الفصل 30 – سيدة النهايات
صورة لهايدرن الملك الأعمي في عصر الدمار و الخراب أي قبل كثر من1800 سنة عن الوقت الحالي
في بُعدٍ مجهولٍ خارج تدفّق الزمان والمكان، كان أرين يراقب من بعيد لحظة تطوّر فالين إلى المستوى الخامس. ظلت عيناه تتابعان المشهد بانتباه قبل أن يسأل بهدوءٍ خافت:
"لماذا يتطوّر فالين بسرعةٍ غير معقولة؟ وما هي قدراته الفرعية؟ لطالما تهرّب من الإجابة كلما سألته."
ابتسم أزوريان بنظرةٍ عارفة وقال:
"السبب بسيط، أو بالأحرى سببان. الأول، أنه يفهم قدرته تمامًا ويعرف الطريق الذي يسلكه دون تردد. أما الثاني..."
توقف قليلًا ثم أكمل بابتسامةٍ غامضة:
"فهو أنت."
عبس أرين متعجبًا:
"أنا؟ كل ما يميزني أنني لا أملك مصيرًا في هذا العالم."
أكد أزوريان وهو يحدّق في الفراغ أمامه:
"وهذا بالضبط هو السبب. العالم نفسه يقمع كل من يعيش فيه. فكل روحٍ تحاول تجاوز حدّها يتم إخمادها ليبقى التوازن. لكن فالين... يُنظر إليه كتهديدٍ مطلق، خطرٍ على كل أشكال الحياة، بل على العالم ذاته."
صمت أرين لحظةً ثم قال بتفكيرٍ عميق:
"لو فكّرنا في الأمر من هذه الناحية... لو تم سحب أي شخصٍ آخر غيري إلى هذا العالم، لكان فالين عدوه المطلق. لكن كوني مثله جعلنا نصبح أصدقاء بدلًا من ذلك. ربما العالم سمح لي بالدخول كي أكون سيفه ضد فالين، قطعة شطرنج لموازنة الكفة... لكنني أصبحت حليفه، سرطانًا يقلب نظامه رأسًا على عقب. لهذا فموتي محتوم، والعالم سيبحث عن أي وسيلةٍ للتخلّص مني... أو ربما ينتظر موتي ليمنعني من جمع روحي والعودة."
ابتسم أزوريان برضا وقال:
"أنت تفهم بسرعة، كما توقعت. أما عن قدرات فالين الفرعية... فالأولى هي الاستبصار. أظن أنك لاحظت أن أسلوبه يشبه أسلوبي، وإن كان نسخةً بدائية منه."
ضحك أرين بجفافٍ واضح، بينما تابع أزوريان:
"الثانية، السيطرة على الزمكان، ما يمنحه القدرة على التحكم الجزئي في الوقت أو الانتقال الآني. أما الثالثة..."
قاطعه أرين على الفور:
"صنع واقعٍ خاص، أليس كذلك؟ لكن لحظة، في معركتنا ضد باول، كان فالين في المستوى الثالث، ومع ذلك أنشأ واقعًا خاصًا هناك!"
ضحك أزوريان قليلًا ثم قال:
"أضنك لم تفهم ما جرى حينها. المشهد في مكتب باول لم يكن واقعًا جديدًا، بل تثبيتًا للحظة الزمنية باستخدام الزمكان، ثم فصل نفسه وباول عن العالم، فبدا الأمر كما لو أنه خلق واقعًا خاصًا. إنه تأثير مشابه، لا أكثر."
رفع أرين حاجبه قائلًا:
"إذا كان قادرًا على تقليد التأثير نفسه، فلماذا يجعل من صناعة الواقع قدرةً فرعية كاملة؟ أليس من الأفضل استثمارها في شيء آخر؟"
رد أزوريان بنبرةٍ هادئة:
"ربما. لكن تذكّر قاعدة القدرات الأساسية... كل قدرةٍ فرعية تتطور مع تطور صاحبها حتى تبلغ تحوّلًا نوعيًّا يُغيّر شكل القوة نفسها."
نظر إليه أرين نظرةً متفحصة وقال بسخريةٍ طفيفة:
"أنت لن تخبرني عن قدرته الجديدة، صحيح؟ ستضحك وتغيّر الموضوع كعادتك."
ابتسم أزوريان بهدوء وقال:
"حسنًا... اسأله بنفسك."
---
البعد الأرڨان
في بعدٍ آخر، حيث لا ضوءَ سوى ظلالٍ تتنفس، وقف إيرافين في مواجهة أرڨان بصمتٍ مميت.
فتح أرڨان فمه أخيرًا وقال ببرودٍ مطلق:
"ما هو هدفك الآن يا إيرافين؟"
أجابه الأخير دون تردد:
"سأصبح ملك الليل."
