الفصل 45 : تحفة أرين
نظر فالين في عيني أرين الرماديتين؛ ذلك الهدوء البارد الذي كان يكسوه لم يشبه أرين الذي عرفه قبل أشهر. بدا كأنه تعلّم كيف يقف على الحافة، يراقب، يستمع فقط.
تابع فالين كلامه قائلاً:
"في حياتي السابقة كنت مجرد طفل عادي. رغم أنني ولدت بذكاء يفوق أقراني لأني إبن فاليريان، إلا أنني في النهاية كنت طفلًا. كنت ألعب كثيرًا ولا أهتم بما سيحدث غدًا، وكنت مهملاً جدًا، ولهذا دفعت ثمن ذلك الإهمال غاليًا جدًا.
لا يمكن لمن يحمل دماء الأركيديا أن يحيا حياة عادية أبدًا؛ أن نصبح أقوياء ونتطور باستمرار، هذا هو سبب وجودنا."
قال أرين بهدوء:
"في أي مستوى كنت في حياتك الماضية؟ وباستثنائك، هل يوجد أي شخص يتصرف على غير عادته؟"
رد فالين:
"في حياتي الماضية كنت روحًا عظيمة ذات سلطة. أما عن التصرفات المريبة… فصدقني، لقد غيّرت العالم من حولك دون أن تشعر."
أومأ أرين دون أن يسأل عن التفاصيل، أو عن حاله في حياة فالين السابقة، أو حتى عن سبب عودة فالين. لقد أصبح قادرًا على فهم الكثير ببساطة، ذكاؤه ينمو بسرعة مخيفة.
ومع ذلك سأله:
"كيف حصلت على السلطة من الأساس؟ وكم سلطة يوجد في الكون حتى يوجد كل هؤلاء المتحررين والأرواح العظيمة ذات السلطات، ويبقى هناك المزيد؟"
أجاب فالين بهدوء:
"السلطة هي السيطرة المطلقة على مجال معين؛ سواء كانت قوى طبيعية كالنار والريح والأرض… أو مفاهيم مجردة كالفراغ والواقع والنهاية… أو قوى وظواهر ما ورائية كالهاوية والنقيض والتمرد. عددها محدود منذ البداية، لا تزداد ولا تنقص؛ هي فقط تنتظر من يكتشفها.
إن أردت سلطة فهناك خياران: الأول أن تقتل صاحب السلطة المقابلة لقدرتك، أو تبحث عن سلطة بعيدة نسبيًا عن مجالك."
أومأ أرين مرة أخرى، ثم عاد إلى المعسكر لاستكمال التجهيزات للغزو.
كانت معنويات الجيش مرتفعة للغاية بفضل قدرة دريمار العالمية نداء المعركة، إضافة إلى التطور المذهل الذي وصل إليه أمراء الحرب. الجميع ينتظر أرين على أحرّ من الجمر لشرح خطة الغزو.
وقف أرين مرتفعًا وسط المعسكر، وهالة مهيبة تغلفه، بينما اصطف الجنود أمامه بعيون متحمسة.
فتح فمه وقال:
"لقد سيطرت على مدرسة القديس جورج، إحدى القوى الكبرى في مدينة ڨيريا، وباستثناء القوى المتوسطة والصغيرة، فأكبر عقبة في طريقنا الآن هي جمعية العلماء المركزيين ورابطة السحرة البيض.
بقوتنا الحالية يمكننا هزيمتهم، لكن الخسائر ستكون كبيرة، والحرب الكبرى في لوكسيفار مع عائلات الدم والجيش الإمبراطوري لم تبدأ بعد.
أي خسارة قبل تلك الحرب ستكون بلا معنى."
كانت نظرات الجنود ثابت، كانو قد حسمو قرارهم منذ البداية إما النصر أو الموت.
توقف قليلًا، ثم تابع:
"الخطة كالتالي:
أولًا، نبلغ العائلة الإمبراطورية من مقر مدرسة القديس جورج بقدومنا قبل بدء العملية.
ثانيًا، سيبدأ كل من يوليوس وكاين ونوفان ونيرفال وفالين وأنا الهجوم أولًا تحت غطاء إخفاء فالين؛ هدفنا خلق الفوضى والذعر.
