الفصل 33 – ولادة الحديد والدم
في القصر المهجور لأسياد الروح، دوّى صوت ضحكة أرين المفاجئة بين الجدران الصامتة، لتكسر سكون المكان كأنها صفعة للحياة نفسها.
رفع فالين حاجبيه وسأله بنبرة فضولية:
"لِمَ تضحك؟"
ابتسم أرين بخفة وقال:
"رأيتُ ردة فعل الإمبراطورة بعد أن فقدت عينها… والآن، بدأت أزرع بذور الشك في قلب الأمير الأول تجاه أغنوس. آه، صحيح… يبدو أن جيش الإمبراطورية تواصل مع عائلات الدم على الجبهة الأمامية. سيبدؤون التحرك بعد ساعة."
ابتسم فالين بدوره، ثم نقل هذه المعلومة إلى عائلة الأركيديا في قصر الفراغ عبر الروابط الروحية. وبعدها سأل بنبرة غامضة:
"وماذا تنوي أن تفعل بتلك المرأة؟"
وقف أرين متجهًا نحو الممر المظلم وقال بهدوء مريب:
"اتبعني."
...
في غرفة واسعة خالية إلا من طاولة طويلة وبعض المقاعد القديمة، كانت امرأة مقيّدة على أحدها. جلس أرين قبالتها ونظر إليها بعينين تلمعان ببرود قاتل.
قال لفالين:
"هي الآن في خضم قتالٍ مع روح قدرتها الواعية، أليس كذلك؟"
أومأ فالين مؤكدًا.
عندها رفع أرين يده، فاهتز الهواء أمامه وتحولت إحدى أرواحه المستنسخة إلى هيئة مادية، صورة طبق الأصل منه، إلا أنه ضغط حجمها حتى صارت بحجم طفل صغير. وضعه أرين على الطاولة بهدوء ثم قال:
"اربط جسدها بهذا الجسد، واسمح لروح قدرتها أن تستيقظ فيه."
ابتسم فالين ابتسامة باهتة ونفذ التعليمات، رابطًا مفهوم جسد المرأة بروح أرين المستنسخة.
فُتحت عينا المرأة فجأة كأنها استيقظت من كابوس مرعب. كان جسدها منهكًا، مقيدًا، وقد بدا الخوف ينهش وجهها. رفعت رأسها بصعوبة لتنظر إلى الاثنين، ثم تجاهلت أرين تمامًا وحدقت في فالين قائلة بصوت مرتجف:
"شكرًا لإنقاذي… لكن أين أنا؟"
قطّب أرين حاجبيه وقال بنبرة منزعجة:
"كأني غير موجود هنا."
رمقته المرأة بغضب وقالت بتحدٍ باهت:
"يجب أن تعرف مكانتك، يا فتى."
ضحك أرين ببرود ورد بسرعة:
"لو كنتِ تعرفين مكانك حقًا… لكنتِ الآن في المطبخ."
كاد الجدال يحتدم، لكن صوت فالين الهادئ قطع التوتر:
"ليس عليك القلق. لقد تعرضتِ لهجوم من الأركيديا وتم نقلك للعلاج. أعلم أن الأمر صعب، لكن عليكِ أن تتعافي بسرعة."
وفي تلك اللحظة، شعر أرين بشيء يتحرك على الطاولة. نظر، ليرى أن روحه المستنسخة تتحول أمام عينيه.
شعره الأسود بقي على حاله، لكن عينيه انقلبتا إلى الأحمر، وجسده بدأ يصدر حرارة غريبة.
ابتسم أرين، فاجأه نجاح تجربته، ثم انفجر ضاحكًا بصوتٍ مجنون يملأ المكان. ارتجف قلب المرأة، وامتلأت عيناها بالذعر.
قال أرين وهو يبتسم ابتسامة باهتة:
"قد يبدو هذا وقحًا، لكن ما اسمك، يا امرأة؟"
ردّت بخوف واضح:
"اسمي… ماريا دراغور."
أشرق وجه أرين ابتسامة غريبة وقال:
"ماريا… جيد. سأتذكره. في المستقبل، سيكون لي ابن، ووالدته ستموت لحظة ولادته. لذا أردتُ معرفة اسمها قبل أن تموت لتكون القصة مقنعة."
تجمّدت ماريا في مكانها، وبدأت عيناها تتسعان رعبًا وهي تحاول التحرر من قيودها، لكن السلاسل لم ترحمها. ارتعش جسدها بشدة، واستشعرت اقتراب نهايتها.
