لم أحصل على هذه القدرة؟ أشعر بالحسد الشديد. لو امتلكت هذه القدرة لتزوجتُ ألف زوجةٍ وحكَّمتُ آلاف العوالم." بدت على أرين لحظةُ بؤسٍ ثم قال بجدية: "مهلاً — هل كان لفالرين دورٌ في عصر العوالم المتحاربة؟" أجاب أزوريان: "نعم. ولا تسأل أكثر."

رد أرين: "حسنًا، هل تزامن الوقت في العالم الخارجي حتى أشاهد القتال؟"

في العالم الخارجي سحب أرڨان كل من دراغور وإيرافين نحو بعده الخاص. عندها زمجر دراغور: "أيها اللعين! لماذا قررت قتل مورڨال؟ لماذا لم تأتِ إلي أنا؟ أنت مجرد جبان أنت ووالدك!"

بدون كلامٍ إضافي أطلق دراغور هيئته المطلقة — إحدى أعظم القدرات الفرعية على الإطلاق. في مستوى دراغور تصبح هيئته المطلقة طاغية على كل شيء؛ طالما الهيئة مفعلة فهو خالد تقريبا، يملك مناعةً ضدّ جميع الهجمات، وحتى لو جُرِح يتجدد بسرعة مرعبة. الحرارة حوله أعلى بكثير من حرارة الشمس، لدرجة أنها تحرق الواقع نفسه. إرادته من حديد؛ لا ينثني، لا يخاف، ولا يشعر بالألم. مستوى ذكائه وحواسه يصل إلى مستوى آخر تمامًا، وكل ضربةٍ منه تحمل قوةً تدميرية هائلة؛ ولو ضرب مرة أخرى تتضاعف قوة ضربته وتبقى تتضاعف لمالا نهاية، ما لم تُلغَ هيئته المطلقة. لكن هذه الهيئة تستنزف قوته جدًا وتعرّضه لإصابات قاتلة. ومع ذلك، بفضل قدرته كلما نزف وجرح أصبح أقوى بلا حدود تقريبًا.

لوح دراغور بسيفه الهائل الذي بدا مناسبًا له، فخلف موجة صافية من الدمار. إيرافين بالكاد تصدى لها، وهو يتذكر دراغور الذي وُلد من أجل الحرب: كلما جُرح أصبح أقوى، كلما قتل أصبح أقوى. لم يصل إلى مستواه بالحظ أو الموهبة، بل بالعرق والدم؛ زحف بين الجثث واقفًا أمام جحافل الأعداء وحده. إذا جُرِح ازداد قوة، وإذا قتل ازداد قوة. لطالما كان إيرافين يعتبر دراغور نسخةً مطورةً منه، لكن إيرافين لم يرغب في تضييع الوقت معه؛ فهو يعلم أن الضربة الثانية هي ضعف قوة التي سبقتها. عندها سحب سيفه وتمرد على العالم — كانت نفس الضربة التي أنهت مورڨال، لكن نسخة أقوى بكثير، بسبب وصوله إلى النجمة التاسعة وحصوله على سلطةِ التمرد؛ صار قادرًا على القيام بهجومٍ من هذا النوع بسهولة. بمجرد أن سحب سيفه كأنما حكم على دراغور بالموت؛ ارتجف العالم كله من الأمر، وتنبهت كلُّ الكيانات القوية في العالم — حكم على دراغور بالموت.

...

في منزل عائلة مورڨال استشعر مورڨال الاضطراب وفهم أنه إيرافين. بدون تردد أراد دعم دراغور؛ أنشأ روحًا تحمل صفات الجليد وأرسلها إليه. في بعد أرڨان خرجت الروح التي أرسلها مورڨال واندماجت مع دراغور. بمجرد أن قرر مورڨال أنه يصحّح خياره — عند بلوغه المستوى السابع وربط مفهوم الروح بالجليد دون دمجها — حصل جانبُ الروح على قوةٍ داعمة، وجانبُ الجليد على خصائصٍ حية، فدَعَمَ جسدَ وروحَ دراغور. مكّنته هذه المساعدة من التحكم في قوته حتى المستوى تحت الذري؛ كأنها أكسبته الحياةَ فورًا. أطلق دراغور كل قوته وضغطها لأصغر نقطة ممكنة؛ كأنه سيدُ أرواحٍ خبير. أصبح جسده يتشقق وينهار من هول القوة، ومع ذلك يتجدد بمقدار ما ينهار ويصبح أقوى. عند حدٍّ معين أصبح قادرًا على تحمل الأمر. سحب إيرافين سيفه وقطع — دراغور فعل مثله. جعلت هذه الصدمة العالم يهتز: مئات زلازل ضربت مناطق مختلفة، والبراكين انفجرت، كأن العالم بدأ ينهار.