بعدها أذهب مع فالين وجسدي الثاني—مدير مدرسة القديس جورج—لقتل سحرة الدائرة السادسة وتحويلهم إلى أجساد أخرى لي.
رابعًا، يبقى دريمار بالخارج ليراقب تحرك الجيش الإمبراطوري؛ إن حاولوا تدمير الحاجز ستتصدون لهم، وتذكروا: الصدام الأول هو الأهم، لأن قتالكم لن يطول.
وأخيرًا… مهما كانت الخطة محكمة، لا يمكننا ضمان سير الأحداث كما نريد، فاستعدوا—قد تتغير الخطة جذريًا في أي لحظة."
بمجرد أن أنهى أرين كلامه، تحرك مع فالين وأمراء الحرب—باستثناء دريمار—نحو مدينة السحر ڨيريا.
باستخدام الروابط الروحية التي نسجها أرين، نقل الجميع إلى مكتب مدير مدرسة القديس جورج.
عثر في أحد الأدراج على جهاز اتصال مباشر بالقصر الإمبراطوري، وأرسل رسالة مفادها أنّ هناك "شذوذًا في المدينة، وأن رابطة الساحرة البيض وجمعية العلماء المركزيين لا يتحركون للإبلاغ عنه".
بعدها، وتحت إخفاء فالين، انتشر الأمراء كلٌ في موقع مختلف استعدادًا للهجوم.
في المكتب الذي يضم أرين وفالين والمدير، أومأ فالين برأسه، إيذانًا ببدء العملية.
من دون أي تأخير، أطلق جسد أرين الثاني قدرته العالمية.
و في الدائرة السادسة تشهد قدرة العالمية تعزيز في خصائصها و ثأتيرها، وبمجرد إطلاقها تجمد الزمن في المدينة بالكامل—توقفت الحركة، توقفت الريح، وحتى الطيور بقيت معلقة في الهواء.
كان أرين وفالين والأمراء وحدهم قادرين على التحرك.
وإنطلق كل شيء.
---
في جزء معين في المدينة، إندفع يوليوس بسرعة لا يمكن للعين اللحاق بها، وقدرته العالمية «فارس الدم» تضاعف قوته وسرعته. كلما لمح ساحرًا، مرّ سيفه عبره كطيف مخلفا وراءه جسد يحترق، والفضاء حوله يتموج كوشاح من لهب.
و في جانب أخر، فتح نيرفال مجال قدرته العالمية «هدوء العاصفة» ثم انطلق كالبرق، يمزّق السحرة من الداخل بضربة واحدة. و بما أن الزمن متوقف فلا أحد يسقط، إلا أنه لم يهتم واستمر في القتل بسرعة خاطفة.
في طرف آخر من المدينة وقف كاين وسط ساحة فسيحة، تغيّر كل شيء حوله؛ الأرض، الجو، العمارة، فقد رفع حصنًا غطّى أجزاء واسعة من المدينة، وحوّل كل من في منطقته إلى دمى بلا حياة.
أم نوفان كان الأسرع بينهم؛ طهّر أجساد كل الكائنات الحية من الحياة في منطقته، مانحًا إياهم الخلاص بلا ألم ولا معاناة.
---
عند باب رابطة السحرة البيض، وقف أرين وفالين ومدير مدرسة القديس جورج، الذي أعاده أرين لهيئته القديمة.
مدّ فالين يده وألغى جميع الدفاعات الموضوعة من العلماء و مدير الرابطة للتصدي لأي هجوم محتمل، مع ذلك وفي ظل توقف الوقت لا يوجد أي شخص فعل الدفاعات ولم يوضع حاجز لذا يمكن لفالين إلغاؤها بستخدام قدرته الأصلية فقط.
بعد إلغاء كافة الدفاعات إنتقل الثلاثة إلى مكتب مدير الرابطة: إلياد فاوس، الجالس على كرسي فخم شبيه بعرش مصغر، بشعر أسود وعيون صفراء، ويبدو في أوائل الأربعينات.