على الطاولة، كانت روح القدرة تستيقظ في الجسد الممدد. درع أسود ثقيل بدأ يتكون حوله، تلمع خوذته بلون الليل، ومن داخلها اشتعلت عينان حمراوان كالجمر.
فمه تحوّل إلى حديد، والحرارة تصاعدت حتى صار الهواء مشتعلاً.
ظهرت سلاسل غير مرئية ورفعت ماريا من يديها إلى الأعلى. كانت تصرخ بجنون:
"لا! لا تقتلني! لم أتزوج بعد! أريد رؤية أبي! أشتقت إليه! أرجوك… دعني أذهب… سأفعل أي شيء، أي شيء! إن كنت تريد ابناً… سأنجبه لك فقط دعني!"
ردّ أرين ببرود قاتل:
"كفي عن الهراء… فلتموتي فقط. إن كنتِ تخافين الموت، فلا تدخلي ساحة المعركة من الأساس. هل من كلمات أخيرة؟"
لكن صوتها اختنق في حلقها.
تقدّم المدرع الحديدي منها، فتح فمه كاشفًا عن صف من الأسنان الحمراء من شدة الحرارة. اقترب من رقبتها وعضّها بقسوة مقتلعا حنجرتها.
تدفّق الدم كنافورة، تبخر جزء منه في الهواء، وملأت صرخاتها الغرفة كأنها نُزعت من روحها.
جلس أرين يشاهد المشهد بابتسامة باردة بينما فالين يتأمل بصمت. قال أرين بصوتٍ مفعم بالجنون:
"لقد دمجت مفهوم جسدها بالجسد الذي أعددته. الآن ستستيقظ روح قدرتها فيه، لكن لكي تكتمل، يجب أن تتغذى على الجسد الأصلي… لتصبحا واحدًا. وسط هذه اللوحة الدموية، ستولد روح قدرة جديدة في جسدٍ مصنوعٍ مني ويحمل صفاتها. هذا الطفل… سيولد في المستوى الخامس، كأي طفل عادي لاكن سيكون روح القدرة ولد في العالم الحقيقي."
كانت ماريا لا تزال واعية، تصارع الألم حتى الرمق الأخير.
المدرع التهمها ببطء: من حنجرتها، إلى معدتها، إلى أحشائها.
وعندما وصل إلى قلبها، توقفت عيناها المفتوحتان عن الارتعاش، وأُسدلت ستارة النهاية.
عندها، انكمش الدرع الحديدي فجأة وتحول إلى طفل صغير بشعر أسود، وعينين حمراوين، وبشرة بيضاء كالثلج، ينام بهدوء على الأرض.
اقترب أرين، حمله برفق، وهمس بابتسامة غامضة:
"إيرون… من الآن فصاعدًا، هذا اسمك."
فتح الطفل عينيه ببطء وقال بصوتٍ طفوليٍّ متردد:
"من أنا؟ وماذا أفعل هنا؟"
ابتسم أرين له وقال بلطف غريب:
"أنا والدك، يا فتى. اسمي أرين."
ارتجف الطفل للحظة، ثم شعر برابطةٍ قوية تربطه به، رابطة لا يمكن تفسيرها.
سأل بصوتٍ خافت:
"وأين أمي؟"
ردّ أرين بنبرةٍ هادئة:
"أمك… ماتت عندما أنجبتك. لكن لا تقلق… أنا معك دائماً."
عانقه، وبدت على وجهه لأول مرة ملامح دفء حقيقي، دفء أبٍ من رحم الجحيم.
...
في الجبهة الأمامية قرب دوقية باريان، اندلعت النيران والدماء.
بدأ الهجوم على الأركيديا بتنسيقٍ تام بين عائلات الدم، بينما تقدمت فرقة الظل من الخلف.
عندما ظهر جيش الأركيديا كاملاً فجأة، ساد الذعر بين الجنود.
"لقد تخلى الأركيديون عن معقلهم فقط لقتلنا! الخطة تسربت!"
صرخ أحد القادة.
صرخ فالتر بصوت جهوري:
"استعدوا للصدام!"
وفي تلك اللحظة، بدأ مخطط أرين بالعمل.
أراد أن يجعل أغنوس بطل المشهد.
خلال المعركة، قُطعت يد سايرين اليسرى، لكن أغنوس اندفع نحوه ليحميه، فتلقّى عشرات السهام في ظهره.
رغم ذلك، صمد.
