الفصل 48: ساحة الملوك و القديسين
صورة لملك الملوك بنر
في مقر رابطة السحرة البيض، جلس أرين في مكتب إلياد، وربط لونا بجانبه وأجبرها على الجثو.
وقف كلٌّ من فالين، وكاين، ونوفان، ويوليوس، ونيرفال مقابلين لأرين. كان المشهد هادئًا، مع ذلك تخلله بعض التوتر على مستوى الأمراء، غير أن هدوء كلٍّ من أرين وفالين طمأنهم.
في الأروقة الخالية لمقر رابطة السحرة البيض، كان دريمار يسير بمحاذاة إيرون. بعد أن نقلهم فالين داخل المدينة، أمرهم بالتوجّه نحو مكتب رئيس الرابطة.
أمام مكتب المدير، وقف صفّان على كلا جانبي الحائط؛ كانوا سحرة من جمعية العلماء المركزيين، الذين أصبحوا أجسادًا فرعية لأرين. استمرّ الثنائي في المضي حتى وصلا أمام مكتب الرئيس.
هناك، وقف وحشان مشوّهان، دمويان، من لحمٍ متصلٍ بعضه ببعض، كانا أشبه بحُرّاس للبوابة.
ومع اقتراب الثنائي، انحنى الوحشان وفتحا الباب. دخل إيرون ودريمار إلى مكتب إلياد.
نظر دريمار إلى أرين وسأل:
"ما الذي يحصل هنا، ومن هذه الجميلة بجانبك؟"
رد أرين بلا مبالاة: "مجرد خادمة، هل تريدها؟"
أظهرت ملامح لونا غضبًا متأججًا، ومع ذلك لم ينظر أرين نحوها؛ ففي نظره لم تكن تستحق وقته.
بعد سماع جواب أرين، ابتسم دريمار وقال: "أوه، هذا جيد، لكن أولًا أريد منك طلبًا."
تحرّكت الظلال تحت دريمار وبدأت تتموّج، حتى سحب منها فارسًا مقيّدًا بسلاسل من الظلال.
لقد كان فارس هالة، صاحب القدرة «التشويه».
ابتسم دريمار وتابع: "أريد هالته وقدرته العالمية."
نظر أرين نحو دريمار، وقال بهدوء: "لماذا؟"
رد دريمار بنبرة واثقة: "لعدة أسباب، منها وجودي مع أشخاص مثلك أنت وفالين، فقد فتح ذلك آفاقًا جديدة لقوتي ولتطوري المستقبلي. أيضًا، الحرب في لوكسيفار على الأبواب، والحرب الحالية لن تكون سهلة. لذا أريد أن أصبح قويًا بسرعة، وأنا أرى الطريق أمامي، فلا أريد تضييعه."
ابتسم أرين وقال: "لهذا السبب جمعتكم. في هذه الحرب سأقاتل وحدي، فأنا أريد للعالم أن يعرف من يكون قديس الحرب حقًا."
صُدم الجميع دون استثناء، حتى فالين. لم يتوقع أمراء الحرب أن يكون أرين بهذه القوة،
لدرجة أن بعضهم بدأ يظن أن أرين نصف روح عظيمة.
ومع ذلك، لم يشعرهم هذا بالأمان؛ لأنه في حال كان أرين نصف روح عظيمة، فسيتحرك قديسو السيف— النجمة السابعة—وأسياد السحر—الدائرة السابعة— من مختلف مناطق العالم لقمعه، وكذلك أنصاف الأرواح العظيمة من مختلف عائلات الدم ضد أرين.
مستشعرًا قلق أمراء الحرب، طمأنهم أرين: "لست نصف روح عظيمة، لكن لدي خططي."
بعد أن أنهى أرين كلامه، هبطت نظرته على فارس التشويه.
لم تكن نظرة عادية؛ بل بدأ في تحليل قدرته العالمية باستخدام سحر إلياد.
بعدها أطلق أرين روحه المستنسخة داخل جسد الفارس، وبفضل تحليل إلياد أنهى أرين التملك بشكل شبه آني.
ثم تحوّل وجه الفارس إلى وجه أرين، وبدون تردد سحب أرين روحه المستنسخة من جسد الفارس، والتي أخذت معها كلًا من هالته وقدرته العالمية.
سقط الفارس جثةً هامدة على الأرض.
عند رؤية هذا المشهد، ابتسم دريمار.
نظر أرين نحو فالين، ومرّر له الروح المستنسخة التي ضغطها في كرة صغيرة. وبدون تأخير، ربط فالين هالة فارس التشويه بجسد وروح دريمار.
شعر الأخير بهالة التشويه تجري في عروقه وتغمر روحه. لم تكن التجربة مؤلمة، بل غريبة.