...

في بعد مجهول خارج تدفّق الزمان والمكان قال أرين: "إنهم في بعدٍ آخر — كيف أثروا على العالم الحقيقي؟" رد أزوريان: "ببساطة، قوتهم تجاوزت واقع البعد الخاص فخرجت إلى العالم الحقيقي." رد أرين بسرعة: "حسنًا، كل هذا خطتك. رغم أن الأمر مفسر، لكن لماذا وصلت المساعدة لدراغور في الوقت المناسب؟ حتى لو تأخرت قليلاً مزال الوضع مريبًا. حقيقة نجات مورڨال بعد قتاله ضد إيرافين هي حتى يستخدم هذه القدرة، صحيح؟ أو ربما لأنه صديقك." ابتسم أزوريان ولم يرد.

عندها استمر أرين: "لمَ كل هذا العناء من أجل الارتقاء؟ هل يجب أن تدمر العالم؟ لما لا توقع الأرواح العظيمة في مقلبٍ وتنتهي المسألة؟" ضحك أزوريان ثم سأل: "ما هي شروط الترقيّة بالضبط في نظرك، ولماذا هي موجودة؟" رد أرين: "أخبرني فقط، لو كنت أعلم لما قلت ما قلته." أجاب أزوريان: "هي لسببين: الأول لتترك بصمتك في العالم، والثاني لتكون جديرًا بالسلطة. الأمر أشبه بفرض السيادة؛ لا يمكن أن يكون عرضًا تافهًا، بل يجب أن يزلزل العالم."

سكت أرين ونظر إلى ساحةِ المعركة. رأى دراغور يسقط حيث اندفعت آلاف الأرواح المكسوة بالجليد لإنقاذه، واندفع أيضًا شعاعٌ ذهبي كله إخضاع لإيقاف أثر هجمة إيرافين بعدما غلفه أرڤان بالظلام. إن نجا دراغور من الأمر سيصبح أقوى بلا شك. عندها حدق أرڤان في إيرافين وقال: "نحن وحدنا الآن." رد إيرافين: "حسنًا، ماذا لديك؟" سأل أرڨان: "لماذا تفعل هذا منذ البداية؟ لم تحبنا — لا أنا ولا إخوتي — فلماذا؟" أجاب إيرافين: "حسنًا، لأنني أشعر بالظلم الشديد."

تعجب أرڨان وقال: "الظلم؟" أكد إيرافين: "نعم. فكر بالأمر أنتم جميعًا وُلدتم بقدرات عظيمة، أما أنا فقد وُلِدتُ بسمة من قدرة. هذا العالم اللعين اعتبرها قدرة، ولم أستطع الوصول إلى النجمة الخامسة من الهالة إلا بوضع حياتي على المحك والتمرد على العالم. أنتم من البداية تعتبرون أنفسكم ملوكًا؛ لكن دعوني أسألكم" — غير إيرافين نبرته إلى الجدية — "هل خلق هذا العالم لكم أم لغيركم؟ هذا العالم لم يُخلق لأحدٍ على وجه الخصوص. أن تكون ملكًا يعني أنك أخذت ما لم يكن لك؛ فلا فرق بينك وبين اللص. قد تمتلك بعض المشاعر تجاه أسرتك، لكن إخوتك لا؛ يعتبرون أنفسهم فوق الجميع ومتكبرين حتى لو لم يظهِروا ذلك. إنه سيَرِي في عروقهم. وهل المطلوب مني أن أناديهم «يا جلالة الملك» فقط لأنهم وُلدوا ملوكًا؟ إنهم يأمرون الجميع ولا أحد يأمرهم. أنا لا أملك أحدًا فوقي باستثناء أبي . تبا لجميع الملوك أينما كانوا؛ لا أحد يتسلط علي."

...

في البعد المجهول خارج تدفّق الزمان والمكان ابتسم أرين وقال: "أتفق معه. تبا لكل من يرغب في التسلط علينا — فلتتحطم ساقاه ولن أركع لأي ملك." ابتسم أزوريان وقال: "أنت مثله تمامًا." رد أرين باستغراب: "هل تقصد إيرافين؟" ابتسم أزوريان ولم يجب.

...

