الفصل 42 : خيوط القدر
هبة نسمة ريح بين أرين وفالين، تنهد أرين ثم سأل:
"فالين، لو كنت متحررًا وكان لك أهداف، كيف ستحققها؟"
تفاجأ فالين من السؤال، ومع ذلك فتح فمه:
"حسنًا، بأي طريقة. في نظري، الطريقة ليست مهمة، المهم هو هدفي."
سكت أرين، نظر فالين إلى صديقه الصامت كأن صمت أرين هو الجواب نفسه. بعد لحظات عاد أرين إلى حالته الطبيعية، كأنه حسم أمره على المضي مهما كانت النتائج.
---
في مكان آخر، في معسكر جيش أرين المخفي، جلس الطفل بشعر أسود وبشرة بيضاء، مغمض العينين. لقد كان إيرون. بدا كأنه يستشعر شيئًا ينمو في داخله بسرعة هائلة. فجأة بدأت عروقه تبرز على وجهه وفي مختلف أنحاء جسده، تلاها انقباض مختلف العضلات في جسده.
رغم كل الألم، تحمله إيرون بالكاد لأنه يعلم أنه يصبح أقوى بالألم. وبعد لحظات زال الألم، شعر إيرون بالتغيير النوعي في جسده. لقد إرتفعت هالته من النجمة الثانية إلى الرابعة، كما زاد طوله بشكل كبير حيث وصل طوله إلى 170 سم، وشعر بازدياد قوته بعد الألم الذي لا يُطاق قبل قليل.
بعد خروجه من خيمته لاستنشاق بعض الهواء، لاحظ الجميع التغير في شكل إيرون، من طفل صغير إلى شاب وسيم. مستشعرًا نظرات الجميع، نظر إليهم إيرون:
"ما الخطب؟ لما تنظرون إلي هكذا؟"
بعد لحظات لمحه كاين، ونادى على باقي الأمراء بتسلية بعد اجتماعهم. اندهشوا من نمو إيرون، قال دريمار مازحًا:
"أظنك لن تواجه مشكلة في إيجاد زوجة بوجه مثل هذا. تبدو كفارس الأحلام، لكن ينقصك حصان أبيض. أنت تبدو أكثر وسامة من أرين، أظنك ورثت كل الجمال ولم تترك شيئًا لأخيك."
ضحك الجميع، لكن قاطعهم صوت إيرون المستغرب:
"لكن أرين هو أبي!"
تجمد وجه الجميع حرفيًا.
---
داخل مدينة ڤيريا، تحرك الطالب من مدرسة القديس جورج، الذي سيطر عليه أرين.
لقد حركه أرين عمدًا نحو المدرسة، أراد التأكد من المدرسة التي وصفها فالين بالجماعة الدينية و المنظمة السرية، لكن عندما سألته عنها مرة أخرى، نفى كل ما قاله سابقًا، مؤكدًا أنها مدرسة عريقة وذات سمعة طيبة، لا تعترف بالملوك إلا إذا استحقوا الاحترام، لقد نفي كل ما قاله سابقا عندما قال أن إسمها هو القديس سير... .
لم يرغب أرين في نطق إسم سيراس حتي في عقله.
استمر الطالب في المضي نحو المدرسة، متجاوزًا الساحات والأزقة حتى وصل إلى باب كبير كتب عليه:
"أكاديمية القديس جورج".
عندما اقترب الطالب من الباب، فتح له الباب، ولم يتوقف للتحية، استمر فقط للداخل. وعندما دخل إلى المبنى الداخلي للأكاديمية، كان أرين علي أعصابه يترقب ، فتح الطلب الباب ليري المشهد كأنه من فيلم رعب: كل الطلاب الآخرين، وحتى الأساتذة و عمال النظافة، متسمرون في أماكنهم. عندما التقت أبصارهم بأرين، كانت أنظارهم تخترق الجسد والروح وتهبط على أرين.
