الفصل 34 – دم الفداء
صورة لأغنوس 🕊️
في القصر الإمبراطوري، كان الصمت يخيّم على الممرات حين بدأ أغنوس في كشف بعض الخونة للأمير الثاني سايرين. بعد أن تأكّد الأمير من صحة أقواله، نُفّذ الحكم فورًا، وأُعدم الخونة والمسؤولون الفاسدون أمام أعين الجميع.
ذلك المشهد زلزل أركان العاصمة، وجعل من تبقّى من الفاسدين يعيشون في رعبٍ قاتل، يدركون أنهم سيكونون التاليين في صفّ التصفية. تحت وطأة الخوف، لجأ بعضهم إلى الأمير الأول فالتر، مدّعين أن أغنوس جاسوس لجهاتٍ خارجية.
لم يكن لديهم دليل واحد، لكن أحد الوزراء – الذي كان في الحقيقة جاسوسًا لمملكة ريغان – تقدّم بفكرة خبيثة. اقترح إرسال أغنوس في مهمة استطلاعية بالقرب من الصحراء الصخرية التي تفصل جنوب إمبراطورية لوسيان عن شمال فالكان، بحجة مراقبته هناك.
قال الوزير بصوتٍ خبيث وهو يحنك الشرح أمام الأمير:
"لقد بقي أغنوس لأيام في القصر، وإذا كان ينوي تسريب المعلومات سرًا، فسنمنحه الفرصة ليفعل... وسنراقبه في الخفاء."
لكن ما خفي كان أدهى. في الظل، أرسل الوزير أوامره الحقيقية: التخلّص من أغنوس.
وبمجرد مغادرته العاصمة، كان ينتظره فخٌّ محكم؛ جحافل من الجيوش والمرتزقة تحيط به من كل جانب. ابتسم الوزير لنفسه وهو يظن أنه وضع خطة مثالية.
---
في القصر المهجور لعشيرة أسياد الروح، كان كل من أرين وفالين يبتسمان برضا، يراقبان المشهد عن بعد.
لقد كانا يحرّكان الوزراء بسحر الأفكار والتلاعب بالواقع، كأنهم دمى في مسرحٍ مظلم.
قال أرين وهو يحدّق في الفراغ بنظرةٍ باردة:
"لقد وصل سحر الأفكار خاصّتي إلى ذروة الدائرة الثالثة... أظنّني سأرتقي قريبًا إلى الرابعة. هذا السحر رائع، أعتقد أنني سأحوّل سحرة آخرين إلى أجسادٍ بديلة لي، ثم أسرق سحرهم. ما رأيك؟"
ابتسم فالين ساخرًا وقال:
"وهل تملك الوقت لذلك أيضًا؟ لا يمكنك سرقة السحر من ساحر الدائرة الخامسة، لأنك ستموت قبل أن تنجح. المهم، ماذا تنوي أن تفعل الآن؟"
أجابه أرين بثقة هادئة:
"اجعل فالتر يأمر أغنوس شخصيًا بالذهاب في دورية استطلاعية، وابعد الأمير الثاني سايرين عن القصر. أما الأميرة الصغرى ليورا، فلتنَم في العربة المتجهة جنوبًا."
ابتسم فالين بعد لحظة صمت وقال بخبث:
"فهمت خطتك."
تبادل الاثنان نظراتٍ قصيرة قبل أن تغمرهما ابتسامة واضحة. كل شيء يسير كما خُطِّط له.
---
في القصر الإمبراطوري، جرى كل شيء بسلاسة تامة. أمر الأمير الأول فالتر أغنوس بالتحرّك جنوبًا، وتم تجهيز العربة التي نامت فيها الأميرة الصغرى ليورا دون وعي.
ركب أغنوس العربة، مرتديًا عباءة داكنة ذات قلونسوة عريضة لتغطي القناع و ليخفي ملامحه، عندها إلتقي بأحد أفراد عائلة الدم النجمي فالرين حيث أمر بنقله إلي الطريق بالقرب من مدينة معية في الجنوب لوح بيده فوجد أغنوس نفسه أمام طريق صخري قاد العربة التي تجرها الخيول عبر طرقٍ وعرة، يملؤها الغبار. لم يثر الشكوك في المدينة الصغيرة التي مرّ بها، لكنه كان مراقَبًا منذ اللحظة الأولى.
ما إن ابتعد عن أطراف المدينة حتى لمح جيوشًا تتقدّم نحوه من الأفق، بعضهم من حيش ريغان متنكرين، والبعض الآخر عصابات وقطاع طرق جُمِعوا بواسطة الخونة داخل القصر لقتله.
اهتزت الأرض تحت وقع أقدام الخيول، وتعالت الصرخات. استيقظت ليورا داخل العربة مذعورة وقالت بصوت مرتجف:
"ماذا... أين أنا؟"
أدار أغنوس رأسه نحوها وقد ارتسمت على وجهه صدمة واضحة.
قفز من مقعده بسرعة، وارتمى نحوها ليحميها، بينما تساقطت السيوف على ظهره ورأسه. رغم الدماء التي غمرت جسده، لم تكن أيّ من الجراح مميتة بعد. حمل ليورا بين ذراعيه وبدأ يركض محاولًا اختراق صفوف المهاجمين.
لم تكن تلك الجموع جيشًا منظمًا، بل خليطًا من المرتزقة والفوضويين، وهذا ما أنقذه. استغل ثغراتهم ببراعة، سحب سيفه، وعزّزه بروحٍ مستنسخة تحوّلت إلى قوة روحية مضغوطة، فقطع بها خصومه كأنهم أشباح من دخان.
ركض أغنوس في كل اتجاه وهو يحمل ليورا حتى وصل إلى شق يؤدي إلي وادٍ سحيق بلا مخرج.
أجلسها خلف صخرة كبيرة، ونزع عباءته ليغطيها بها قائلاً بهدوء رغم الدماء التي تغطي جسده:
"لا تستديري... اختبئي هنا. هذا أكثر مكان آمن. خذي هذه الكعكة، وابقِ ساكنة."
بصوتٍ مبحوحٍ قالت ليورا وهي تبكي:
"ماذا عنك؟ هل ستكون بخير؟"
ابتسم أغنوس رغم الألم وقال:
"لا بأس... المهم أن تكوني بخير، يا جلالة الأميرة."
ثم استدار نحو المهاجمين. سحب سيفه، وثب بكل ما تبقّى من قوته، وبدأ يقتل كل من يقترب. كان جسده يغرق في الدماء، لكنه ظلّ واقفًا، يقاتل بعزمٍ خارق، يتلقى الطعنات والسهام دون أن يتراجع.
---
في القصر الإمبراطوري، ساد الهلع حين اكتشف الجميع اختفاء ليورا.
بُحث عنها في كل مكان دون جدوى، حتى قرروا الاستعانة بعائلة أزوريا، الذين كشفوا موقعها في الجرف الصخري الجنوبي.
تحرك الأمراء الثلاثة فورًا، يقودهم فالتر بنفسه.
قال الأمير الأول بصوت حاد:
"إنه أغنوس، بلا أدنى شك."
ردّ عليه سايرين بانفعال:
"وما علاقة أغنوس بالأمر؟! هو لم يفعل شيئًا لم أري منه سوى الإخلاص!"
قال فالتر ببرود:
"أنا من أرسلته جنوبًا للاستطلاع، ويبدو أنه خاننا لابد أنه الخائن الذي سرّب الخطة إلي الأركيديا."
صرخ سايرين غاضبًا:
"لا! أغنوس ليس الخائن! لقد كان معي طوال الوقت! كيف يسرب المعلومات وهو تحت عيني؟ أتتهمني بالغباء؟! فكر قليلًا... الكل يكره الأركيديا، ولا أحد يتحالف معهم! إنهم متكبرون لدرجة أنهم لن يقبلو بالجواسيس أبدا ولماذا سيخوننا أغنوس أصلًا؟ ماذا سيكسب؟! الأركيديا عائلة من العصر السابق من المستحيل وجود أي صلة لأغنوس بهم فكر قليلا"
سكت فالتر فجأة. تردّد، وشعر كأن ستارًا يُرفع عن عينيه.
تساءل في نفسه: لماذا كرهتُه؟ لقد أنقذ أخي، شفى أمي، وأنقذ ليورا... وحتى هي قالت إن روحه طاهرة كالطفل... فهل أنا مسيّر؟ هل هناك من يتلاعب بي؟
مع غروب الشمس، وصل الأمراء الثلاثة إلى الشق الذي يقود للوادي السحيق. كانت رائحة الدم تملأ المكان.
تردّد المرتزقة في دخول الشق المظلم، و بمجرد أن لمحو جنود الإمبراطورية لاذو بالفرار لكن فالتر أمر جيشه بالمطاردتم، ثم ترجل مع إخوته ودخلوا بأنفسهم.
كانت الأرض مغطاة بالجثث والدماء.
توقف أدريان فجأة، وسقط على ركبتيه مذهولًا.
كان أغنوس هناك، جسده ممزق كأنما خاض حربًا ضد ألف رجل وحده. يده اليسرى مقطوعة، واليد الأخرى بالكاد متصلة باللحم، سهم اخترق عينه اليسرى، وبطنه مفتوحة تتدلى منها الأحشاء أيضا كل من ضهره و صدره مثقوبة بعشرات السهام، لكنّه ظلّ واقفًا.
عندما رأي أغنوس سايرين جثا على ركبه، صوته يرتجف:
"أعتذر، جلالتك... لقد وجدتِ الأميرة ليورا في العربة، فاضطررتُ لحمايتها. آسف لأنني جعلتها تري هذا المشهد القاسي."
قال سايرين بنبرة حزن واضحة:
" لقد قمت بعملك على أكمل وجه أحسنت يا أغنوس "
ردّ أغنوس بصوت متهدّج، بالكاد يُسمع:
"... هذا شرف لي، يا سيدي."
خرجت ليورا من خلف الصخرة تبكي بحرقة، وقالت بصوتٍ مرتجف:
"أنا آسفة... لو لم أنم في العربة لما اضطررتَ لحمايتي... والموت بسببي."
ابتسم أغنوس رغم الدماء وقال بهدوءٍ غريب:
"لكل شخصٍ سبب يعيش لأجله. البعض لعائلته، البعض لأحلامه... أما أنا، فكنت سعيدًا فقط حين أرى أطفال القصر يضحكون. أردت أن تدوم تلك السعادة، لذلك طهّرت القصر من الفاسدين. لا أعلم لماذا يشك بي الأمير الأول... لكنني... لست خائنًا. لم أخن أحدًا قط."
ساد الصمت، ثم قال أغنوس بصوت خافتٍ كأنه يبتعد عن العالم:
"أيها الأمير الثاني..."
قال سايرين باكيًا:
"نعم، أنا هنا..."
ابتسم أغنوس للمرة الأخيرة وقال:
"لقد سررت بخدمتك... لقد منحتَ حياتي وموتي معنى. شكرًا... جزيلاً."
سقط سيفه، ثم قناعه، كاشفًا وجهًا أبيض شاحبًا، بلا ندوب. كان أرين قد محا جروحه عمدًا، احترامًا له، وهو يراقب المشهد من بعيد جالسًا على عرشٍ حجري قديم يعود إلى نورين.
لم يكن يتوقع هذا المشهد.
رأى كيف حمل الأمراء الثلاثة جثمان أغنوس إلى العاصمة لوكسيفار، وكيف وقف الإمبراطور أركان هايدرن بنفسه ليعلن أمام الشعب إنجازات أغنوس العظيمة و في الأخير قال:
"لقد وُلِد مجهولًا، ومات بطلًا."
حضر جنازته كل شخصٍ بارز في الإمبراطورية، وبُني له قبر فخم كُتبت عليه عبارة واحدة:
"لقد وُلد مجهولًا، ومات بطلًا. فلْ تخلد روحك الطاهرة، يا محارب الفداء العظيم."
بكى الأطفال في القصر، ومعهم الخدم والحراس، فقد أحبّوه جميعًا.
قبل موته، كان أغنوس قد دوّن كل أسماء الخونة في غرفته... لتنتهي اللعبة بعده.
---
في القصر المهجور، جلس أرين يفكر بصوتٍ خافت، كأنما يتحدث إلى نفسه:
"أنا أسوأ شرير في تاريخ لوسيان... حاولت قتل العائلة الإمبراطورية ودمّرت العاصمة، ومع ذلك أنا أعظم بطل في تاريخها أيضًا. لقد أنقذت الإمبراطورة، حميت الأمراء، وأنقذت الأميرة الصغرى. أنا البطل... والشرير في آنٍ واحد، ولا أحد يعلم."
ابتسم بهدوء وأكمل فكرته بصوتٍ عميق:
"لا أحد يملك السيطرة الكاملة على مملكته، لأن هناك دائمًا من يحبّك ومن يكرهك. يستحيل أن يطيعك الجميع. لكن ماذا لو سحبت نفسي من المشهد؟ وضعت استنساخًا يمثل الشر المطلق... وآخر يمثل الخير المطلق؟ سيموت البطل والشرير باستمرار، بينما أبقى أنا خفيًّا، أحكم من وراء الستار... دورة لا نهائية بين النور والظلام..."
صمت لحظة، ثم ضحك بخفة وقال:
"غريب... لماذا لم يفكر أحد بهذا من قبل؟"
وهكذا، دون أن يدرك، كان أرين يؤسس بهدوءٍ لفلسفةٍ جديدة ستُخلّد في التاريخ باسم —
اليد الخفية.
---
حين صمتت السيوف، لم يبقَ سوى صدى الحقيقة يتردّد بين الشقوق الحجرية.
لم يمت أغنوس، بل تحرّر من وهم الشكل، وعاد إلى أصلٍ لا يراه إلا من تخلّى عن البصر.
ففي موته، وُلد السؤال الأزلي:
هل كان الفداء خلاصًا... أم امتحانًا لمن ظنّ أنه يعرف النقاء؟
لقد أدرك أرين — وهو يحدّق في الصمت — أن الخير والشر ليسا نقيضين، بل انعكاسان في مرآة واحدة لا ينجو من رؤيتها أحد.
ذلك اليوم، لم تُكتب نهاية قصة رجل، بل بداية لعقيدةٍ ستُعرف لاحقًا باسم "فلسفة اليد الخفية"...
حيث لا يموت البطل، ولا يُهزم الشرير، بل يلتهم أحدهما الآخر إلى أن يتلاشى الفارق بينهما... وتُغلق الدائرة.
___
أعلن رسميا الحرب الكبري ستبدأ الفصل القادم و مع نهايتها ينتهي الأرك و المجلد الأول