الفصل 31 : حين ينهار الدور و يولد الرفض
صورة لأرين:
في حقلٍ من الورود الحمراء يمتدّ إلى ما لا نهاية، جلس فالين وأليسيا وأرين. كان وجه أرين مشوشًا، وعلى ملامحه أثر صفعةٍ واضحة، بدا مرتبكًا كما لو أن كلماتٌ قاسيةً ما تزال تدور في رأسه.
فتح أرين فمه وقال ببطء:
"عندما جئت إلى هذا العالم سمعت إمرآة تصرخ هايدرن..أركيديا و عندما رأيت الحدث الذي أعلن فيه فاليريان الحرب على العالم لم أسمع صوتك لذا ضننت أنكي تلك المرآة لكني كنت مخطأ لذا أتساءل عمن تكون ، بستثناءك هل توجد روح عظيمة أنثى في هذا العالم قد تكون صاحبت الصوت"
أليسيا ارتشفت فنجان الشاي بهدوء، ثم قالت:
"لماذا أنت مهتم بها لهذه الدرجة ما الذي تريد معرفته"
رد أرين، صوته ملؤه الارتباك والشك:
"بدأت أشكك في كل شيء بعد كلامي مع أزوريان لقد كنت أفكر إذا كان هجوم أرڨان الذي ضرب أحفاد أسياد الروح الهاربين يجعل أرواحهم تتأكل و يقصر أعمارهم إذا كيف تكاثرو إلى يومنا هذا ؟ لماذا لم يوقظو قدراتهم لجمع أرواحهم و محاربة ثأتير قدرة أرڤان ؟ لما جدي مات بشكل طبيعي أيضًا كان يسكن في المكان الذي نقل فيه سادة الروح ؟ لما لم يتزوج أسياد الروح من أشخاص أخرين في عالمي القديم و إذا فعلو فكان من المفترض أن تضل أمي على قيد الحياة و حتى أخوالي لأنهم ليسوا سادة أرواح على الأقل لم أري أي دليل على إرتباطهم بسادة الأرواح"
تجلّت على وجه أليسيا نظرةٌ كانت مزيجًا من الشفقة والسخرية. فتحت فمها وقالت ببرودٍ ملفت:
"لا أعرف ماذا أقول لك سوا أنت مثير للشفقة لدرجة أني أتعاطف معك حقا"
ما إن أنهت كلامها حتى ارتسمت على ملامحها ملامح شفقةٍ باهتة. أمّا فالين، فظلّ يراقب المشهد بصمت، كمن يسحب خيوطًا خفية من بعيد ليترك الآخرين على المسرح يؤدّون أدوارهم. لاحظ أرين ذلك سريعًا، فانحنى تجاه فالين وسأل بصوتٍ حادٍّ مفاجئ:
"فالين لما أحضرتنا إلى هنا"
أجاب فالين بهدوءٍ وثابت وابتسامةٍ خفيفة:
"لفهم ما يجري طبعًا، أضنك تدرك تمامًا أن هذا العالم سمح لك بالدخول من الأساس لقتلي صحيح"
أومأ أرين برأسه مُقرًّا. قال:
"هذا صحيح أنا أشبه بقطعة شطرنج وضعت لموازنة الكفة معك لاكن أصبحت حليفك بدل ذاك وقلبت التوازن أضن العالم سمح بدخولي لأنه لا يعرف شخصيتي"
رد فالين بجديةٍ خافتة:
"لكن الشطرنج لا تُلعب من طرف لاعب واحد. إن كان هذا العالم لا يعرف شخصيتك فالذي أرسلك يعرف من أنت"
انقبض صدر أرين، شعر ببرودةٍ تجري في جسده. أدرك أن ما فوق الطاولة ليس مخططًا لسنوات أو عقود فحسب، بل لآلاف السنين؛ وأن ساعة التنفيذ قد دقت الآن. قال وهو يحاول تنظيم فوضى أفكاره:
"هل هنالك أشياء لا أعرفها؟"
نظرت أليسيا إلى أرين وفالين قليلاً، ثم قالت بصوتٍ متأملٍ وحاسم:
"حسنًا، الشخص الذي يقف وراء كل هذا أنا لا أعرفه كما لو أنه محى وجوده و رفع اسمه من العالم نفسه. أظنني تفاعلت معه في الماضي لكني لا أتذكره"
لم يتفاجأ أرين؛ فقد كان هذا الاسم — إن وُجد — ما لم يجرؤ أزوريان على ذكره، وحتى نورين تحوّل وجهه إلى جديّةٍ حين دار الحديث عنه. تنفّس أرين ببطء، مسح العرق البارد عن جبينه، ثم سأل:
"هل هناك أي شيء تتذكرينه عنه"
فكّرت أليسيا لوهلةٍ ثم قالت:
"لقد كان مجرد فتى لطيف، لكن حدث شيء ما جعله يكره هذا العالم. لهذا إنعزل وتدرّب. عندما وصل إلى المستوى الثامن كان من شبه المستحيل أن يصل إلى المستوى التاسع، لأن من يصل إلى المستوى التاسع يحصل على السلطة، والسلطة تعترف بشخص واحد فقط. نورين سيطر على سلطة الروح وحتى السلطات المجاورة، لذا صعب جدًا أن ينال سلطة لأنها يجب أن تكون مختلفة عن التي حصل عليها نورين. ومع كل هذا... نجح في الحصول على سلطة وحرّر نفسه من كل قيود العالم وأصبح من «المتحررين» — محى وجوده من ذاكرة العالم. لا أعرف ماذا حدث له."
حاول أرين أن يرتّب أفكاره بصعوبة: "إذن أنه من عشيرة أسياد الروح، أي أنه من أحفاد نورين، وقد وصل إلى المستوى التاسع... وأيضًا، من هم «المتحررون»؟"
ردت أليسيا بحزمٍ واضح:
"ليس شيء يجب أن تعرفه الآن، لأن مجرد معرفتك بهم يسمح لهم بالإستقاض في جسدك، عندها سيدركهم العالم ويمحوهم. كل ما أستطيع قوله عنهم أن العالم نفسه يقمع الكل، حتى قوتهم نفسها. المتحررون هم من لا يقيدهم العالم، ومع ذلك يجب عليهم مغادرة العالم."
تساءل أرين: "ماذا عن إيرافين؟ إنه يمتلك سلطة التمرد؛ بإمكانه كسر قيود العالم."
ابتسمت أليسيا بمرارةٍ هادئة وقالت:
"العالم يدرك ذلك، لذا جعله يعاني في ماضيه. هذا العالم أراد كسر إيرافين مرارًا لكن لم يستطع. مع ذلك، كون إيرافين في العالم يجعله مقموعًا بشكل أو بآخر، لذا العالم يعتبر إيرافين خطرًا تحت السيطرة."
توقف أرين لوهلة، ثم انطلق بسيلٍ من الأسئلة التي تضاعفت كعاصفة في قلبه:
"ما هو العالم بالضبط؟ لماذا لا يقتل من يريد قتله مباشرة؟ لماذا يحرك القدر والأشخاص لذلك؟ وماذا لو خرج الناس من هذا العالم إلى عوالمٍ أخرى، هل سيختفي القمع؟"
تفاجأت أليسيا من كثرة أسئلة أرين؛ نظرت نحو فالين الهادئ وهو يرصّف فنجانه من الشاي ويمرّر نظرةً خاطفة عليهم. التقت نظرتهما؛ ابتسم لها بسكينة، فتنهدت أليسيا وأجابت بوضوحٍ تام:
"العالم هو مجموعة من المفاهيم المجردة وجزء من نظام القوة في هذا العالم، وأحد القواعد الأساسية فيه مدمجة في كيان واحد طور وعيًا خاصًا به ولا يمكنه التحرك شخصيًا. هو يحقق التوازن؛ أي شيء يخلّ بالتوازن يجب قتله. وهو أيضًا كلي العلم تقريبًا فيما يتعلق بهذا العالم، لأنه يمتلك كل المعرفة. بالنسبة للعوالم الأخرى، نعم فيها قيود لكن ليست مثل عالمنا. لو ذهبت إلى عالم آخر، قوتك ستكون عشر مرات ما هي عليه هنا."
صدِم أرين. تلاشت ألوان العالم أمام عينيه للحظة وهو يحاول استيعاب ذلك: عشر مرات؟ كم ستكون قوة الأرواح العظيمة هناك؟ وإذا كانت العوالم الأخرى تقيّد قليلًا فقط، فما هي قوة المتحررين إذن؟ ارتجف أرين — شعر أنه مجرد إنسان صغير من المستوى الثالث، بيدق يُحركه آخرون، لا ملاذ ولا أمل في خلاصٍ سهل.
---
على جبهة دوقية باريان وصل أغنوس مع فرقة الظل، فوجد الجثث مكدّسة على مساحاتٍ شاسعة؛ بعضها كون جبالًا، وبعضها محقون برماحٍ خرجت من الأرض وكأنها أقامت مرايا من رعبٍ معلّق في الهواء. في المقدمة، كان الأميران فالتر وسايرين يقفان بين صفوف جنودهما، أما الأركيديا فكانوا كالظلال المتقدمة — قوةٌ لا تعرف التراجع، متقنة في تحكّمها في الواقع، تتقدّم بلا خوف.
اندفع أغنوس إلى المقدمة لدعم سايرين. أمطرهم الأركيديا بوابل من الهجمات، وفي مراتٍ ألغا فيها دفاعات الجيش الإمبراطوري، بدا أن الكفة تميل لصالحهم. ومع ذلك، وضع فالين علامةً مميزة على أغنوس لا تعرفها سوي الأركيديا؛ لم يلغوا دفاعه، وسمحوا له بحماية سايرين. بعد تلاشي الهجوم المؤقت، همس أغنوس في أذن سايرين:
"يا جلالة الأمير فل ننسحب مؤقتا يبدو أن الأركيديا مستعدين تماما للحرب هنا عكسنا لكن يبدو أنهم نقلوا جزءًا كبيرًا من قوتهم من الجبهة الأمامية إلى دوقية باريان لذا من الأفضل أن ننسحب للتواصل مع الجنود و عائلات الدم لمزامنة الهجوم و سحق الأركيديا"
فكّر سايرين قليلا ثم رأى أن الفكرة عقلانية. بدلًا من إهدار آلاف الجنود في معركةٍ محكومة بالهلاك، كان توفيرهم لمهامٍ أخرى أفضل. فأمر: "فل ينسحب الجنود فورًا." انسحبوا بدون تردّد؛ من يريد أن يلقَ نفسه عبثًا تحت شفرةٍ لا تقرّ النوايا البشرية.
في المقدمة غضب فالتر بشدة... بعد الإنسحاب لمسافة معينة و تنظيم معقل للجيش
اقترب من سايرين وتمالك أعصابه: أمسك قميصه من صدره وصرخ:
"لماذا نتراجع الآن؟"
ثم أضاف متهمًا: "لقد ضحى الآلاف من جيشنا بدمائهم لفتح الطريق والآن بسببك ضاعت تضحيتهم سدى!"
رد سايرين بصوتٍ خافت: "فالتر، كم مضى منذ آخر مرة ارتحت فيها؟ أنت لا تفكر جيدًا."
انفعل فالتر فلكم أخاه؛ وقع سايرين على الأرض
تحت أنظار فالتر قال بصوت مهيب " أرتاح كيف أرتاح و شعبي يموت كيف نأكل و شعبنا جائع علينا أن نمنح شعبنا الأولية دائما علي أنفسنا أن نكون ملوكهم يعني أن نتحمل مسؤليتهم لسنا ملوكا من فراغ "
نهض سايرين متنهّدًا، وقال بهدوءٍ محمّلٍ بالمنطق: "ماذا كنت لتفعل بعد اختراق حاجز الأركيديا؟ إنهم يتلاعبون بالزمان والمكان؛ حتى لو اقتربت منهم و كان الفارق بينك و بينهم سنتمترات قليلة، يستطيعون تمديد المسافة إلى كيلومترات. لا معنى لاختراق الحاجز لأنه فخ من البداية. كلما تقدمنا، زادت المساحة وهلكنا داخل فضائهم المغلق. يستطيعون حجزنا هناك."
سكت فالتر قليلاً، ثم قال بصوتٍ منخفض: "فما الذي نستطيع فعله الآن؟"
أجاب سايرين: "يجب مزامنة الهجوم مع العائلات الدم والجيش الإمبراطوري في الجبهة الأمامية للهجوم في نفس الوقت، لأن الأركيديا قد قسموا قوتهم وربما نقلوا الكثير إلى دوقية باريان. مع ذلك، مات الكثير من جنودنا، وأظن الأركيديا قد توقعوا خطتنا واستعدوا للتخلي عن موقعٍ مقابل تأمين آخر. وصلت فرقة الظل؛ أمرتهم بالتواصل مع الجبهة الأمامية والاستعداد للصدام."
تنهد فالتر، طأطأ رأسه، واعتذر لسايرين — اعتذارٌ على مائدةٍ من الدم والدمار.
---
في بعد أرڨان،
اختفى هايدرن وأرڨان من المشهد. كان الحكم بالموت قد نُطق، ومع ذلك لم يجد العالم جسديهما بعد. طالما بقيا في هذا العالم، فالهجوم الواقع عليهما سيطالهم حينًا ما، ومع ذلك لم يحدث شيءٌ في تلك اللحظة. تمتم إيرافين بصوتٍ هادئ لكنه محمّل بالقطع:
"فالرين... النجم الهاوي"
أعاد إيرافين سيفه إلى غمده وخرج من بعد أرڨان إلى العالم الواقعي. في أثناء خروجه لمح دراغور — قلب الأسد — يتعافى ببطء. لم يرغب في قتله الآن، لكنه أدرك أن تعافيه يعني صعوده إلى ذروة المستوى الثامن، وهو عنصرٌ يجب مراقبته.
---
في بُعد أليسيا، عمّ الصمت حول طاولة الشاي الصغيرة. تحدث أرين بصوتٍ حادٍ مفعمٍ بالعزم والإصرار:
"كل ما تبقّى في حياتي هو شهران، وأنا متأكد تمامًا أن كل الحقائق ستتبين بعد هذه المدة. لذا سأشعل حربًا عالمية، سأزلزل هذا العالم اللعين، وعندما أموت سأبحث عن طريقة لأعود في عوالمٍ أخرى. أظن أني يجب أن أستعين بنورين وإيرافين وأنت يا فالين. بعدها سأقسم وجودي إلى عدة أشخاص، ثم في مرحلةٍ ما أعيد جمع جسدي بعد تطوير كل جزءٍ مني لبلوغ أقصى قوة في أقصر وقت."
سألت أليسيا ببساطة: "وماذا ستفعل في تلك العوالم؟"
ابتسم أرين بابتسامةٍ جامدةٍ وقال: "سأحدث الكارثة وأقتل كل من لا يعجبني، لأنه في حالة الفوضى أستطيع التحرك بحرية."
---
فوق العالم، في بعدٍ خارج الوجود نفسه، جلس شخصٌ على عرشٍ يطل على عالمٍ مهدم. كان شعره أسودًا، طويلاً قليلاً، وعيناه زرقاوان رماديتان؛ بشرته بيضاء، وملامحه وسيمة متناغمة. حدق في الانهيار المحيط به ببرودٍ تمتلئه سخط وكراهيةٍ لا حدود لها.
تجسّد نورين أمامه وقال بنبرةٍ تتضلّل بالقلق:
"ألن تتوقف عن ما تفعله أيها الطفل"
رد ذلك الشخص الجالس على العرش بصوتٍ مهيبٍ وبارد:
"كل شخص في هذا العالم ولد ليقوم بدور معين كالعشب الذي ينمو ليكله الأغنام و الأغنام التعيش ليتم أكلها و حتى البشر يولدون للقيام بدور معين بمجرد أن ينتهي دورهم يقوم هذا العالم بقتلهم لأنه لم يعد لهم سبب للوجود نعم العالم هو من يتحكم بكل شيء لذا الغاية من وجودي هي إنهاء طغيان هذا الوجود الذي يدعي العالم"
---
"في هذا العالم تُقاس الأرواح بمقدار فائدتها، والذاكرة هنا ليست ملاذًا بل جهاز عدّ يقرر من يظل ومن يُمحى. لكن ثمن النظام ليس عدلاً؛ في عمق الوجود يظهر سؤالٌ واحد: هل الحرية قيمة تستحق أن تُدفع بها حياة؟ ربما لا يُهزم العالم بسطحية السيوف، بل بانكسار الفكرة التي تُنطق اسمه — حين يختار شخصٌ واحد أن يرفض الدور، يتصدّع توازنٌ قديم، وتبدأ الحقيقة الممنوعة بالانفجار. هكذا تُفتتح الفوضى، وهكذا يُولد احتمال آخر للوجود."
صورة لأرين و فالين و أليسيا:
ولا أحد يدقق في التفاصيل حول ليش الطاولة صغير ولا ليش مبين أرين أطول من فالين ولا ليش مبينة أليسيا صغيرة
___
ملاحظة المؤلف: هذه بداية لواحد من أقوي الشخصيات في القصة هذا المجلد إقترب من نهايته حيث الحرب العظمي ستبدأ و الأوراق ستكشف و شخصيات جديدة ستنهض من الحضيض للمطالبة بعرش القمة