صدم أرين بشدة، مع ذلك لم يتراجع، واستمر في المضي. عندما رأى هذا المشهد، بدأ الطلاب والمعلمون في الاصطفاف على جانبي الحائط، موجهين ظهورهم نحو الحائط و وجوههم نحو الطالب الذي استولى أرين على جسده. ابتسموا جميعًا وفتحوا أفواههم في آن واحد:
"لا أحد يستطيع الهرب من مصيره، لا أحد يستطيع الهرب من مصيره، لا أحد يستطيع الهرب من مصيره..."
صدم أرين بشدة. العبارة على قبر أفراد عائلته، التمتمات و الأصوات المتداخلة التي سمعها في قبو منزل جده، كما لو أن سيراس تلاعب بحياته من البداية.
رغم كل هذا، استمر أرين نحو مكتب المدير. على طول الطريق، كان كل من الطلاب والمعلمين مصطفين على جانبي الحائط، يرددون نفس العبارة.
عندما وصل إلى مكتب المدير، فتح الباب فورًا، فلا داعي للأداب هنا. داخل مكتب المدير كان تمامًا مثل المكتب في قصر أسياد الروح، الذي وجد فيه الكتاب الذي رأي من خلاله إعلن فاليريان الحرب على العالم. كان أرين مصدومًا للغاية، لكنه يعرف أن الصدمة والخوف لا يخرجه من وضعه؛ يجب عليه استكشاف الحقيقة بنفسه.
أغلق الطالب الباب من خلفه، ونظر في عيون المدير البنية مباشرة. نهض المدير من كرسيه وتوجه نحو الطالب بعد تبادل النظرات، كأن نظرته هبطت على أرين نفسه. فجأة تكلم أرين من خلال جسد الطالب:
"أخبرني، ما الذي يجري هنا بالضبط؟"
عند سماع صوت أرين، انحنى المدير في خضوع كمن ينحني للملك، وقال بإجلال كبير:
"كما تأمر سيادتك. السبب في تأسيس هذه الأكاديمية من الأساس هو أن نكون دُمى وبيادق بين يديك."
شعر أرين بالقشعريرة تسري في عموده الفقري. للحظة عجز عن فهم كل شيء، مع ذلك استمر في التحدث مع المدير:
"كيف تكونون بيادقي بالضبط؟ ومن صاحب هذه الفكرة؟ وما الغاية منها؟"
لم يرفع المدير رأسه، ورد على سؤال أرين بكل احترام:
"ردًا على سيادتك، يوجد تقنية داخل كتاب موضوع على المكتب تصف الأمر بالتفصيل: كيف نصبح جميعًا جزءًا من قوتك، أما من أنشأ هذه المدرسة وبدأ كل شيء، فأظن سيادتك تعرفه. أما عن الغاية منها، فهي..."
توقف المدير عن الحركة كأن جسده تجمد، ثم نهض فجأة ومشى إلى كرسي المكتب وجلس عليه. عندها بدأ جسده يتغير. أصبح شعره الأبيض أسود غَرَابي، وعيونه البنية تحولت إلى الرمادي قبل أن يغلفها وهج أزرق، ارتفع طوله إلى 190 سم وتغيرت ملامح وجهه. بعد انتهاء التغيير الذي دام ثانيتين، تحول وجهه إلى سيراس.
تجمد أرين مكانه. حرك سيراس يده، كما لو أنه مد خيطًا رفيعًا من روح أرين المستنسخة داخل الطالب إلى روح أرين الأصيلة، بدقة ثم فرقع بأصابعه، إنتقل جسد الطالب المستخوذ عليه إلى مكان أرين بجانب فالين، وانتقل أرين إلى مكتب المدير عند سيراس.
كان أرين على أعصابه. عندها فتح سيراس فمه مبتسمًا:
"ألن تحييني بنفس الطريقة التي حييت بها أزوريان؟"
رد أرين، رغم خوفه، لكن رغبته في الاستهزاء كانت أقوى:
"أوه، مرحبًا بالذي أحضرني لهذا العالم المتلاعب خلف الستار، اليد الخفية التي تحرك الخيوط في الخفاء، الخجول الذي لا يظهر وجهه، الكسول الذي يخطط ولا ينفذ، والمنعزل في عالم منهار لم ينجز شيئًا غير البقاء جالسًا."
