الفصل 38 : العصور التي سبقت التاريخ
في بُعدٍ عديم اللون، حيث لا زمن ولا ملامح، جلس إيريكثوس على عرشٍ مهيب كأنه مكوَّن من الفراغ نفسه. كان متكئًا بكسل، لا يظهر عليه أي اهتمام بوجود أرين أمامه، وكأن حضوره لا يحمل أي قيمة تُذكر.
في تلك اللحظة، أدرك أرين أن هذا الكائن ليس شخصًا يمكن العبث معه.
نهض من الأرض، ثابتًا رغم الاضطراب الذي غمره، وقف أمام إيريكثوس قائلاً:
"لماذا سحبتني إلى هنا؟ هل لأنني نطقت لقب أحد المتحررين؟ أم هناك سبب آخر؟"
ظل إيريكثوس صامتًا… صمتًا كشف لأرين شعورًا مُهينًا: في نظر هذا الكيان، هو أدنى من أن يستحق ردًا.
غضب أرين وقال بصوت متماسك رغم غليانه:
"حسنًا… أعرف أنك قوي. قوي جدًا لدرجة أنك قاتلت ملك الملوك بنر. قوي لدرجة أنك تنظر للعالم بدونية… لكن لا تنسَ أنك كنت بشريًا يومًا ما. تكبرك هذا لا معنى له. لو كنت مطلق القوة لفعلت كل ما تريد بدل الجلوس على هذا العرش."
لم يتحرك إيريكثوس.
لكن فجأة اخترق صوتٌ أثيري عقل أرين:
"يا فتى… أنت لم تبلغ القمة يومًا. دعني أخبرك عنها…"
جسد الصوت الحقيقة دون مجاملة:
" كل مخلوق يسعى للتسلط. يركض خلف أهدافه كأنها الهواء، ثم حين يحققها… يكتشف الفراغ.
الطمع بلا حدود. وحتى لو وصلت للقمة… ستمل. سيموت كل من أحببت. فالحياة بالنسبة للبشر قصيرة جدًا. وعندها تسأل نفسك: هل عشت لغاية عظيمة… أم كخنزير يشبع شهواته؟"
تأمل أرين كلامه. ثم ضحك ضحكة خفيفة وقال:
"أنا لا أسعى للسلطة… كل ما أريده منزل، زوجة، وطعام جيد. أهداف بسيطة."
عاد الصوت:
"وستحتاج القوة لحماية تلك العائلة ستحتاج أن تصبح روح عظيمة. لكن العمر… هنا المشكلة. ألف سنة لروح عظيمة لا شيء. أما البشر… فقرن واحد يعني النهاية. ستشاهد عائلتك تموت مرة بعد أخرى، وهذا حتمي ما لم يصبحوا أرواحًا عظيمة."
ساد الصمت.
تذكّر أرين موت عائلته… تذكّر هشاشة وجوده. حتى لو نجا من الحرب، حتى لو ذهب لعالم آخر… لن يستطيع تكوين عائلة دون أن يخسرها.
تنهد ثم ابتسم بحزن:
"أظنني أفهم نورين الآن. بعد نهاية الحرب، سأطلب مساعدته ومساعدة إيرافين للذهاب إلى عوالم أخرى… أبدأ من جديد. أنا لا أعيش لهدف. أنا فقط أبحث عن سبب يجعلني أستمر… لأني لا أريد الموت."
لم يتغير تعبير إيريكثوس.
فسأله أرين:
"سمعت أنك متَّ في قتالك ضد بنر… فكيف عدت؟"
أجاب الصوت:
"الواقع والفراغ… مثل الماء والزيت. لا يجتمعان لكنهـما متشابهان. حيث يوجد الفراغ… أحيا أنا. لكن بنر أغلق الحدود بين الفراغ و الواقع، فلم أستطع العودة. بعد عودة فاليريان من الموت، فتح البوابات… فعبرت."
حلل أرين كلامه بصمت.
التلاعب بالواقع يمنح السلط على الواقع… وعلى الفراغ.
ثم سأل:
"ما رأيك في الحرب القادمة؟"
"لعب أطفال."
كلمة واحدة… جعلت أرين يشعر أن كل ما مرّ به في حياته لا قيمة له.
تنفس بعمق، ثم سأل:
"أخبرني… ما معنى «التغيير»؟"
لأول مرة، ظهر الانزعاج على وجه إيريكثوس.
فتح فمه، وتحدث بصوت مهيب اهتزّ به الفراغ:
"هذا ليس شيئًا يجب أن تعرفه… أنت ولا أي أحد. ما الذي كان يفكر فيه ذاك الفتى عندما ذكره لك؟ أنت… ماذا تكون بالضبط؟"
نزل ضغط خارق على جسد أرين، كأن الكون نفسه يضغط عليه.
اختنق… ضاقت رئتاه… ودوّى الألم في رأسه حتى كاد يفقد توازنه.
حوّل كل أرواحه المستنسخة إلى قوة روحية زرقاء ضبابية وضغطها إلى الحد الأدنى.
فاض الضباب الأزرق حول جسده، وصاح بغضب:
"أوووووه! أتمنى أن أعرف! أنا لا أفهم شيئًا في هذا العالم اللعين!"
اختفى الضغط فجأة.
وتحدث إيريكثوس:
"حدث ذلك قبل التاريخ… في العصور البدائية. كان العالم فوضى خالصة حتى جاء… هو."
تردد.
إيريكثوس — روح الأصلية لعائلة الأركيديا، مالك سلطة الواقع والفراغ — تردد من ذكر اسم.
استمر بصوت جاد:
"وحشٌ مرعب… ذكاؤه في مستوى آخر. قوته أشبه بالغش. تلاعب بكل شيء… حتى المتحررين. العصر الذي ولد فيه سُمِّي «عصر الكارثة»."
صمت أرين… والخوف يشق روحه.
هذا الكيان ما يزال موجودًا بلا أدني شك.
تابع إيريكثوس:
"ألن تسأل عن سيد القوانين غير المقيدة؟"
"لا. لا أعرفه… ولن تفيدني معرفته شيء. لست ندّه."
ابتسم إيريكثوس:
"أحيانًا عدوك الأكبر… هو أكثر من يهتم لأمرك."
تجمد أرين. ثم سأل السؤال الذي كان يطارده:
"لماذا أحضرني سيد القوانين غير المقيدة إلي هذا العالم؟ ما المميز فيّ؟ ولماذا يدعوه بالفتي؟ ولماذا سمح نورين بتدمير عشيرة أسياد الروح و مع ذلك عاملني جيدًا؟"
أجاب إيريكثوس:
"أنت لست مميزًا… إلا في عيون سيد القوانين غير المقيدة. أما سبب مناداته بالفتي… فلأنه طفل. أصغر من أبناء بنر وابن نورين."
انصدم أرين…
طفل؟
ذاك الكيان المتفوق على كل شيء؟ طفل؟ لا ، أضنه طفل بمعايير إيريكثوس فقد دعي كل من إيرافين و الملوك الثلاثة بالأطفال إذا عمر سيد القوانين غير المقيدة ألف سنة على الأقل
أكمل إيريكثوس:
"أما نورين… فالأمر بسيط. الأب يحب أبناءه… لكن بعد ألف سنة، يفقد الاتصال بأحفاد أحفاده. يصبحون غرباء عنه. أما أنت… فلست بعيدًا جدًا."
لم ينطق أرين.
عقله امتلأ بنظرية مظلمة… كان مرعوبًا.
وقبل أن يسأل مجددًا، قال إيريكثوس:
"انتهى الوقت… وتذكر: لا تقل ما لا يجب قوله."
ابتسم… واختفى عالم الفراغ .
عاد أرين إلى قصر أسياد الروح.
كان إيرافين واقفًا، ينظر إليه ببرود:
"لماذا تنادي؟ ماذا تريد؟"
قال أرين بصوت مرتجف:
"إيرافين… من أكون؟ ولماذا… نورين يمتلك نسخًا في عالمي القديم… فلماذا لم ينقذ عائلتي؟ لماذا عاملني جيدًا وتجاهلهم؟"
فتح إيرافين فمه… لكنه لم يجد أي صوت يخرج.
حدق في أرين فقط.
وفجأة تجسد نورين بينهما.
نظر إليه أرين بوجه شاحب.
قال نورين:
"يا فتى… لماذا أنت متسرع؟ إسأل الشخص المناسب… وسيخبرك."
تحول وجه أرين إلى برود مطلق:
"أريدك أن تساعدني عندما أجمع روحي بعد موتي أريد منك أن تنقلني إلى عالم آخر. أريد أن أبدأ من جديد."
ابتسم نورين:
"فكرة جيدة. لكن حاول الوصول إلى المستوى الرابع أولًا."
أومأ أرين.
ثم دوّى صوته في القصر المهجور:
"ليستعد الجميع! سنتحرك فورًا نحو الحرب!"
ردد الجنود والأمراء الخمسة الهتاف بصوت واحد:
"الحرب! الحرب!"
سار أرين عبر أروقة القصر، وقابل فالين.
أومأ له، فنقل فالين الجيش والأمراء الخمسة وأرين وإيرون إلى مكانٍ أمام إمبراطورية فالكان.
من بعيد، نظر فالين إلى وجه نورين… وابتسم.
ثم نقل نفسه إلى جانب أرين والبقية.
هكذا…
تبدأ النهاية.
وتبدأ معها إحدى أشرس الحروب في الوجود.
"في عالمٍ تتحرك فيه القوى العظمى بلا اكتراث، ويظهر فيه البشر كشرارات عابرة وسط عواصف الخلود، لا يعود السؤال: من الأقوى؟ بل: من يملك سببًا يكفي للاستمرار. فالقوة بلا غاية تتحول إلى قيد، والجهل بما وراء القدر يصبح رحمة. وفي النهاية… ليس المهم معرفة الحقيقة كلها، بل امتلاك الشجاعة للسير رغم ظلالها."
---
صورة ل إيريكثوس أركيديا:
1.
2.
(نهاية الفصل 38)