استخدم أرين وفالين قدراتهما لتعزيز أغنوس سراً — إذ دمج أرين جزءاً من روحه المستنسخة في جسد سايرين، ليجعلها تتجسد ماديًا.
وفجأة… تجددت يد سايرين بالكامل أمام أعين الجميع!
ظنّ الجنود أن أغنوس بلغ المستوى الخامس واكتسب قدرة علاجية خارقة، دون أن يعلموا أن الأمر كان من تدبير أرين.
استمر القتال ساعة كاملة، ثم أمر فالتر بالتراجع بعد أن فقد نصف الجيش.
انسحب الجيش بعد القتال بعنف، وقد بدا الانسحاب منظومةً من الجروح والنواح. كانت الأرض على جانبي الطريق مفروشة بجثثٍ لم تُعد تُحصى، ودماءٌ تلطّخت على الكِسوة والدرع، وأنينُ الجرحى يُمزق الصمت. بعد التراجع لمسافة معينة، كانت الأضرار لا توصف — لَقِيَ أكثر من نصف الجنود حتفهم، وآلافٌ منهم أصيبوا، بعضهم فقد أطرافه، والبعض سقط باكيًا على رُفات رفاقه.
توقّف القادة فورًا لتنظيم أعمال الإنقاذ. تكوّن معسكر مؤقت، وحُدِّدت نقاط لجمع الجثث، نقاط أخرى للعلاج الأولي. الجنود مرهقون؛ الوجوه مغطاة بالتراب والدّم، والعينان توشكان أن تفقدا اللمعان. رجالٌ وسيداتٌ من الصفوف الخلفية يصطفون يساعدون في حمل المصابين إلى العجلات العلاجية، بينما الكهنة والخياطون يلفّون الجثث ببطءٍ وهدوء، كأنهم يبعثون الشيء الأخير من الاحترام للذين ماتوا من أجل سيفٍ وقرارٍ لم يكن لهم فيه.
بينما انشغل الميدان بجمع الجراحى ورفات الموتى، أصدر الأمير الأول فالتر أمره بالعودة إلى العاصمة فورًا. لم يكن قرارًا ينبع من الخوف وحده؛ كان ضرورةً لتأمين ما تبقى من القوات، لإعادة ترتيب الصفوف، ولتقديم تقريرٍ مباشر للإمبراطور. الشيخوخة والحزن بدتا على وجوه القادة وهم يشاهدون عرباتٍ محمّلةً بالجثث تمرّ أمامهم، وأطفالٌ ينزلقون في ساحات القرى، يبكون أهاليهم بلا وعيٍ كافٍ لمعنى الحرب.
بعد ساعات من الانتظار والعمل المضني، انطلق الجيش متوجّهًا إلى لوكسيفار. كانت الساحة أمام البوابة الكبرى مزدحمةً بأهالي المنتظرين؛ ظن بعضهم أن الاحتفال قد يعود إلى المدينة، ظن آخرون أن هذه عودةٌ حزينة. عندما فتحت بوابة العاصمة ودخل الجيش، تقدم الأمير الأول متقدمًا، والصدمة على وجهه عميقة. خيول تجرّ عرباتٍ محمّلة بالجثث، وجنودٌ جرحى على الحِمال، والهدوء الذي يسبق الانهيار.
توجّه فالتر، بعد وصوله إلى القصر الإمبراطوري، بتقريرٍ فوريٍ إلى الإمبراطور أركان. عمَّ صمت خانقٌ أروقة البلاط بعد سماع التفاصيل — الصمت الذي يزن بآلاف الأرواح. ثم فتح الإمبراطور فمه بصوتٍ مهيب:
"هناك خائن بينكم.... حسنًا، بما أن كل من عَلِموا بالخطة في القصر الإمبراطوري، فلا تسمحوا لهم بالمغادرة، وحقِّقوا معهم."
أجاب الجميع بصوتٍ مرتبكٍ موحٍّ بالتزام: "أمرك."
اقترب الإمبراطور من فالتر، وصاحبه همسًا محمّلًا بالخوف والمرارة: "هل تشك في أحد يا فالتر؟"
اقترب فالتر من والدِه وهمس في أذنه بصوتٍ منخفضٍ لا يحتمل الخطأ: "أغنوس."
في جناح الإمبراطورة، كان الصراخ يعُمّ المكان. هرع سايرين ومعه مساعدوه فوجدوا ليورا وأدريان واقفين أمام باب الغرفة؛ ليورا تبكي بشدّة. بلهجةٍ مبحوحةٍ قالت:
"إنها أمي، لقد فقدت عينها اليمنى... إنها منهارة تمامًا."