في قمةٍ أحد الأبراج وقف فالين متأملاً المنظر، ثم نظر إلى الحرب الوشيكة بين الأركيديا وجنود الإمبراطورية. عندها سمع صوتًا عذبًا في أذنه: "يا ابن الأركيديا، ماذا تنوي أن تفعل الآن؟" رد فالين: "لا شيء. سأتأمل قليلًا فقط."

...

في أعماق روح فالين تطورت روح قدرةِ فالين: انفصل الجانب الملائكي للقدرة عن الجانب الشيطاني وتطوّر كلاهما تحت أعين فالين البنفسجية. تحول الجانب الملائكي من طفلةٍ صغيرةٍ إلى امرأةٍ ذات شعرٍ ذهبيّ وبشرةٍ بيضاء صافية وعيونٍ ذهبية، إضافةً إلى أجنحةٍ بيضاءٍ من الريش تنضح بالجمال والطهارة. أما الجانب الآخر فكان رائحته كريهة، و منظره مرعبة إلى أبعد الحدود؛ وجهٌ أسود متشقق، عيونٌ حمراء وسوداء، قرون وأجنحة. وقف الجانبان أمام فالين الجالس بهدوء يراقب بابتسامةٍ هادئة.

بمجرد أن يصل صاحب القدرة لقمة المستوى الرابع يستيقظ وعيُ القدرة في أي وقت؛ عندها تبدأ المواجهة. لذا يُستحسن لمن بلغ هذه المرحلة ألا يدخل قتالًا بسبب إمكانية استيقاظ روحِ القدرة أثناء القتال. بمجرد اقتراب الملاك من فالين بدأت بالبكاء وقالت: "أنت شخصٌ جيد. لماذا قتلت الكثير؟ فلْتُكفِّر عن أخطائك وكن شخصًا جيدًا من الآن فصاعدًا." زمجر الشيطان وقال: "لا، إنه فاسد حتى النخاع. فلْتتقبّل حقيقتك وتستمر في القتل." تعالت الأصوات واستمر الجانبان في الصراع حتى فتح فالين فمه وقال بهدوء: "حسنًا، ما هو الخير والشر حقًا؟ هل هو ما تقررانه أنتما الاثنان؟ دعوني أطرح سؤالين؛ من يجاوب عليهما سألتحق به." ضحك الشيطان وقال: "حسنًا، فليكن." ابتسم فالين وقال: "أيها الشيطان، لو لم يكن هناك خير فهل ستعرف معنى الشر؟ ونفس الشيء يطبق عليكِ أيتها الملاَك: بدون شرِّ، هل ستعرفين معنى الخير؟" سكت الاثنان، لأنه في حالةِ الإجابة سيعترف كل واحدٍ بأحقية الآخر. ابتسم فالين وقال: "حسنًا، بينما تفكران في الأمر، إليكما السؤال الثاني: هل هدفي النهائي شرير أم لا؟" أجابت الملاك: "هذا يعتمد على ماذا يكون." لم يحتاج الشيطان للكلام؛ لقد كان سيقول ما قالته الملاك. رد فالين بهدوء: "لا يهم، حتى لو كان سيئًا أو جيدًا، أليس المهم كيف أنفذه؟ ماذا لو كان جيدًا وقلتُ إنني قتلت الآلاف لتحقيقه؛ هل أنا جيد أم شرير؟ وماذا لو كان العكس؛ ماذا إن كان سيئًا لكنني ساعدت الناس في طرقي لتحقيقه؟" سكت الجانبان، ثم وقف فالين وقال بحزم: "الخير والشر شيآن أقررهما أنا لأنني أفهمهما أكثر منكما. أيها الشيطان، تريد رؤية الناس تموت — سترى ذلك. أيتها الملاك، تريدين أن أساعد الناس — سأفعل ذلك. هذا العالم ليس خيرًا وشرًّا فقط؛ هنالك الحياد ومن يمثل كلا الطرفين، مثلي." بمجرد أن أنهى كلامه انحنى الشيطان والملاك لسيدهما الجديد.

...

في بعدٍ مجهولٍ خارج تدفّق الزمان والمكان ابتسم أزوريان وهو يحدق في العالم.

---

صورة لأرين:

صورة لأرين أثناء قتاله مع الأميرة سيليا في العاصمة لوكسيفار:

لقد بذلت جهدي في العمل على الأقل إدعمني بتعليق👍

2025/10/31 · 25 مشاهدة · 1897 كلمة
Mehdi Dz
نادي الروايات - 2026