ابتسم سيراس، ورد بنفس نبرة أرين:
"أهلا ببيدقي العزيز، الجاهل الذي لم يستطع الإختيار، فإخترت مكانه، الذي لا يتوقف عن السؤال، كل مخلوق يقابله، والذي لا يملك مصير ويسير وفق إرادتي."
هز أرين رأسه قليلًا، ثم تنهد:
"أمامك طريق طويل، تحتاج لتحسن ردك أكثر."
ضحك سيراس، قاطعه أرين قائلًا:
"أخبرني بكل شيء من البداية، لأني لا أفهم شيء."
رد سيراس:
"لكن أعطيتك فرصة لفهم كل شيء من البداية، لكنك لم تفهم."
ضيق أرين عينه، ثم تذكر الكتاب الذي كان يروي أحداث عصر الدمار والخراب، لكن بعد أن هاجمه بنر، تملكه الخوف ولم يتابع تصفحه. قال أرين بتردد:
"ذلك الكتاب صحيح؟"
أومأ سيراس برأسه:
"لقد حركت القدر حولك قليلًا حتى يلاحظ ابن فاليريان الشذوذ، ويعرف أن الكتاب هو فرصتك في فهم وضعك، لكنك لم تفهم كيف. لذا نصحك بالاستمرار في قراءته. هل فهمت الآن ما جرى في ذلك الوقت؟"
فكر أرين بالأمر قليلًا، ثم قال:
"شخص بمكانتك يجب أن يتنبأ سلفًا أني لن أكمل التصفح. فلماذا كل هذا العناء في كتابته؟ لقد بحث عنه لاحقًا، لكن لم أجده."
رد سيراس بهدوء:
"أجل، كنت أعرف أنك لن تكمل القراءة، لكن كان هذا خطأك وليس خطئي. أما لما كتبته، فهو مذكراتي، وقد أخفيته بعد أن أعطيتك فرصة لتصفحه. الفرصة مرة في العمر وليست دائمة."
شعر أرين أنه تعرض للخداع، فتنهد ثم نظر في عيون سيراس الزرقاء وقال:
"حسنًا، لماذا أنا هنا؟ إن كنت متحررًا وقويًا، لماذا تحتاجني؟ ما الفائدة مني هنا؟"
رد سيراس بهدوء:
"أنت محق، أنت لست مميزًا على الإطلاق، مع ذلك أنا خططت لكل شيء من البداية، وأنت من يسير حسب خطتي. كان يجب أن يكون هناك شخص."
فكر أرين قليلًا، ثم قال:
"إذن ما هو المعيار الذي من خلاله اخترتني؟ أيضًا، هل أنت جدي أم من أجدادي؟"
تفاجأ سيراس قليلًا، ثم ابتسم:
"تحليلك ممتاز، عقلك ينمو جيدًا. بالنسبة للمعيار، لا يجب عليك معرفته الآن، فلا يوجد معيار من الأساس. أما عن أني من أسلافك، أريد معرفة كيف توصلت لهذا الاستنتاج."
أجاب أرين:
"الأمر بسيط جدًا. من الواضح أنك سيد روح، أي من أحفاد نورين، ومن المستبعد أنك ابنه، لأنك لا تشبهه كإيرافين. ربما تكون حفيده.
حقيقة أنك متحرر مسألة غريبة، لأن نورين وإيريكثوس لم يصبحوا كذلك بدون الكلام عن الأرواح العظيمة التي تصارع من أجل السلطة.
هذا يفتح مجالًا واسعًا لما يمكنك فعله بدون قيود، كإنشاء عائلة ضمنيًا يكونون أسياد روح كونهم أحفاد نورين، مع ذلك لم يتعلموا أو يعرفوا عن قدرتهم، ولا عن لعنة أرڨان.
هذا تمامًا مثل عائلتي، وهذا يفسر سبب موتهم دون محاولة إيقاظ قدرتهم وجمع روحهم بعد الموت.
لكن إن كانت عائلتي من أحفادك حقًا، فكيف تأثرت بلعنة أرڨان؟ومن المفترض وجود أسياد الروح القادمين من هذا العالم، فلماذا لم يعودوا؟ هناك احتمال واحد أنهم ماتوا جميعًا، ولاكن كيف يموتون و هم يملكون طرق النجاة؟ في البداية، ظننت أنه بسبب تدخلك.
لكن بعد أن نفَيت وجود معيار محدد لإختياري، وكلام أزوريان حول أنه يمكن أن تصنع عائلة كاملة من أجل شخص واحد، يمكنني الجزم أن هجوم أرڨان قتل كافة أسياد الروح الذين نُقلوا إلى عالم آخر، وبما أنهم لقوا حتفهم في عالم آخر، فلا يعلم هذا العالم بموتهم، وبالتالي أرڨان نفسه غير متأكد من موتهم.
لهذا استغللت هذه الفرصة. عائلتي بأكملها لم تكن موجودة من الأساس، ما هم إلا استنساخات منك أو مجرد دمي حركتها من البداية، لم يكن هناك معيار لأنني الخيار الوحيد.
لقد ألصقت أثر التأكل من تقنية أرڨان بي، ثم جعلت الدمى التي تمثل عائلتي تموت واحدًا تلو الآخر، ثم أحضرتني إلى هذا العالم.
هذا العالم لم يعرف بموت سادة الروح. سمح لي هذا العالم بالدخول ظنًا منه أني أحد أحفاد سادة الروح بسبب تقنيتي غير الموقظة وأثر التأكل القادم من أرڨان. عندما دخلت، أدرك العالم أنه لا يستطيع رصدي، لكن بعدها كأن العالم نساني تمامًا كما تم نسيانك من قبل أليسيا. إذاً، من أكون أنا؟ هيه، يا له من سؤال سخيف. أنا ذكي، حتى لو بدى لك هذا كتفاخر، لكن الحقيقة أنني لا أصلح لأكون بيدق. البيدق لا يسأل ولا يهتم بمن ينقله إلى عالم آخر ويعتبر نفسه البطل. لاكن أنا... أنا..."
رفع أرين يده وأشار بإصبعه السبابة نحو سيراس الجالس والمبتسم، وقال بصوت كأنه يخرج من أعماقه:
"أنا ابنك، أليس كذلك يا أبي؟"
صفق سيراس بحفاوة، وابتسامة عريضة تعلو وجهه:
"حسنًا، كما هو متوقع من ابني، لقد أحسنت يا أرين."
عندها شعر أرين بالضياع، كأنه في كابوس، ولم يستطع الإستقاض منه.
---
"الواقع ليس ثابتًا، والمصير ليس محتمًا، بل هو نسيج من الخيارات والتحديات. أرين أدرك أن كل كشف جديد عن ذاته، وكل خيط من خيوط القدر، هو دعوة لأن يصنع عالمه الخاص. ربما لن يعرف نهاية الطريق، لكن المهم هو أن يخطو فيه بكل وعي، متجاوزًا الخوف والشك، لأن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على اتخاذ القرار في مواجهة المجهول و الإستمرار حتي عندما تفقد الرغبة في العيش."
(نهاية الفصل 42)
ملاحظة المؤلف: أعرف أن كل شيء كان واضح من البداية و مع القليل من تركيز تستطيع إكتشاف أن أرين إبن سيراس ، لاكن الأمر غريب نوعا ما لأني أنا الكاتب😅 أنا أعرف كل شيء قبل أن أكتبه من الأساس فلا أشعر بذرة تحليل أو غموض في القصة.
عموما أتمني أن يشاركني أي شخص وصل معي إلي هذا الفصل رأيه في الأحداث و شكرا ❤️
صورة لإيرون بعد أن تطوره الأخير :