خفض أدريان رأسه متأثرًا، فيما حاول سايرين تهدئة الموقف: "إذا كانت هذه هي المشكلة فالحل بسيط، لقد وصل أغنوس للمستوى الخامس، وحصل على قدرة علاجية إعجازية يستطيع تجديد الأعضاء المبتورة."
صدم أدريان؛ لم يكن يعرف من هو أغنوس فعلاً. نظرت ليورا بعينٍ متجهّمة إلى المقنع الذي وقف أمام سايرين، ثم ابتسمت بارتياحٍ بسيطٍ عندما انحنى أغنوس أمام الأمير الثالث والأميرة الصغيرة. سار معهم نحو باب غرفة الإمبراطورة إليانور، حيث كان الخادمات يرتجفن في خوفٍ وبعضهن ينزفن بأيديهن بسبب حَمل الزجاج والفخار بأيدٍ عارية.
طرقَت ليورا الباب ونادت: "أمي، هذه أنا، افتحي الباب!"
جاء صوت من داخل الغرفة: "ليورا لا تدخلي، لا تفتحي الباب!"
تدخل سايرين قائلاً: "أمي، افتحي الباب، لدي علاج، صدقيني."
صرخت الإمبراطورة: "لااااا!"
تنهد سايرين، وأشار إلى أغنوس لكسر الباب إن اقتضى الأمر. اندفع أغنوس، ركل الباب ودخل متقدّمًا. حاولت الإمبراطورة رمي الأشياء عليه، لكنه اختفى من أمامها ثم ظهر خلفها، ولمسه برفقٍ على رأسها. أطلق جزءًا من روحه المستنسخة، وتحول ذلك الجزء إلى هيئة مادية — عينٌ خضراء — ووُضعت في محجرها. شعرت إليانور بأن بصرها اليمنى عاد وضعت يدها على وجهها و تحسست عينها اليمني، إنهمرت دمعة على خدّها وسقطت.
في القصر نفسه، عادت الوجوه تتجلّى بعيونٍ قلقةٍ وسعادةٍ مرهقة. بعد أيامٍ قليلة، تحسنت حالة إليانور وتعافت سيليا من صدمتها. اجتمعت عائلة هايدرن الإمبراطورية على مائدة واحدة بعد طول شقاءٍ ، وارتسمت الابتسامات على محياهم — باستثناء فالتر، الذي بدا مبتسمًا من الخارج لكنه في داخله مشتعِل بالقلق. علِم جيدًا أن استمرار هذه البهجة يتطلب معرفة الخائن والقضاء عليه؛ كان يقسم في صدره أنه سيكشفه ويقضي على الشيطان أرين.
خلال تلك الأيام، كان أغنوس يعمل في الظل يبحث عن الخونة الذين عرفهم شخصيًا عبر معلوماتٍ وصلته من أرين؛ أراد أن يزرع الرعب بين الخونة ويدفع الخيوط إلى تلك اللحظة التي تجعل الأمير الأول يشكّ بقربه من الخيانة. كانت خطةً دقيقة: إثارة الريبة، ثم جعل الريبة تتخذ شكلًا علنيًا يقود إلى تحرّكاتٍ مجنونة قد تفضي إلى تطوراتٍ أكبر.
في القصر المهجور لأسياد الروح، جلس أرين على العرش الحجري القديم الذي كان يومًا ملكًا لنورين أستير. كان مراقبًا بحذر؛ عيونه متجهة إلى القصر الإمبراطوري عبر شبكة أعينٍ صغيرة — أجزاء من روحٍ وضعها هناك، وأغنوس نفسه كان نافذةً لرصد ما يجري. تحدّث أرين لنفسه بابتسامةٍ باردة:
"ستكون هذه آخر شعلة قبل الحرب الفعلية... أنا متحمس لها."
---
"كان الهدوء الذي أعقب العاصفة أثقل من صليل السيوف.
بين أصداء الدماء التي لم تجف بعد، وقف أرين كمن يسمع همسًا لا يسمعه سواه… همسًا يتسلل من وراء الستار، يعبث بخيوط القدر كما لو كان يعزف لحنًا لا يُراد له أن ينتهي.
لم يكن يعلم إن كان ما يشعر به نداءً من داخله أم يدًا خفية تحرّك ظله، لكن في تلك اللحظة أدرك شيئًا واحدًا…
أن السلام الذي عاد به الآخرون لم يُخلق له."
صورة لإيرون:
صورة لأرڨان في عصر الدمار و خراب: