32 – أصداء الحرب القادمة

خرج أرين وفالين من بعد أليسيا، يسيران بصمتٍ يلفّهما ثقل العالم ذاته.

اتجه فالين نحو مكتب باريان، حمل جثته بين ذراعيه بثباتٍ يشوبه الحزن، ثم سار بخطواتٍ بطيئة نحو قبرٍ قديمٍ يعود لزوجة باريان، جدّة فالين. جثا على ركبتيه، حفر الأرض بيديه، ودفنه إلى جوارها.

راقب أرين المشهد بصمتٍ تام، وعيناه الرماديتان تخفيان خليطًا من المشاعر المعقدة، قبل أن يتجسد إيرافين أمامهما. عندها عادوا جميعًا إلى القصر المهجور لأسياد الروح.

في بهو القصر المظلم، تحدث أرين بصوتٍ عميقٍ وهادئ:

"الحرب الكبرى على وشك البدء، لذا يجب القيام بثلاثة أمور...

الأول أن أذهب لتحالف الممالك وأجرّهم إلى الحرب بالقوة.

الثاني أن أجعل الأمير الأول يحاول قتل أغنوس.

أما الثالث..." التفت نحو فالين بعينٍ ثابتة، "هل تتذكر تلك المرأة من عائلة دراغور التي جاءت إلى حصن الظل للتحقق من باول؟ لقد كانت في ذروة المستوى الرابع وعلى وشك بلوغ الخامس. أيقظ روح قدرتها وأحضرها إليّ مقيدة."

رفع فالين حاجبه بدهشةٍ واضحة، مترددًا للحظةٍ قبل أن يقول:

"تريد أن تجرّ الممالك الخمس للحرب كي تعمّ الفوضى ويسهل التحرك، وتُرغم الأمير الأول على قتل أغنوس لإشعال الخلاف بينه وبين الثاني... ولكن، لماذا تريد أن أحضر تلك المرأة من عائلة دراغور؟"

أجاب أرين بنبرةٍ باردةٍ لا تحتمل النقاش:

"حسنًا، فيما يتعلق بصنع الخلاف بين الأميرين، فهو صحيح. لم أعد بحاجة إلى أغنوس، لديّ ماركوس. كما أني أحتاج استعادة أرواحي المستنسخة.

أما تحالف الممالك... فهم لن ينجوا من الموت على أي حال، لذا سأصنع شيئًا للمستقبل من خلالهم.

وبالنسبة للمرأة... لدي خطة لم تخطر في عقل أحد."

---

في اليوم التالي، توجه أرين وإيرافين إلى قصر السماء — المكان الذي يجتمع فيه ملوك التحالف لمناقشة شؤون العالم. كان الاجتماع يُعقد سنويًا، لكن مع اضطراب الأوضاع صار أسبوعيًا.

من دون مقدمات، تجسّد الاثنان وسط القاعة الملكية الواسعة. ساد الصمت المكان، وتجمّد الملوك في مقاعدهم تحت وطأة الحضور المهيب لإيرافين.

تكلم أرين بصوتٍ مهيب وعديم الرحمة:

"لديكم خياران. الأول... أن تحركوا قواتكم نحو الحرب فورًا. لا أحد سيهرب من هذه الكارثة."

تجرأ ملك سيرافيل، أقواهم، وقال بصوتٍ غاضب:

"هل تطلب منا الموت؟ ما الفرق بين الموت على يد من يقف وراءك والموت في الحرب؟"

رد أرين ببرودٍ يشبه جليد العدم:

"لا خيار لديكم. في أعماقكم تلومونني على هذه الحرب، صحيح؟ تريدون قتلي لأنني من بدأها، صحيح؟"

اشتعلت العيون بالسخط، وتكلم ملك كيرن قائلًا:

"من لا يكره ذلك الذي أيقظ الأرواح العظيمة وفتح أبواب الحرب؟"

ابتسم أرين بخفة وقال بصوتٍ مهيب:

"أنا أيضًا أكره الجبناء أمثالكم.

لماذا لا تكرهون الأرواح العظيمة نفسها؟ هي من ستدمر العالم، لا أنا.

أنتم تبالون بغضبهم، تسعون لرضاهم، وإن غضبوا... سيدمرون كل شيء. يا لهم من حمقى عديمي العقول، ويا لكم من جبناء. لقد كان هذا محتوماً منذ البداية... فماذا تظنون؟"

ساد صمت ثقيل، قبل أن يتكلم ملك ليران بصوتٍ متردد:

"وما هو الخيار الثاني إذًا؟"

ابتسم أرين مرة أخرى، وقال:

"أن يُقدّم كل ملكٍ أحد أبنائه الأمراء ليكون تلميذي. سأدربهم تحت جناحي وأقودهم إلى الحرب. بعد النهاية، سواء فزنا أو خسرنا، سيتحمل أبناؤكم كل شيء. كملوك... عليكم التضحية بأبنائكم لحماية أوطانكم. ولا أريد أي احتيال — يجب أن يكونوا من الدم الملكي."

ساد القاعة توترٌ خانق، تبادل الملوك النظرات بصمت.

ملك ريغان وملك رادين تبادلا ابتساماتٍ خفية. الأول خشي على عرشه من ابنه الطموح، والثاني رأى فرصة للتخلص من ولده الفاسد الذي لم يجلب سوى العار.

أما ملوك سيرافيل وليران وكيرن، فظلوا مترددين، لكنهم عرفوا أن القرار لا مفر منه. كلٌ منهم كان يملك عددًا من الأبناء من زوجاتٍ ومحظياتٍ مختلفات، لذا سيُضحّى بالذي يهدد وريثهم الحقيقي.

---

في الجبهة الأمامية، حيث تصادم الأركيديا مع عائلات الدم، تسلل فالين بصمت.

كان يحمل جزءًا من روح أرين داخله، مما أربك قدرات عائلة أزوريان على تعقبه. ومع ذلك، ظل يقظًا، ينتقل آنياً لمسافاتٍ قصيرة حتى لمحها — امرأة بشعرٍ أسود طويل وملامح حادة، تجلس داخل خيمتها.

في تلك اللحظة، شعرت بوعيٍ غريب يستيقظ داخلها — روح قدرتها بدأت بالاستيقاظ قبل الموعد المحدد من قبل عائلة أزوريان.

من دون تردد، عزل فالين الفضاء من حولها ونقلها فورًا إلى القصر المهجور لأسياد الروح.

شعر أفراد عائلة دراغور بالشذوذ و تحركو سريعا

و إقتحمو خيمتها، كانت فارغة تمامًا.

دقّوا جرس الإنذار وصرخ أحدهم:

"الأركيديا يهاجمون! لقد اختفت ماريا!"

وفي تلك اللحظة، اختفى فالين عن الأنظار تمامًا.

---

في القصر الإمبراطوري،

استيقظت الإمبراطورة من غيبوبةٍ طويلة. نظرت إلى يديها البيضاء الناعمة، وضعت يدها على وجهها تتحسس الضمادات، ثم نزعتها — لكنها لم ترَ شيئًا بعينها اليمنى.

صرخت بفزعٍ شديد:

"أحضِروا لي مرآة فورًا!"

اقتربت إحدى الخادمات بخوف، تمسك بالمرآة المرتجفة بين يديها. صرخت الإمبراطورة في وجهها:

"ماذا تنتظرين؟ أعطيني إياها!"

عندما نظرت في المرآة، رأت وجهًا جميلاً بشعرٍ ذهبي وعيونٍ خضراء... لكن عينها اليمنى كانت مفقودة، ممحية كأنها لم تكن موجودة أصلًا.

صرخت بقوةٍ حتى كاد يُغشى عليها — ثم تجسد وجه أرين في انعكاس المرآة.

تجمدت الخادمات في أماكنهن، وأُغمي على بعضهن من الرعب.

قال أرين بابتسامةٍ باردة من خلال الانعكاس:

"لطالما كان الجمال هو المقياس الأسمى لكل امرأة... رغم أني لا أفهم ذلك حقًا.

لكن، ألم تتعبي من كونك إمبراطورة؟

ضعي رقعة عين واصبحي قرصانة — هذا سيكون خيارك الأفضل.

فمن سيرغب برؤية وجهك المقرف كل يوم؟

من الأفضل أن تدعي إحدى خادماتك تنام مع الإمبراطور مكانك، هههههه..."

دوّى ضحكه القاسي في الغرفة قبل أن يختفي تمامًا، تاركًا الإمبراطورة تغلي غضبًا وحزنًا وانكسارًا.

---

وخارج العاصمة،

عاد جيشٌ مهيب يتقدمه شابٌ بشعرٍ ذهبي قصير وعيونٍ ذهبية متقدة بالحياة — الأمير الثالث للإمبراطورية، محبوب الشعب... أدريان هايدرن.

---

في عالمٍ تحكمه الأرواح العظمى والملوك والدماء، لا يولد أحد حرًّا...

فحتى أولئك الذين يظنون أنهم يختارون طريقهم، ما هم إلا أدوات في لعبةٍ وضع قواعدها كيان لا يُرى ولا يُفهم.

وربما... في نظر العالم نفسه، لم يكن أرين سوى سيفٍ آخر لقطع خيوط القدر.

غير أن الفرق بينه وبين الجميع — أنه قرر أن يكون السيف، لا من يُقطع به.

صورة للأمير الثالث أدريان:

2025/11/03 · 46 مشاهدة · 930 كلمة
Mehdi Dz
نادي الروايات - 2026