شعر دريمار بالامتلاء؛ فقد كان يمتلك سلفًا قدرتين عالميتين، إضافة إلى ضعف كمية الهالة الطبيعية في النجمة الخامسة.
والآن امتلك المزيد.
بدأ جسده يتصدّع من شدة الضغط!
ومع ذلك، لم يجزع دريمار. فعّل قدرته العالمية «الفارس الأسود»، وغلف بها جسده بهالة سوداء ثقيلة، لدرجة أنه أصبح أسود بالكامل، كأنه ظلّ متجسّد.
اختفت التشققات من جسد دريمار، وبدأت هالة التشويه تندمج مع هالته.
كان دريمار في حالة تركيز كامل، يدمج هالة التشويه بأسرع وقت ممكن.
وفجأة، انجذبت قدرة التشويه نحوه! مما جعل عقله ووعيه يغرقان في إدراك عميق لقوته.
وبدون تأخير، حوّل أرين جسده المادي إلى حالة روحية، وغاص عميقًا في وعي دريمار!
داخل وعي دريمار، تشابكت المفاهيم لتشكّل رؤى ومعرفة عميقة حول قوته؛ لدرجة أن المعرفة نفسها بدأت تخترق العقل وتحفر ذاتها في أعماق الروح، كنقش لا يُمحى.
' القانون هو مجموعة القواعد الأساسية التي تضبط وتنظّم كل شيء في الكون.
القانون ليس النظام بحد ذاته، فالقانون هو الطريق الصحيح للنظام.
فكما تقابل الفوضى النظام، يقابل القانونُ ظلَّه.
لا شيء كامل في هذا العالم.
كل قانون يضعه بشر يكون ناقصًا، وحقيقة افتقار الشيء للكمال تصنع منه «نقيضه»، شيئًا معاكسًا له.
ظلّ القانون يتمثل في كل الخروقات والثغرات الموجودة داخل النظام.
فهذا العالم قائم على مبدأ أن لكل شيء غير كامل، شيئًا معاكسًا له.
ظلّ القانون يقوم على مبدأ استغلال القوانين لصالحه؛ حيث يمكن تحريف القوانين، واستغلالها، وتشويهها بما يناسبك.
ظلّ القانون يفرض الهيبة والسيادة على الآخرين ضد إرادتهم، حيث تصبح طاعتك واجبًا، ومعصيتك جريمة.'
وسط موجة المعرفة التي أغرقت كُلًّا من دريمار وأرين، لمع ضوء ذهبي مُعْمٍ، بدا كأنه شروق شمسٍ وُلد في قلب عالمٍ مظلم. ارتجّ الفضاء نفسه تحت وهجه، وارتفعت القوانين كتيارات غير مرئية تتصادم بلا رحمة.
رفع دريمار رأسه فجأة، وخرج من صدره صراخ حادّ، صراخ لم يكن ألمًا فقط، بل عجزًا أمام شيء يتجاوز الإدراك.
أما أرين، فقد أغمض عينيه للحظة، ثم اندفع نحو دريمار وسحبه بقوة بعيدًا عن مركز الضوء المُعمي.
بدا هادئًا من الخارج، ثابت الخطوات، لكن داخله كان يرتجف بعنف.
لقد أدرك الحقيقة.
ذلك الضوء… لم يكن سحرًا، ولا إرادة كائنٍ عظيم فحسب.
كان القانون نفسه.
قوة طبيعية خُلقت لتنظيم الكون، لكن حين تقع في يد من يملك السلطة عليها، تصبح أداة خضوع مطلق، تُحرَّك كما يُحرَّك السلاح.
ومع هذا الإدراك، لمع اسمٌ واحد في عقل أرين كالصاعقة:
بنر، ملك الملوك، ناسج القوانين، الأقوى في العصر القديم؟!
بعد أن أبعد دريمار تمامًا، وقف أرين محدقًا في الضوء الذهبي.
تدفقت الذكريات في عقله…
هيبته، سطوته، حضوره الذي يجعل الوجود نفسه ينحني.
كل شيء فيه كان ينبض بالقوة والهيمنة.
فكّر أرين قليلًا، ثم… شق طريقه نحو الضوء.
كل خطوة خطاها كانت تفرض عليه قيودًا خانقة، سلاسل غير مرئية تلتف حول روحه وجسده معًا.
لكن أرين لم يتوقف.
فعّل السحر عبر جميع أجساده الأخرى من خلال روابطه الروحية، فانبعث منه تيار سحري هائل، اجتاح القيود وأغرقها، ممّا سمح له بالتقدم خطوة بعد أخرى…
وفجأة، تغيّرت الأجواء من حوله.
اختفى كل شيء.
وقف أرين داخل قاعة بيضاء مهيبة، نقيّة إلى حدٍّ مرعب، تتجاوز مفهوم المكان نفسه.
في أعلاها، كان هناك عرش ذهبي معلق في الهواء، يجلس عليه كيان قوي ومهيب، يرتدي رداءً ذهبيًا يغلف جسده بالكامل، وغطاء رأس يشبه القلنسوة، تنبعث منه هالة طاغية من الهيمنة والإخضاع.
وقف أرين على أرضية القاعة البيضاء.
بدا صغيرًا…
كنملةٍ أمام عرشٍ يعلو الوجود ذاته.
هبطت نظرات بنر على أرين.
وفي اللحظة التالية، تحركت القوانين.
انقضّت عليه، قيدته، وأجبرته على الجثو.
فتح بنر فمه:
" لما أنت هنا مرة أخري"
رد أرين بهدوء:
" هل تصدقني إن قلت أنني إشتقت إليك "
وفجأة—
صفع صوت غير مرئي وجه أرين بعنف!
فتح بنر فمه معلنًا:
" ممنوع الكذب هنا "
أظلم وجه أرين قليلًا، ثم قال:
" حسنا لقد جئت فقط لأزعجك بدون سبب مقنع حقا، أريد أن أفهم كيف تعيش و تموت من أجل أفكارك و إن كان الفراغ هو الهاوية لكل من بلغ القمة، فلما لا تركز على الجودة بدل العدد تزوج أقوي النساء وأنجب أطفال يصبحون أرواح عظيمة تأنسك في وحدتك،
فقط لما لم يفعل الجميع هذا؟
لما لا تفكر أكثر؟
هل أنا ذكي لدرجة أنه لا أحد يقارعني؟
أو أنك غبي لدرجة مثير للشفقة؟ "
توقف أرين قليلًا، ثم تابع:
" حسنا لديك ثلاثة أبناء جميعهم أرواح عظيمة من المستوي التاسع لا أحد منهم سيفارقك أو يتركك أنت إمتلكت العالم.
فلما كل هذا بحق الجحيم مالذي تحاول أن تثبته هل أنت طفل مدلل أم ماذا "
انتظر بنر حتى أنهى أرين كلامه.
استمع إليه بصمتٍ مطلق، دون أن تتغير ملامحه أو تهتز هالته، حتى انتهت آخر كلمة.
ثم…
ابتسم.
وضَحِكَ.
ضحكة عالية، مدوية، اهتزت لها القاعة البيضاء، وكأن القوانين نفسها تضحك معه.
كأنه وجد أخيرًا شيئًا مُسليًا بعد زمنٍ لا يُقاس، انفرجت شفتا بنر ببطء.
كانت ابتسامته هادئة، لكنها تحمل في طياتها ثقل العصور.
فتح فمه وقال بصوتٍ مهيب، صوتٍ لا يحتاج إلى علوّ ليُخضع الوجود:
" لقد تكلمت بالحقيقة عندما إكتشفت أن الكذب غير متاح، تأقلمت مع وضعك الحالي بسرعة مدهش.
أنت تشبه نورين كلاكما مجانين. "
ساد صمتٌ قصير، وكأن القاعة البيضاء نفسها تحبس أنفاسها.
توقف بنر قليلًا، ثم تغيّرت نبرته… لم تعد ساخرة، بل أكثر جدية، أكثر ثقلًا:
" أضنك تعرف عن الوحدة التي يشعر بها من بلغ القمة من إيريكثوس أليس كذلك. "
رد أرين بهدوء، دون تردد:
" نعم "
تنهد بنر، تنهدٌ لم يكن جسديًا بقدر ما كان ارتخاءً في القوانين نفسها، ثم تابع:
" سبب الوحدة ليس بسبب فناء كل شيء من حولك، بل بسبب أن دورك في هذا العالم قد إنتهي! "
تقلصت حدقتا أرين بدهشة حقيقية:
" ما هذا؟ "
أجاب بنر بهدوء غريب، هدوء من تجاوز السؤال منذ زمنٍ سحيق:
" لكل بداية نهاية، أو هذا ما قيل لي، في طفولتي كنت مجرد طفل كأي طفل أخر يعيش في هذا العالم يجري بين الحقول يداعبه النسيم يلعب، ولديه طموحات كبيرة.
في شبابي كنت قوي جدا، فقد ولدت بقدرة في مجال القوانين عندها كنت أعمل كصائد للوحوش، لاحقا أصبحت فارسا.
وعندما بلغت أواخر العشرينات من عمري ظهر تهديد كبير يرعب العالم، عرف بملك الوحوش عينة فرقة لقتله وكنت منهم.
في أول إشتباك مات الكثير من رفاقي عندها أدركت أنه يجب على قوتي أن تبلغ عنان السماء لقتله، ومع تحقيق الشرط إرتقيت لأصبح نصف روح عظيمة، في زمان كان ذلك المستوي أسطورة فقط.
