الفصل الثاني: بين الرفوف والصدى

نهض أرين من على الأرض وهو يلفُّ رأسه بارتباكٍ وصدمة؛ السقف المكشوف فوقه تركت الريح الباردة تداعب جدارياتٍ مهترئة، فتتحرك الظلال معها كأنها تتنفس. التفت في المكان بذهولٍ وصاح: "هل من أحد هنا؟ هل يسمعني أحد؟" صداه عاد يتلوه من كل جدران القاعة، ثم عاد الصمت يهبط كما لو أن المكان ابتلع صوته.

استبعد فورًا احتمال أنه مخطوف؛ لم يكن مربوطًا ولا تُرى أثار معارك، ولا آثار أقدام حديثة. بعد لحظات قرر أن يتقدم، وأن يفحص المكان الذي وجد نفسه فيه. تحرك بخطواتٍ مترددة وسط أروقةٍ واسعة طويلة مزخرفة بالنقوش والجداريات القديمة. كل لوحة تحكي شيئًا مشوهاً من تاريخٍ لا يستطيع قراءته. وصل أخيرًا إلى مكان يشبه المكتبة: طاولات طويلة، رفوف ممتدة، وكتبٌ مكدسة بانتظامٍ غريب في وسط هذا الخراب.

فتح كتابًا، فتفاجأ أن الحروف فيه ليست لغته؛ كانت خطوطًا معقدة، وانحناءاتٍ لا تعرفها عينُه. قلب صفحاتٍ بعد صفحات، دون أن يجد شيئًا مفيدًا، ثم تنقل بين ممرات القصر وباحاتٍ صغيرة حتى عاد إلى غرفةٍ بدت كغرفة الرئيس: بابٌ عالي مزخرف، نظيفٌ بشكلٍ لافت كما لو أن الزمن قد تجمّد عند عتباته. فكر قليلًا ثم طرق الباب مرتين بخفة. لا رد. أمسك المقضب وأداره بهدوء؛ انفتح الباب ليكشف عن غرفةٍ مرتبة بعناية لا تتناسب مع باقي القصر: ستائر بيضاء تمتد كثياب ملائكية، نوافذ تُشعر بالنظافة كما لو أن أحدهم كان يغسلها للتو، ومكتبة أنيقة تلامس السقف.

في منتصف الغرفة كرسي ضخم مُرصع، ومكتب خشبي موشّى بعناية. على المكتب فانوسٌ قديم خانق الضوء؛ خفض أرين فانوسه ووضعه بحذر على الخشب، مد يده ليتفحص أحد الكتب الملقاة عشوائيًا. عندما فتح الغلاف، لم يجد كتابة تقرأها عيناه — لكن شيئًا آخر حدث بلا تحضير: انبعثت داخل رأسهُ كلماتٌ وصورٌ كما لو أن صفحات الكتاب نسخت نفسها إلى روحه وعقله.

تدفقت أمامه خرائطُ لقاءاتٍ واجتماعات، وتواريخٌ لم يستطع تحديدها بوضوح، ونصوصٌ رسمت رؤى عن عوالمٍ ممزقة. سقطت على عقله عبارةٌ مكتوبة وكأنها عنوان: "عصر الفوضى والدمار". تتابعت جملٌ تقرأها روحه دون أن تمر عبر عينيه:

اليوم 17 / الشهر 4 / العام: مجهول.

تقرر عقد مؤتمر القمة الذي يستضيف أكبر القوى في العالم. سيشهد حضور الملوك الثلاثة مع داعميهم ومعارضوهم، بالإضافة إلى القوى الخفية الأخرى. إن كثرة العائلات والمنظمات القوية جعلت هذا العالم الصغير غير قادرٍ على احتواء جميع التأثيرات. إن استمر هذا الانقسام فسيؤدي إلى حرب شاملة.

قرأ أكثر، ووجد أن النص ينتقل بعنف إلى لحظة أخرى:

اليوم 4 / الشهر 6 / العام: مجهول.

حين تجمع الجميع في قاعة الاجتماعات المهيبة، نهض رجلٌ في وسط الحضور وقال بصوتٍ هادئٍ وبارد: "هذا العالم الصغير لا يتسع لنا جميعًا. السيادة تتحقق عندما يتحكم القليل في الكثير. إن طال السلام، ستصعد المزيد من القوى إلى مستوانا. لذا؛ لماذا نؤجل ما هو محتوم؟ لماذا نخاف من الموت؟ ونحن فانون" ثم أضاف بحسمٍ لا يترك مجالًا للشك: "من مكاني هذا، تعلن عائلة الأركيديا الحرب على العالم."

ارتجف أرين؛ لم تكن مجرد كلمات في كتاب — كانت رؤىً داخل عقله، كأنها تشق طريقها من زمنٍ آخر إلى لحظته. حاول أن يفهم لماذا تصل إليه هذه المعلومات، ولماذا تبدو حقيقية أكثر من أي حلمٍ مرّ عليه. خرج صدى اسم "الأركيديا" من بين السطور كأنها نداء بعينه.

حاول إغلاق الكتاب، لكن الصفحات كأنها التصقت بأفكاره؛ صورٌ لوجوهٍ بلا ملامحٍ تظهر خلف الكلمات، وخريطة لعالمٍ يبدو مألوفًا وغريبًا في آن معًا. تراجعت خطواته وهو يواجه الهواء المملوء برائحة الأحبار القديمة والبخور، وشعر أن شيئًا يتحسس طريقه عبر العتبة: كائنٌ أو ذكرى، أو طقسٌ لم يكتمل.

حين همّ بالابتعاد، سمع خلفه همسًا هادئًا لم يكن واضحًا المعنى، لكنه ترك أثرًا باردًا في ظهره: "الماضي لا يختبئ. إنه يكتب." انعكس الصوت على الجدران وذاب في الصمت. أرين لم يستطع تفسير إن كان الصوت صادرًا من الكتاب أو من بين جدران القصر نفسها.

خرج من الغرفة وسار بين الرواق، يحاول جمع أجزاء الفكرة؛ وجوده هنا لم يكن صدفة، والوريث الذي جُلب لمنزل الجد لم يكن مجرد ميراثٍ مادي. ثم، في إحدى النوافذ العالية، لمح ظلًا يتحرك بسرعة وراء عمودٍ حجري بعيد، ظل لم يتحرّك كما تفعل الظلال الطبيعية — كان يتربّص.

شعر بقشعريرةٍ سريعة تجتاح عموده الفقري. أخمد الفانوس أكثر من اللازم، وجفّف كفه على جبينه، ثم همّ بالمغادرة ليجد نقطة انطلاق؛ لكنه أدرك أن القصر نفسه بدأ يهمس باسمه ببطءٍ، وأن ما قرأه في الصفحة

ليس نهاية الخيط بل بدايته.

2025/10/12 · 114 مشاهدة · 682 كلمة
Mehdi Dz
نادي الروايات - 2026