بمجرد أن إلتقت عيونه بأرين بدأ تحرك! وسأل بصوت أجش:
"أيها العجوز فيرغو… ما سبب كل هذا؟ ولماذا أنت هنا من الأساس؟ و مالذي تفعله مع قديس الحرب هذا؟"
رد أرين بهدوء:
"لقد مات سلفًا، وأصبح جسدًا آخر لي. لا داعي لإطالة الوقت."
تركزت نظرات إلياد على أرين. ابتسم أرين، فقد تجاهل إلياد وجود فالين، مما أعطى الأخير الحرية لمحاصرة و قتل إلياد بالتنسيق مع الأمراء في الخارج.
بدون تأخير أنشأ فالين واقعًا خاصًا، وسحب داخله أرين وإلياد.
داخل ذلك الواقع، قام أرين بتحويل أجساده الأخري المتمثلة في سحرة مدرسة القديس جورج إلي حالة روحية ثم قام بدمجهم في جسده! مم سيمكنه من مواجهة إلياد و هزيمته بسهولة.
أطلق إلياد قدرته العالمية قانون اللوغوس—القوة التي تسمح له بتحليل بنية العالم وإعادة تشكيل أجزاء من القوانين نفسها
مم يتيح له إعادة تعريف المفاهيم من الأساس.
بدأت أفكار أرين في الهجوم على إلياد ترتد عليه، لكنّه تدارك الأمر بفضل الأرواح المستنسخة.
حوّل نفسه إلى حالة روحية ثم طاقة روحية وإختبأ في أعماق إحدى نسخه، بينما جعل تلك النسخة في حالة مادية تقاتل إلياد بدل عنه.
من داخل روحه المستنسخة تحكم أرين في مجريات القتال كلعبة فيديو جعل كل أجساده الأخري تطلق السحر بمختلف الأنواع! فاضة روح أرين المستنسخة بالسحر!
صدم إلياد من أمر، سحر كل سحرة مدرسة القديس جورج مجتمع في جسد واحد! لقد بلغ مستوى قوته قدرا يقارِب أنصاف الأرواح العظيمة، كأنّه يلامس حافة الدائرة السابعة، مع ذلك بدأ جسد الروح المستنسخة في التفكك بسبب الضغط العالي.
تحرّك أرين بسرعة خاطفة؛ سحر الأفكار، سحر الزمن، سحر المكان، سحر الحواجز، سحر التقييد… انهال بوابلٍ من الهجمات المتتابعة على إلياد. كانت كل ضربة يتلاشى أثرها أو تتفكك قبل أن تلامس هدفها، وأحيانًا ترتدّ عليه بقوة أكبر. اضطر أرين للمراوغة بسرعة متناهية، كأن الزمن نفسه يُعاد طيه حوله.
واصل هجماته دون توقف، وهو يدرك تمامًا أن الوقت ليس في صالحه؛ فإلياد يحلل قدرته لحظة بلحظة. وبمجرد أن يكتمل التحليل، سيتمكن من تغيير مفهوم القدرة نفسها كما يريد.
عندها خطرت لأرين فكرة محفوفة بالجرأة: تحويل مدير مدرسة القديس جورج، فيرغو، إلى حالة روحية ودفعه كي يتملك جسد إلياد من الداخل بينما يغرقه هو بهجمات لا تنقطع من الخارج.
لم يتردد. اندفع نحو إلياد، وفي اللحظة نفسها أطلق جسده الثاني—فيرغو—في هيئة روحية نحو الهدف. وبمجرد أن دخل فيرغو إلى جسد إلياد، بدأ التملّك يشتعل كصراع بين روحين داخل جسد واحد. قاوم إلياد بكل قوته، لكن أرين لم يمنحه لحظة لالتقاط أنفاسه؛ أغرقه بوابل من الهجمات السحرية المركّزة حتى انهارت روحه المستنسخة بالكامل تحت الضغط.
وبسرعة خاطفة، حوّل أرين روحًا مستنسخة أخرى إلى حالة مادية لتحل محلّ تلك التي انتهت.
جثا إلياد على ركبته، عاجزًا عن النهوض، كمن يخوض صراعًا داخليًا ضاريًا يلتهم توازنه.