بعد قتل التهديد أصبحت البطل، الذي يملك كل شيء، الجمال، المال، القوة، المكانة، والعمر الطويل. "
كان أرين مصدومًا.
لم يكن بسبب عظمة القصة، بل بسبب بساطتها القاتلة.
لم يفهم المغزى بعد… لماذا يحكي له ملك الملوك هذا؟
فجأة، أظلم تعبير بنر بشكلٍ خافت.
لم تختفِ الهيبة، لكنها أصبحت أثقل، أعمق، وكأن العرش الذهبي فقد بعض بريقه.
وتابع سرده:
" لكن ماذا بعد، قصة البطل الذي هزم ملك الوحوش قد إنتهت، لكن البطل نفسه لم ينتهي، جلس في قصره يراقب اصدقاءه يموتون واحد تلوا الأخر، راقب سقوط الممالك وقيام أخري راقب تغير العالم من حوله، حتي شعر بالغربة وهو في عقر داره.
قصته أصبحت أسطورة من أزمنة غابرة يتجادل المؤرخون حول تفاصيلها، ويصفونها بالخيالية.
هيه لا مجد خالد ولا إسم بدي، ولا زمن ثابت، لاحقا خرجت أسير في هذا العالم كمن يكتشفه لأول مرة زرت بيتي القديم بيت طفولتي.
لقد كان به ناس ساكنين إن أخبرتهم أنه منزلي من سيصدق.
الغربة، الضياع، أن تكون مجهول في كل مكان بلا إسم ولا هوية هو مايصنع داخلك فراغ موحش، لكن وسط هذا الفراغ يطرح سؤال وجودي.
ماهو دوري الأن في هذا العالم، مالذي يفترض بي القيام به "
سقط الصمت من جديد.
لكن هذه المرة، لم يكن صمت الهيبة… بل صمت الاعتراف.
ثم رفع بنر صوته فجأة، لا غضبًا، بل كمن يعلن حقيقة قاسية لا مفر منها:
" بعد هذه السنوات إن كنت قد أدركت شيء فهو أن بلوغ القمة ليس طريقك للنهاية بل طريقك للصحوة؟
لتستيقض من هذا الحلم الوردي إلي واقعك القاسي "
صمت أرين.
لأن ما رآه أمامه لم يكن ملك الملوك…
بل مرآةً تعكس مستقبله.
في تلك اللحظة أدرك حقيقة قاسية:
في هذا العالم، هو مخيّر بين طريقين لا ثالث لهما—
إما الفناء،
أو الوحدة والفراغ الموحش.
تنفّس أرين بعمق، ثم قال بتعبير جاد:
"في هذا العالم، لا شيء كامل.
يجب أن يدفع المرء ثمن كل ما يحصل عليه… من قوة، ومن عمرٍ مديد."
توقّف لحظة، وكأن أفكاره تتشابك، ثم تابع:
"لكن حين فكّرت في الأمر… وجدت أن كل المفاهيم في هذا العالم تسعى للكمال.
أنت سعيت لجعل العالم مكانًا أفضل،
لكنك قدته إلى نهايته تقريبًا،
كطاغيةٍ يحرف القوانين كما يشاء."
ارتفعت نظرات أرين قليلًا، ونبرته ازدادت ثقلًا:
"هذا بالضبط ما يعنيه ظلّ القانون.
حين لم ترغب في امتلاك سلطة ظلّ القانون لتصبح متحررًا،
تحرّك الوجود نفسه…
فجعل تلك السلطة تخضع لك."
تصلّب صوته وهو يكمل:
"كأن الوجود ذاته أجبر ملك الملوك على أن يكون متطرفًا،
ليحقق شرط سلطة ظلّ القانون.
على الأقل… هذا تحليلي للأمر و—!"
توقف فجأة.
في تلك اللحظة، أدرك أرين شيئًا بالغ الخطورة.
دون قصد، انفتحت أمامه حقيقة مرعبة:
هل السبب الذي دفع ملك الملوك بنر إلى الموت…
هو الهروب من أن يصبح متحررًا؟
لأن المتحرر… لا يمكنه دخول هذا العالم.
تجمّد أرين.
وإذا كان الأمر كذلك، فكيف وصل كل شيء إلى هذه النتيجة أصلًا؟
الأمر… أكبر مما يبدو.
عندما لاحظ بنر تعبير الرعب الذي ارتسم على وجه أرين، فتح فمه وقال بصوت مهيب:
"سلطة القانون…
سلطة ظلّ القانون…
عامل تحرّر العرش المعلّق…
متحرر «ظلّ القوانين العليا»."
ساد الصمت.
بعد لحظة، فتح أرين فمه وسأل بصوت منخفض:
"ما علاقتك بسيراس؟"
أجاب بنر بهدوء:
"إنه حفيد ابنتي."
"…"
تجمّد تعبير أرين، وهو يربط الخيوط المتناثرة في ذهنه.
إذًا…
نورين تزوّج ابنة بنر الكبرى،
وأيضًا الأخت الصغرى لزوجته الثالثة نيفارة.
سأل أرين مجددًا:
"إذًا… ما علاقتك بنورين؟"
أجاب بنر دون تردد:
"طفلٌ أراد قتلي…
ثم طلب أن يصبح تلميذي."
"هاه؟"
للحظة، عجز أرين عن استيعاب كل شيء.
لكن قاطعه صوت بنر المهيب:
"انتهى الوقت.
أراك لاحقًا، يا فتى."
رد أرين بسرعة، دون أن يفكر:
"أراك لاحقًا… يا جدّ جدي."
عاد أرين يغوص مجددًا في أعماق وعي دريمار.
وبعد أن عاين حالته، انسحب عائدًا إلى مكتب إلياد.
أمام أعين الجميع، تجسّد أرين مرة أخرى في المكان.
تحولت الأنظار فورًا نحو دريمار،
الذي ازداد سوادًا… أكثر من أي وقت مضى.
وبعد لحظات معدودة،
اندُمجت قدرة «التشويه»
مع قدرة «نداء المعركة»
ومع قدرة «الفارس الأسود»،
لتتشكّل قدرة كونية واحدة—
«الأمير الأسود».
غُلّف جسد دريمار بدرعٍ أسود قاتم،
وتشكّل تاجٌ أسود فوق رأسه.
انبثق منه ضغط سيادة خانق،
حتى أن مجرد رفع الرأس في حضوره
أصبح تحديًا حقيقيًا.
مع ذلك، تحرّك أرين بلا تردد. استدعى سحر إلياد في لحظة واحدة، ودمجه بسحر الأفكار الخاص به، لتتشابك القوتان في انسجامٍ حاد. واجه ضغط السيادة مباشرة، لكنّه لم يشعر بثقله طويلًا؛ فقد صار فهمه لمجال القانون وظلّ القانون أعمق بكثير، نتيجة المعرفة التي نُقشت في أعماق روحه، معرفة لم تكن مجرد إدراك، بل جزءًا من كيانه ذاته.
لم يمضِ وقت طويل حتى تلاشى ضغط السيادة كأنه لم يكن.
في تلك اللحظة، عاد وعي دريمار كاملًا، وقد استشعر التغيّر الذي طرأ على قوته. تدفقت السعادة في أعماقه دون مواربة، إحساس نادر بالنسبة له، لكنه هذه المرة كان صادقًا وخالصًا.
وعندما لاحظ أرين تطوّر دريمار، فتح فمه وتكلم بنبرة هادئة، لكنها تحمل حسم القائد الذي يرى الصورة كاملة:
" جيد بهذا حصلنا على ورقة رابحة جديدة في الحرب الأخيرة، كما أن نسبة فوزنا زادت، والأن فالتقودوا الجيوش وتتمركزو داخل المدينة بينما أخرج أنا وأسحق الجيش الإمبراطوري.
فالين ستبقي هنا، كمنسق للحرب في داخل المدينة وخارجها.
هذا كل شيء فل يبدأ التنفيذ "
ساد الصمت لثوانٍ، صمتٌ يسبق العاصفة، قبل أن تتحرك عجلة الحرب وفق الأوامر التي صدرت، دون نقاش أو تردد.
تحرّك أرين وخرج من الغرفة، محرّكًا معه كل أجساده الأخرى في آنٍ واحد. امتد حضوره عبر أروقة مقر رابطة السحرة البيض، وجودٌ واحد بتجلياتٍ متعددة.
من بعيد، سمع صوت إيرون يناديه.
التفت أرين نحو الصوت وقال:
" ماذا هناك لما تلحقني "
رد إيرون بصوت يحمل ترددًا ممزوجًا بالفضول:
" أبي لما تشبه قدرتي، قدرة عائلة دراغور هل أنا منهم "
نظر أرين إلى وجه ابنه. لقد كبر، وأصبح أكثر شبهًا به… لكنه أجمل، بلا شك. سكنت نظراته للحظة، كأنها تعود إلى زمنٍ أقدم من الكلمات. ثم فتح فمه وقال:
" حسنا دع هذا الحوار لليوم الذي تقابل فيه جدك. عندما يحين وقت سأخبرك بإسمه إن رحلت يوما ما أصرخ بإسمه "
ومع انتهاء كلماته، لم يتوقف أرين. استمر في المضي قدمًا، متجهًا نحو بوابات المدينة، تاركًا السؤال معلّقًا في قلب إيرون.
في شوارع وساحات المدينة، فعل أرين ما لا يمكن تخيله. أوقف الزمن، فجمد كل شيء في لحظة واحدة، ثم حوّل كافة السحرة إلى أجسادٍ أخرى له، امتداده الحي داخل العالم.
كان الحد الأقصى لما يستطيع أرين التحكم به في تلك اللحظة هو خمسمئة جسد. رقمٌ سيزداد مع وصوله إلى المستوى الرابع، لكنه كان مدركًا تمامًا أن خمسمئة ساحر لا تعني شيئًا أمام جيشٍ كامل.
لذلك، اتخذ قرارًا آخر.
بدأ بدمج أجساد السحرة المختلفة، محوّلًا إياها إلى وحوشٍ مشوهة، كتلٍ من اللحم والسحر والإرادة، لا غاية لها سوى القتال. أراد أكبر قدر ممكن من القوة السحرية والقتالية، حتى لو كان الثمن تشويه كل ما تبقى من الإنسانية.
أمام بوابات مدينة ڤيريا، وقف أرين، وخلفه مئات الوحوش المشوهة، صامتة كأنها تنتظر الإذن بالدمار.
عندها، ألغى إيقاف الزمن.
انفتحت البوابات، وظهر أمامه جيش الإمبراطورية العملاق، مئة ألف جندي مصطفّين كبحرٍ من الفولاذ والرايات.
تقدم أرين، وتقدمت وحوشه معه، حتى وقف الجيشان وجهًا لوجه.
في تلك اللحظة، وعلى بعدٍ شاسع من ساحة القتال، داخل القصر الإمبراطوري لعائلة هايدرن في العاصمة لوكسيفار، كان المشهد مختلفًا.
تجمع مختلف رؤساء عائلات الدم، باستثناء عائلة الدم الشاحب، مع الإمبراطور أركان والأمراء، لمشاهدة الحرب الدائرة بين أرين والجيش الإمبراطوري.
حربٌ لم تبدأ بعد… لكنها كانت، منذ تلك اللحظة، خارج نطاق السيطرة.
تقدّم أرين بجيشه من الوحوش المشوهة، زحفٌ ثقيل يطحن الأرض تحت وطأته. في أثناء تقدمه، إستخدم مختلف أنواع السحر، لا للهجوم، بل ليصنع لنفسه رمز السيادة.
تشكل فوق رأسه تاجٌ نحاسي بسيط، مزين بجواهر حمراء وخضراء، يلمع بوهجٍ خافت لكنه عميق، وكأنه يحمل آثار دمٍ قديم وقَسَمٍ لم يُكسر. ثم التف حول جسده رداءٌ أحمر، ينساب مع الريح كراية حرب لا تنحني.
وقف أرين بين الجيشين، وحده، بهيبة الملوك، كأن وجوده وحده يكفي لملء الساحة.
رفع صوته، وصدى كلماته اخترق صفوف الجنود والسماء معًا:
" يا جيش الإمبراطورية ويا كل من جاء لقتلي من عائلات الدم، هذا المكان هو ساحة المعركة المكان المقدس الذي رفع الممالك وصنع الأبطال هنا تطوي الحكيات وتنتهي القصص.
هنا أما أن تفوز، أو تموت وأنت تحاول لاتفكر في الخروج من هنا إلا منتصرا، أو محمولا على نعشك، فلا أريد من أحد أن يدنس قداسة هذا المكان، بهروبه "
ساد صمتٌ ثقيل. حتى الريح بدت وكأنها تحبس أنفاسها.
توقف أرين قليلًا، ثم صرخ بصوتٍ حازم، لا يقبل الجدل:
" أعلن بداية الحرب! "
في تلك اللحظة، أطلق أرين قدرة سيرافين لوثار،
«مرسوم الساحة المطلقة».
غلفت هالةٌ هائلة ساحة المعركة، هالة من القوانين والحرب، تشابكت فيها الإرادة والشرعية، وأُعلنت من خلالها قداسة القتال.
لم تعد المعركة مجرد صدام جيوش… بل أصبحت حربًا معترفًا بها من القوانين نفسها.
تعالت صرخات الجيش الإمبراطوري، واندفعوا نحو أرين كأسراب جرادٍ لا نهاية لها، موجة بشرية تسحق الأرض بعددها قبل سلاحها.
في القصر الإمبراطوري لعائلة هايدرن، انقطع الاتصال بساحة المعركة فجأة.
سادت الفوضى للحظات، إذ أدرك الجميع السبب فورًا… تأثير قدرة
«مرسوم الساحة المطلقة».
سارع مختلف المسؤولين والسحرة إلى إعادة تكوين الاتصال، محاولين اختراق الحاجز القانوني الذي فرضته ساحة الحرب.
على أرض المعركة، غلفت هالة الحرب الحمراء جسد أرين، كثيفة وعميقة، تنبض بإرادة القتال نفسها. وبفضل قدرة لوثار العالمية، نُزعت جميع القوى المستعارة والنيات الملتوية من قلوب أعدائه، بما في ذلك تشكيلات المعركة والخدع العسكرية.
تحولت الحرب إلى مواجهة صريحة، جيشٌ ضد جيش، وجهًا لوجه، دون مكر أو التفاف.
ابتسم أرين.
ثم أطلق قدرة فيرغو العالمية.
وتوقف الزمن.
في تلك اللحظة، أعاد القصر الإمبراطوري الاتصال بساحة المعركة.
ما ظهر أمام أعين الإمبراطور والأمراء ورؤساء العائلات كان مشهدًا مرعبًا لا يُنسى.
جيش الإمبراطورية متناثر في أرجاء الساحة، متجمدون في أماكنهم، وجوههم مشدودة في لحظة الرعب الأخيرة، بينما انقضت عليهم وحوش أرين.
تطايرت الأشلاء في الهواء، وتناثر الدم على الأرض كطلاءٍ قانٍ، في مشهد صامت لكنه أكثر رعبًا من أي صراخ.
انطلق أرين بين الجنود، يقطعهم واحدًا تلو الآخر، سيفه وحضوره يتحركان بحرية في عالمٍ متوقف.
تحت أنظار كل الشخصيات البارزة في القصر الإمبراطوري، تكشفت مجزرة لم يسبق لها مثيل.
ومع ذلك… أدركوا جميعًا الحقيقة.
أرين أوقف الزمن، لكن لإيقاف الزمن حدود.
وفجأة، عاد تدفق الوقت.
استعاد قادة الجيش الإمبراطوري وعيهم، ليروا حولهم مئات الجنود صرعى، أجسادهم تسقط في اللحظة نفسها، والدماء التي لم يكن لها وقت لتسيل بدأت تفعل ذلك الآن.
حاول الجنرالات تنظيم الصفوف، الصراخ بالأوامر، إعادة تشكيل الجبهة… لكن دون جدوى.
الفوضى كانت قد ترسخت.
عندها، اتخذوا القرار.
هجوم شامل بكل القوة.
غلف الجنرالات والفرسان أنفسهم بالهالات، محصنين أجسادهم بأقصى ما يستطيعون، استعدادًا للحظة التي يوقف فيها أرين الزمن مرة أخرى.
فالمواجهة الحقيقية… لم تبدأ بعد.
في القصر الإمبراطوري لعائلة هايدرن، دوّى صوت أدغر، رئيس عائلة دراغور، كزئير وحشٍ غاضب:
"ما هذا بحق الجحيم!
كيف لشخصٍ واحد أن يفعل هذا؟! لماذا لم تُرسلوا قوة صغيرة من النخبة؟ أو تتحركوا شخصيًا؟
ما أراه أمامي ليس سوى استعراضٍ فارغ لقوة هذا الطفل!
أريد تفسيرًا، يا أركان!"
ساد الصمت القاعة للحظات.
ومن بين الجميع، تقدم الأمير الثاني، سايرين.
وقف مقابِل أدغر مباشرة، وبسبب ضخامة جسد الأخير، بدا سايرين كطفلٍ أمام عملاق.
كان وجه سايرين متعبًا، آثار الإرهاق واضحة عليه، ومع ذلك فتح فمه وتكلم بصوت ثابت:
"أرين… هو التجسيد الفلسفي للعدو المطلق لنا."
توقف لحظة، ثم تابع بنبرة أكثر عمقًا:
"شخصٌ يملؤه الحقد، تغذيه الكراهية، لا يخاف الموت، ولا يمتلك شيئًا يخسره.
إنه مستميت… لقتلنا جميعًا."
رفع سايرين نظره نحو أدغر مباشرة، دون تراجع:
"صدقني، لو أرسلتَ كل عائلة دراغور لمواجهته، وقدتَهم أنت شخصيًا،
فسيتجنبكم فقط…
وسيوقعكم في فخاخه من حينٍ لآخر."
زمجر أدغر بغضبٍ مكبوت.
اهتز القصر الإمبراطوري بأكمله تحت ضغط هالته، الأعمدة ارتجفت، والهواء نفسه ثقل.
ومع ذلك… لم تتغير ملامح سايرين.
بقيت جامدة، باردة، وكأن الزلزال لم يكن موجودًا.
فتح أدغر فمه مجددًا، صوته مشحون بالاحتقار:
"وهل تظن أن عائلة دراغور بلا عقول، ليهزمنا محض شقيٍ صغير؟"
رد سايرين ببرودة قاتلة:
"إن كنت تظن أن خبرتكم في المعارك هي كل شيء… فأنت مخطئ."
ثم أدار نظره نحو شاشة ساحة المعركة:
"دعنا نشاهد الحرب حتى النهاية. بعدها سنحكم."
عاد بنظره إلى أدغر، وأكمل:
"إن كان أرين قديسًا من المستوى السابع، فسنستدعي قديسي عائلاتنا لقتله.
وإن كان مجرد ضعيف… فافعل ما تشاء."
سكت أدغر.
وبدون كلمة أخرى، عاد إلى مكانه.
في ساحة المعركة، لاحظ أرين سريعًا تأقلم الجنرالات مع الوضع الراهن.
لم يعودوا يتحركون بعشوائية، بل بدأوا يستغلون نقاط القوة المتاحة، وحققوا تفوقًا جزئيًا.
ابتسم أرين.
فهذا… كان متوقعًا.
لقد أعدّ خططه منذ البداية.
باستخدام الروابط الروحية التي تربطه بأجساده الأخرى، حوّل أرين جميع الوحوش المشوهة إلى حالة روحية، ثم تراجع بضع خطوات إلى الخلف.
في أعين جنود الإمبراطورية، اختفت الوحوش المشوهة بلا أي أثر.
لم يبقَ أمامهم سوى أرين، واقفًا وحده في ساحةٍ ملطخة بالدم.
غرائزهم كانت تصرخ: فخ!
لكن قوةً غريبة، غير مرئية، كانت تدفعهم إلى التقدم… دون تردد، ودون قدرة على التراجع.
فجأة، رفع أرين رأسه.
في تلك اللحظة، دمج جميع الوحوش المشوهة داخل جسدٍ واحد.
لم يرَ أحد ما حدث، فالجسد كان في حالة روحية، غير مرئية للعيان.
كونها جسدًا واحدًا سمح لأرين بإعادة تجميع أجزاء من أرواحه المستنسخة.
دمج روحين مستنسختين ليتولى التحكم المباشر بذلك الكيان،
وأعاد الثمانية الآخرين إلى جسده.
عندما اقترب الجيش الإمبراطوري أكثر…
تجسّد أمامهم فجأة وحشٌ عملاق.
مشوه، مرعب، بلغ طوله سبعة عشر مترًا.
مجرد ظهوره مزّق هيبة الجنود.
أطلق الوحش موجة هائلة من الطاقة السحرية،
بعثرت الجنود في المنطقة،
وأغرقت البقية بوابلٍ عنيف من الهجمات السحرية.
وفي تلك اللحظة… لم يتوقف أرين.
أطلق قدرة فيرغو مرةً أخرى.
تجمّد الزمن.
تحرك أرين بسرعة مطلقة، مستخدمًا قدرة إلياد.
بدأ في تحليل أجساد الجنود الأقرب إليه واحدًا تلو الآخر،
وأرسل أرواحه المستنسخة داخلهم،
محولًا إياهم إلى أجسادٍ أخرى له.
لم يكن هناك صراخ.
لم يكن هناك مقاومة.
فالوقت نفسه كان متوقفًا.
وعندما عاد تدفق الزمن إلى طبيعته…
اختفى عشرات الجنود ذوي القوة العالية من ساحة المعركة.
وكأنهم… لم يوجدوا قط.
وفي اللحظة التالية، تجسّد وحشٌ مشوّهٌ عملاق أمام أرين.
كان جسده مغطّى بصفائح معدنية شبيهة بالحديد، مدموجة في لحمٍ مشوّه، وكأن الجسد نفسه أُعيدت صياغته ليكون أداة قتل خالصة.
ذلك المشهد…
جمّد الدم في عروق جميع الجنود الواقفين في ساحة المعركة.
لم يكن هذا وحشًا وُلد من الطبيعة،
بل كيانًا صُنع عمدًا، بوعيٍ وإرادة،
من أجساد جنود الإمبراطورية.
في القصر الإمبراطوري لعائلة هايدرن، خيّم صمتٌ ثقيل.
لم يتجرأ أحد على الكلام،
فالكل كان غارقًا في صدمةٍ ممزوجة بالرهبة من مدى وحشية ما يفعله أرين.
فتح زعيم عائلة أزوريان، فالورين، فمه أخيرًا.
خرج صوته خشنًا، عميقًا، وكأنه صادر من أعماق روحه:
" هذا الفتى… لم يعد إنسانًا.
إنه وحش. "
على ساحة المعركة، وقف وحشان عملاقان مشوّهان في قلب الفوضى.
جسدان هائلان يبعثان الرعب،
وساحة قتال لم تعد تعرف معنى التوازن.
هنا…
لم تعد الحرب بين جيشٍ وجيش،
بل بين العالم نفسه…
وأرين.
(نهاية الفصل 48).
لحظة مقابلة أرين البنر:
وطبعا لم أصل للنتيجة المثالية عموما الصورة لوجه بنر في الفصل القادم.
أعرف أن الفصل طويل لكن أتمني أن يصل أحدكم إلي هنا.
و إذا وصلت حقا إلي هنا فشكرا 🫂 من القلب