الفصل 37: وجهة نظر

في القصر المهجور لأسياد الروح، كان الجو نابضًا بالحياة على نحو غير معتاد. الأمراء يتدربون بلا توقف بعد الهجوم الأخير على مقر عائلة أرڨان، وقد أدركوا جميعًا ضعفهم الجسدي والروحي. كانت آراءهم حول أرين متباينة؛ بعضهم رآه شريرًا، وآخرون اعتبروه بطلًا، لكنهم اتفقوا جميعًا على حقيقة واحدة: التشبث بأرين هو السبيل الوحيد للنجاة. ومع ذلك، كان واقعهم أشبه بغرقى يتشبثون بخشبة صغيرة في بحر هائج؛ قد يغرقون، لكن وجود بصيص أمل أفضل من الموت الحتمي.

ملأت صور الجثث المقطعة وأفراد عائلة أرڨان المتوسلين أذهان نوفان ونيرفال، اللذين لم يريا الموت عن قرب في حياتهما كأطفال منبوذين في القصور الملكية. أما دريمار وريغان، فمع أنهم معتادون على المشاهد العنيفة، لم تستطع مخاوفهم من الحرب أن تختفي.

أما يوليوس، فغاص في قراراته الداخلية قائلاً في صمت:

«كنت أستيقظ على صوت الخادمات الدافئ، أتناول إفطارًا خفيفًا، أتمشى في حدائق القصر، أزور الفنادق، أتناول أجود الأطعمة وأشرب أجود الخمور، أستمتع بالموسيقى في الحفلات وأرقص مع السيدات… أما الآن، فأنام في قصر بارد، أتدرب بلا توقف، ويدي ملطخة بدماء أفراد أرڨان. سأدخل حربًا ضد العالم قريبًا، ويجب أن أستعيد العرش بعدها . لأعود للراحة والرفاهية، يجب أن أمتلك قلبًا من حديد. و أصبر على مشقة التدريب، لأن الحرب قريبة.»

في أرجاء القصر المهجور، جلست على العرش الحجري، بنظرة فارغة، أفكر في كل ما حصل منذ انتقالي لهذا العالم؛ في التحولات السريعة من شخص عادي إلى أسوأ شخص في هذا العالم. أنا شعر بالفراغ، بالضياع، بالوحدة الشديدة والخوف من كل شيء. لم أعد أشعر بالأمان، إرتديت قناعًا باردًا حتى نسيت نفسي. أقتل بلا سبب، أبدأ حرب عالمية لمجرد شعور داخلي بالرغبة في ذلك.

كنت أشتاق لتلك الأيام البسيطة في طفولتي؛ العشاء مع العائلة، الليالي الممطرة تحت بطانية، مشاهدة أفلام الرسوم المتحركة مع أخي وأبي. حتى الأفلام البسيطة كانت ممتعة حينما كانت العائلة مجتمعة، تمنحني دفءً وراحة. عندما أصبح أكبر سنا كنت أهرب من الواقع، أبحث عن الترفيه، أريد أن أضغط زر الإيقاف لأعود لحياتي الطبيعية لأجد عائلتي و أبي مجتمعين، لكن الموتي لا يعودون.

هذا العالم لا ينتظرني، لا يمنحني فرصة للراحة. لست الشخصية الرئيسية التي تتوقف الأحداث من أجلها، ولا المنقذ الذي تتأخر الأحداث كي يصبح أقوى و أهزم أعدائي. أنا مجرد بيدق، يُحركه اللاعب بلا اعتبار لمشاعر بيدقه الصغير.

نهضت من العرش، أسير في أروقة القصر المضلمة، أفكر: هل أنا مخير أم مسير؟ هل كانت هناك قرارات أفضل يمكن اتخاذها؟ كل دقيقة تمر تقربني أكثر من الموت. في قاعة يتخللها ضوء خافت، وجدت مرآة مغطاة بالغبار. حين مسحت الغبار، انعكس وجهي البارد بلا مشاعر، تعلوه ابتسامة خفيفة، شعر أسود غرابي، عيون رمادية وبشرة متوسطة. كل يوم يمر أصبح أبعد عن ذاتي القديمة، كأنني أفقد نفسي شيئًا فشيئًا.

غسلت وجهي بالماء واستمررت في السير، حتى رأيت طفلًا يتدرب على السيف، ملؤه البهجة. عند رؤيتي، أسرع نحوي مبتسمًا وهو يصرخ:

"أبي! أبي! هل رأيت ذلك؟ لقد أصبحت قويًا! يومًا ما سأصبح الأقوى في هذا العالم!"

أخفضت رأسي، شعرت بسعادة غريبة لرؤيته يضحك، يذكرني بأيام طفولتي وسط فوضى مشاعري. أربت على رأسه مبتسمًا وأسأله:

"إيرون، أنت تتدرب دائمًا ولم تخرج أبدًا، صحيح؟ ما رأيك، هل تريد الذهاب للخارج معي؟"

لمعت عيون إيرون الحمراء ببراءة، يومأ برأسه بقوة، وأمسك يدي بإحكام. تجولنا في القصر، نصرخ بين الأروقة:

"فالين… هاي فالين!"

ظهر فجأة رجل بشعر فضي يميل للأبيض، يصل كتفه، يحدق بنا بعيون بنفسجية وابتسامة هادئة، قلت له:

"هل تستطيع نقلنا أنا وإيرون للخارج؟ من الأفضل أن يكون قرب مهرجان معين."

ابتسم فالين وقال:

"حسنًا، ستعودون تلقائيًا بعد الفجر." ولوح بيده، فنُقلنا إلى إمبراطورية فالكان، حيث مهرجان ضخم يعج بالباعة المتجولين، خيمة السيرك، الألعاب، وضحكات الأطفال. أخرجت أجزاء من الأرواح المستنسخة تحولت إلى أشكال مادية لتصبح جزءًا مني بهدف تغيير مظهري.

زدت طولي قليلًا حتى بلغت 180 سم، وظهرت لحية خفيفة، بدا وكأني رجل في أواخر العشرينات أو أوائل الثلاثينات. أمسك بيد إيرون، متحمسًا لكل شيء كان ينظر حوله كثيرا حتي توقفت عيناه على بائع معين. فهمت مقصده دون كلمات، فاشتريت قطعتين من الفطائر لنا، ثم لعبنا جميع الألعاب، وكان إيرون مذهلًا، فاز بكل الألعاب وأبهره السيرك.

جلسنا على أحد المقاعد، أراقب المهرجان وإيرون السعيد، أستمع لوصفه لكل ما مررنا به رغم أني كنت حاضر معه مع ذلك إستمعت بهتمام. سألت:

"إيرون، هل أنت سعيد؟"

رد ببهجة واضحة:

"نعم، أنا كذلك."

ابتسمت، ثم سألته:

"كيف تكون سعيدًا؟ عندما تكون في المهرجان أم عندما تلعب؟"

أجاب:

"عندما تكون أنت معي يا أبي."

نزلت دمعة من عيني، عندما حاولت إيقافها نزل المزيد من الدموع . صدم إيرون من رؤيتي أبكي، واحتضنني قائلاً بصوت مبحوح:

"سمعتك تقول… أنك ستموت… بعد شهرين… أرجوك، لا تمت، سأكون وحيدًا إن مت."

ربت على رأسه وطمأنته:

"سأكون دائمًا معك، حتى لو رحلت يومًا ما سأعود لا محالة."

استمررنا في التجول واللعب حتى طلوع الفجر. عاد إيرون نائمًا إلى القصر، ووضعتُه على سرير دافئ، محتضنًا الجوائز التي فاز بها. أما أنا، فقد عدت إلى الأروقة، مرورًا بالأمراء والجنود، حتى جلست على العرش الحجري، أراقب السقف المنهار، النجوم تتلألأ، والشمس لم تشرق بعد. ابتسمت، مدركًا أن المهرجان كان متنفسًا منحني إياه من يحرك الخيوط خلفي. تنهدت ثم تمتمت:

"ربما نحن جميعًا مجرد بيدق في لعبة أكبر منا، تُحركنا خيوط لا نراها، وننجرف بين أقدارٍ لا نختارها. لكن حتى في وسط الظلام، هناك لحظات صغيرة نختار فيها أن نحتضن الحياة، أن نحمل من الفرح ما يكفي لنصمد. القوة لا تعني الانتصار على العالم، بل القدرة على الصمود رغم الألم. والأمل… حتى لو كان خيطًا ضعيفًا، يظل سببًا كافيًا لنواصل السير."

---

في مكان ما خارج العالم، في فضاء أشبه بعالم منهار، جلس شخص غامض على عرش وسط الخراب، في عزلة وسكون أزليين. سمع صوتًا عذبًا لرجل قادم من لا مكان:

"كم أنت لطيف حقًا، يا سيد القوانين غير المقيدة… أحيانًا أظنك أكثر شخص لطيف رأيته في حياتي."

رد الجالس على العرش بصوت مهيب:

"لماذا الجميع يبحث عني هذه الأيام؟ ما الذي تريده، أزوريان؟"

أجاب أزوريان بهدوء:

"أردت الاطمئنان على حالك."

أجابه الجالس على العرش:

"وهل تظنني أحمق؟"

تابع أزوريان:

"ولم كل هذه الحساسية لمجرد الاطمئنان؟"

قال الجالس على العرش:

"لأني أعرف من أنت أزوريان… أعرف والدك، سبب وجود عائلة الأركيديا… أعرف كل شيء."

نظر للفراغ وتنهد كما لو أنه يوجه كلامه لشخص غير مرئي:

"جميع الناس يولدون ليغيروا هذا العالم، سواء بالإيجاب أو السلب، أو حتى بتغيير غير ملحوظ… كل أثر هو تغيير. يمكن جمع كافة التأثيرات في مجال واحد، ألا وهو «التغيير»."

وسط العالم المنهار، كان أرين في حالة غريبة، يسمع الحوار بين أزوريان والجالس على العرش.

---

في القصر المهجور، استيقظت مفجوعًا من كابوس مرعب، أو ربما لم يكن كابوسًا من الأساس. نهضت من العرش الحجري وأسرعت إلى إيرافين بمجرد أن لمحته قلت:

"هل تعرف من يكون سيد القوانين غير المقيدة؟"

فقد كل شيء لونه، ووجدت نفسي في مكان غريب، عديم اللون. رفعت رأسي لأرى شابًا بشعر فضي وعيون فضية مائلة للأبيض، محاطًا بهالة غامضة. لم أحتاج إلى تفسير؛ كان الروح الأصلية لعائلة الأركيديا، إيريكثوس أركيديا.

(نهاية الفصل 37)

---

ملاحظة المؤلف: ركزو على كلام الشخص الجالس على العرش لأنه يحمل الجواب لأعظم سؤال سيطرح مستقبلا مع ذلك لا أضن أن أي شخص سيقرأ روايتي في أي وقت قريب 🥲

2025/11/12 · 21 مشاهدة · 1127 كلمة
Mehdi Dz
نادي الروايات - 2026