في اللحظة التي نطق فيها، اخترق شعاعٌ ذهبيّ الظلام وتجسد منه الملك الأعمي هايدرن، حين رأى الأخوين متقابلين، اجتاحت ذاكرته صور الماضي... أولئك الأطفال الملكيون الذين ولدوا على القمة، بينما هو، ظلّ في الأسفل مهما حاول الصعود ، خسارته المستمرة أمام هايدرن و سخرية كل خدمهم منه.
لكن اليوم، لم يعد ذلك الطفل هو الضعيف. لقد تجاوز إيرافين كل حدود الضعف، وأصبح أقوى من هايدرن ذاته.
قال هايدرن بسخريةٍ جارحة:
"أيها العامي، كم مرة دعست فوقك في الماضي؟ كم مرة جعلتك تركع تحت قدمي؟"
ابتسم إيرافين ببرودٍ قاتل:
"يا لها من ذاكرةٍ سيئة. السبب الوحيد الذي جعلك تضربني هو اقتراب أختك مني أكثر مما ينبغي. لا ألومها... رؤية شخصٍ عديم الرجولة مثلك يوميًا كفيلة بأن تجعلها تتوق لرؤية رجلٍ حقيقي."
تجمّد وجه هايدرن، واشتعل الضوء الذهبي حوله متجسدًا في شكلٍ ماديٍّ يخضع له كل ما يراه. رفع يده وأصدر أمرًا واحدًا:
"فل تنحنِ."
كانت تلك الكلمات أشبه بمرسومٍ سماوي صادرٍ من روحٍ عظيمةٍ ذات سلطةٍ مطلقة.
لكن بينما بدأت قوى الهاوية تحاول ابتلاع إيرافين من كل الجهات، اختفى الضياء والظلال في آنٍ واحد، ومعهما المنطق ذاته.
ابتسم إيرافين في مواجهة العدم وقال بهدوءٍ يزلزل الأكوان:
"تمرد."
تلاشت كل القوانين، انكسرت السلطة، وتبخّر الأمر ذاته من الوجود.
تحرك بسرعةٍ لا تُرى، جسده يتوهّج بالهالة وسلطة التمرد، ضغط روحه لتبلغ أقصي كثافةً مادية ثم اندفع ممزقًا صدر هايدرن بضربةٍ قاطعة بسيفه.
تحرك أرڨان لحظيا ، جذب أخاه إليه وأطلق هجومًا أباد كل شيءٍ في طريقه،إبتسم إيرافين مكثفًا الهالة في نصلٍ لا يعترف بالمنطق، قاطعًا كل ما وُجد وما لم يُوجد و تمرد حتى على الوقت و كرر الهجوم ذاته مرارا .
حين عاد تدفق الزمن، كان المطر من الشفرات القاطعة ينهال عليهما من كل اتجاه.
لم يتمكّنا من الهرب، ولا من الصدّ.
تمزّقا ثم أعادا تشكيل جسديهما بصعوبة، لكن عندما رفعا رأسيهما، كان حكم الموت قد صدر بالفعل.
في تلك اللحظة اهتزّ العالم.
لم يجرؤ أحد على التدخل.
لقد حُكم على أرڨان وهايدرن بالموت على يد إيرافين، إمبراطور التمرد.
---
قصر الفراغ
في أعلى قمم العدم، جلس رجلٌ بشعرٍ فضيّ وعيونٍ كأنها تعكس الفراغ ذاته.
كان إيريكثوس أركيديا، سيد الصمت الأزلي، يتلاعب بتاجٍ أسود في يده، بينما تعابيره الباردة لا تُظهر أي اهتمام.
"هجومٌ قوي بلا شك..." تمتم بهدوء.
"لكن الفتى ما زال حديث العهد بالسلطة، لا يعرف بعد كيف يستخدمها كما ينبغي."
تجسد أمامه رجلٌ آخر، مهيب الطلعة، ببشرةٍ بيضاء هادئة وشَعرٍ أسود يصل كتفيه — فاليريان أركيديا.
قال بهدوءٍ متقد:
"هل نتحرك؟ يمكننا استغلال الزخم وقتلهم الآن، مرةً وإلى الأبد."
نقل إيريكثوس نظره إليه وقال ببرودٍ مطلق:
"أمرٌ عقيم... لا أرى فيهم أعداء، ولا تهديدًا يستحق الالتفات. فلنراقب فقط، أيها الطفل."
---
دوقية باريان
اشتعلت الحرب بين الأركيديا وجيش الإمبراطورية لوسيان بقيادة الأمير الأول فالتر، بينما كانت فرقة الظل بقيادة أغنوس تتحرك نحو دوقية باريان بأوامر الأمير الثاني سايرين.
في وسط الفوضى، جلس فالين هادئًا يتأمل المشهد.
الأرواح العظيمة تتقاتل في أبعادها الخاصة، الأركيديا والإمبراطورية يتناحران على الأرض، والناس يختبئون في بيوتهم خوفًا من كل شيء.
أما أرين، فبعيدٌ هناك مع أزوريان في بعد آخر...
ابتسم فالين بخفةٍ غريبة كأن كل ما يحدث مجرد تسليةٍ عابرة. ثم مد يده وفتح بوابةً إلى بُعدٍ مجهول، دخلها بهدوء.
وجد نفسه في حديقةٍ من الأزهار الحمراء تمتد إلى الأفق، والهواء مشبعٌ برائحةٍ غريبةٍ من الحياة والموت معًا.
في منتصف الحقل جلست امرأةٌ مذهلة الجمال على الأرض، إلى يمينها طاولةُ شايٍ صغيرة عليها تاجٌ أحمر. كانت تبكي بصمت، ملامحها منهكة بالحزن.
انحنى فالين أمامها باحترامٍ عظيم وقال بصوتٍ خافتٍ مهيب:
"أحيي صاحبة الجلالة، سيدة النهايات... ملكة الأحمر أليسيا."
رفعت أليسيا نظرها نحوه، ودموعها لا تزال تلمع في الضوء الخافت.
ابتسم فالين ابتسامةً صغيرة وقال:
"أنا أعرف الآداب جيدًا. لم آتِ خالي الوفاض... لقد أحضرت هدية."
مد يده في الفراغ، فانبثق ضوءٌ أحمر غامق...
---
البعد المجهول
بينما كان أرين يراقب الحرب، شعر فجأةً بيدٍ تسحبه بعيدًا عن المكان.
قال أزوريان بابتسامةٍ خافتة:
"لقد حان وقت مغادرتك. أراك لاحقًا، يا فتى بلا مصير."
اختفى أرين، وسرعان ما وجد نفسه جاثيًا على ركبتيه وسط حقلٍ لا متناهٍ من الأزهار الحمراء.
رفع رأسه فرأى امرأةً ذات شعرٍ أحمر كالدم، بشرةٍ بيضاء كالثلج، وعيونٍ حمراء زاهية. كانت ترتدي زيًّا ملكيًا كلاسيكيًا، تمامًا كما سمع عنها لم تكن غريبة عليه لقد رأها في قاعة ملك الملوك بنر عندما شاهد التاريخ العصر دمار و الخراب.
تجمّد لوهلة ثم قال بدهشةٍ مرتجفة:
"أنتِ... ملكة الأحمر أليسيا."
استعاد رباطة جأشه فورًا وحدق في فالين:
"هيه، فالين، ما هي قدرتك الفرعية الجديدة؟....... لن تتكلم؟ حسنًا... أليسيا، أخبريني أنتِ!"
ساد الصمت لثوانٍ طويلة قبل أن ينفجر أرين غاضبًا:
"تبا لكِ يا صاحبة الشعر الأحمر، أنا أكلمك! أجيبي! أنا إنسانٌ يتكلم، لست كلبًا ينبح!"
رفعت أليسيا نظرها نحوه وقالت بهدوءٍ قاتل:
"ماذا لو مات كل أفراد عائلتك، وتركوك وحيدًا لقرون... ماذا كنت لتفعل؟"
رد أرين فورًا دون تفكير:
"أنتحر."
تجمّد المكان من الصدمة، ثم تابع أرين ببرودٍ تام:
"حسنًا، ماذا تنتظرين؟ هل تحتاجين إذنًا مني؟"
سألته أليسيا بهدوءٍ أكبر:
"ولماذا؟"
أجابها بلا تردد:
"للإنتحار طبعًا. أنتِ تتحدثين عن نفسك، أليس كذلك؟ لكنك لستِ وحيدة بعد، أخواكِ يتعرضان للضرب المبرح على يد إيرافين حاليًا، وصدقيني حتي لو مات كل أفراد عائلتك حقًا، فقد مرّت قرون، حان وقت النسيان. الحزن يلتئم بمرور الوقت، لكن في حالتك... لا أمل، فلتموتي فقط."
ثم أضاف بابتسامةٍ ساخرة:
"بالمناسبة... ليس لديك أبناء، صحيح؟ هل يمكنني أن أرث ممتلكاتك بعد موتك؟"
في البعد الآخر، جلس أزوريان يراقب المشهد بصدمةٍ حقيقية وهو يتمتم:
"إنه في مستوى مختلف تمامًا عن نورين... مستوى انعدام حياءٍ مطلق."
---
صور لأليسيا من عصر الدمار و خراب:
صور فاليريان:
1
2
صوة حالية لهايدرن:
و سأنزل الصور باقي الشخصيات عن قريب