تقدم أرين للإجهاز عليه وتحويله إلى جسدٍ آخر من أجساده، وفجأة—انهار الواقع الخاص بفالين! لقد تمكن إلياد من تحليل بنية الواقع نفسها وإلغاء تفعيله بالكامل. وما إن عادوا إلى العالم الحقيقي حتى سارع إلياد لإعادة تشكيل البنية الهندسية لمقر رابطة السحرة البيض، محاولًا توجيه كل قوة سحرية في المكان نحو أرين ليمسحه من الوجود.
لكنّه توقف فجأة.
لم يأتِ أحد لمساعدته.
عندها فقط أدرك الحقيقة المرعبة: كل سحرة الرابطة قد ماتوا أثناء وجوده في الواقع الخاص. فالوقت ما زال مجمّدًا، وقد استغل فالين تلك اللحظات ليقتلهم جميعًا. بل إن أرين ترك نسخة له مع فالين خصيصًا ليحوّل كل أولئك السحرة إلى أجساد أخرى له.
حين فهم إلياد ما حدث، كان الأوان قد فات.
ابتسم أرين ابتسامة باردة وقال:
"هل تريد أن ترى تحفة فنية؟ إليك واحدة."
شبك أرين أصابعه ببطء، وفي اللحظة نفسها بدأت أجساد سحرة الرابطة بالالتواء، كأن قوة خفية تعبث بجوهرهم. تحولت أجسادهم إلى حالة شبه مادية، شفافة ومتحطمة في آنٍ واحد، قبل أن تُسحب جميعها دفعةً واحدة نحو مركز واحد… نحو أرين.
تداخلت صرخاتهم مع تمزق أرواحهم، وشيئًا فشيئًا إندمجوا في كيان واحد؛ وحش مشوه من لحم ودم، يتنفس بسحر عشرات السحرة ويضج بقوة مختلف السحرة التي جمعها أرين دون رحمة.
كان المشهد صادمًا، كابوسًا خرج من عمق الظلمة. لكن ما جعل الرعب يتجذر في قلب إلياد لم يكن ذلك الوحش، بل الابتسامة الهادئة التي ارتسمت على شفتي أرين وهو يشاهد تحفته تنهض لأول مرة.
ولم يكتفِ أرين بذلك. و نظر إلي إلياد وقال:
"يبدو أن تحفتي أعجبتك… إليك واحدة أخرى."
ومجرّد أن أنهى عبارته، حتى أخرج أرين سحرة مدرسة القديس جورج في حالتهم الروحية من جسده، ودمجهم جميعًا في كيان واحد ثم أعادهم للحالة المادية. وقف خلفه وحشان مشوهان، يثيران الذعر بنظرة واحدة.
بسط أرين يديه، وصوته دوّى في أرجاء المدينة التي عاد الزمن فيها للحركة مجددًا:
"فلْتبدأ الحرب الآن، من يلزم بيته يسلم. فالحرب ساحة للرجال العظماء، لا مكان فيها لمن يرغب بمجرد العيش."
---
في مكان خارح حدود الوجود، في كون خاص جلس فالرين النجم الهاوي على عرشه بكسل، محدقا في الأحداث التي تحصل في ڤيريا.
بعد المشاهد للحظات فتح فمه وقال:
" لطالما كان البشر يظنون أن الحرب تبدأ عندما يرفع أحدهم سيفه.
لكن الحقيقة أن الحرب لا تبدأ بالسلاح، بل بالفكرة.
فحين تتغير مفاهيم القوة، وتعاد كتابة حدود الممكن، يصبح العالم نفسه ساحة معاد تعريفها.
وفي تلك اللحظة — حين يتجاوز أحدهم حدود البشر — لا تُقاس الحرب بعدد الجيوش، بل بمدى قدرة الآخرين على فهم ما يقف أمامهم.
فمن يعجز عن الفهم... يعجز عن النجاة.
أليس كذلك يا هايدرن،و يا أرڨان "
(نهاية الفصل 45)
...
ملاحظة المؤلف:
سأحاول نشر الفصل 46 في أسرع وقت ممكن و شكرا على حسن المتابعة🫂
و أتمني تدعموني بالتعليقات.
صور أخري لم أتمكن من صنع الصورة المثالية: