الفصل 49: الوعي خارح الدور
.
صورة لوجه ملك الملوك بنر:
في القصر الإمبراطوري لعائلة هايدرن، خيّم صمت ثقيل بينما كان جميع الحاضرين يحدقون في المشهد المعروض أمامهم.
مذبحة… لم يكن هناك وصف آخر لما يفعله أرين.
في ساحة المعركة، كان وحشان عملاقان مشوّهَان يعيثان دمارًا مطلقًا.
أحدهما وُلد من دمج عددٍ هائل من سحرة مدينة ڤيريا، جسدٌ ملتوي يفيض بطاقة سحرية غير مستقرة،
والآخر نتاج اندماج مئات فرسان الهالة من الجيش الإمبراطوري، كيانٌ حربي صُمم ليقتل، ولا يعرف سوى القتل.
وسط هذه الصور البشعة، كسر دومير فالرين، رئيس عائلة الدم النجمي فالرين، الصمت أخيرًا.
قال بصوت هادئ، كسول، وكأن ما يشاهده لا يعنيه بشيء:
" حسنًا… رأينا ما يكفي. فلنستدعِ القديسين. "
كانت كلماته أشبه بحجر أُلقي في مياه راكدة.
التفت أدغر، رئيس عائلة دراغور، نحوه بحدة، الغضب يشتعل في عينيه، لكنّه لم ينبس بكلمة.
تنهد فالورين، زعيم عائلة أزوريان، وكأن ثقل العالم سقط فجأة على كتفيه، وقال بنبرة مترددة:
" وهل أصبح استدعاء القديسين… أمرًا هَيِّنًا؟ "
رد دومير دون أن يتغير تعبيره، بصوت هادئ يكتنفه شيء من اللامبالاة المتعمدة:
" نعم.
ومن يكون القديسون أصلًا؟ إنهم أفراد من نفس عائلاتنا، نتشارك معهم الدم نفسه.
هم فقط… أقوى منا، لا أكثر. "
ساد الصمت مجددًا، لكن هذه المرة لم يكن صمت صدمة،
بل صمت اعترافٍ غير معلن…
بأن الحرب دخلت مرحلة لم يعد فيها البشر العاديون طرفًا ذا قيمة.
امتلأ وجه أدغر بالغضب، تشدّدت ملامحه كصخرٍ على وشك الانفجار. رفع نظره الحاد نحو دومير، وصوته انطلق عاليًا، مشبعًا بسخطٍ لم يعد قادرًا على كبته:
" هل هذا لعبة بالنسبة لك صحيح، هل تعلم ثمن إستدعاء قديس إلي هنا؟ هل تريد أن تتحول منطقة في هذا العالم إلي مكان محظور! بدون تقنيات عزل فائقة فلا يمكننا السماح للقديسين بالحضور "
كان غضبه واضحًا لكل من في القاعة، غضبًا خامًا لا يحتاج إلى تفسير. ومع ذلك، لم يتكلم أحد.
الجميع يعلم…
أدغر لم يكن غاضبًا فقط بصفته رئيس عائلة دراغور، بل كأبٍ فقد ابنه تايلر على يد أرين في الصحراء الصخرية.
ومهما بلغت صلابة أدغر الجسدية وقسوته العقلية، فإن فقدان الابن يظل جرحًا لا تقدر القوة على رأبه.
في المقابل، راقبت عيون دومير صراخ أدغر ببرودٍ أقرب إلى الملل، نظرة خالية من أي اضطراب أو تعاطف.
في أعماق داخله، لم يكن لهذا العالم وزنٌ حقيقي.
فعائلة الدم النجمي لا تعيش في هذا الواقع أصلًا؛
موطنهم الحقيقي هو الكون الداخلي لروحهم الأصلية، فالرين—
كونٌ شاسع، تتناثر داخله عوالم لا تُحصى، حيث يمتلك كل فرد من العائلة عددًا من العوالم تحت سيادته الخاصة.
أمام هذا الاتساع الكوني، ماذا يعني عالمٌ واحد؟
ماذا تعني مدينة، أو مملكة، أو حتى حرب؟
لهذا…
لم يكن ما يربط دومير بهذا العالم شعورًا، ولا انتماءً، ولا خوفًا من العواقب.
كان شيئًا واحدًا فقط:
المسؤولية… لا غير.
على الجانب الآخر من الطاولة، جلس فالدار، رئيس عائلة أرڨان، يراقب مجزرة أرين بهدوءٍ بارد، نظراته ثابتة لا يرمش لها جفن.
لم يكن في تعبيره ما يدل على غضب أو انفعال…
لكن ذلك الهدوء ذاته كان مخيفًا.
فجأة، بدأت الظلال من حوله تتحرك.
لم يكن تحركًا عنيفًا، بل أشبه بمدٍّ بطيء، وكأن الظلام نفسه يزحف استجابةً لشيءٍ في داخله.
انحسر الضوء قليلًا، وازدادت الزوايا قتامة، كأن القاعة تعكس ما لا يظهر على وجه فالدار.
لم يتغير تعبيره.
لكن الظلام كان صادقًا أكثر من الملامح.
رغبة مطلقة… نقية… في قتل أرين.
راقب الإمبراطور أركان رؤساء عائلات الدم واحدًا تلو الآخر، ثم تنهد بعمق.
كان يدرك الحقيقة جيدًا:
هذا المجلس… لا أمل في تنظيمه.
اختلاف المصالح، تضارب الرؤى، والدماء القديمة التي لا تنسى—كلها جعلت أي قرار موحد مستحيلًا.
حرّك أركان نظره نحو أبنائه، وكأنه يتشبث بأملٍ أخير.
أملٍ في أن يرى بينهم من يستطيع كسر هذا الجمود.
تقدم فالتر خطوة إلى الأمام، واستدار نحو فالورين، وصوته خرج مهيبًا، ثابتًا، يحمل نبرة القائد لا الأمير:
"لما لا تستدعي القديسين من عائلة أزوريان، بفضل قدرتكم الأصلية يستطيع معضم القديسين فهم الوضع بشكل أفضل حتي لو لم يساعدونا في القتال على الأقل سيقدمون معلومات مفيدة."
تنهد فالورين ببطء.
لم يجادل.
لم يعترض.
فالوقت لم يعد يسمح بالتردد.
نهض من كرسيه، واتجه إلى منطقة أكثر اتساعًا في القاعة.
شبك يديه معًا، ومع حركته بدأت تيارات العالم تستجيب.
تموّج الهواء، وانسابت القوى كخيوطٍ غير مرئية، متشابكة في مشهدٍ بديع يبعث على الرهبة.
تمتم فالورين بلغةٍ غير مفهومة، لغة لا تنتمي لهذا العصر.
تجمعت التيارات، انضغطت، ثم تحولت إلى نقاطٍ مضيئة، قبل أن تتشابك مكوّنة بوابةً مكانية نابضة بالضوء.
ومن داخلها…
خرج شاب يرتدي عباءة زرقاء، ملامحه هادئة، متزنة، تحمل نفس السِمة الأزوريانية المألوفة.
كان حضوره وحده كافيًا.
الضجيج الخفي في القاعة خفت.
الظلال استقرت.
والتوتر الذي ملأ المكان منذ بداية الاجتماع… إنحسر.
لم يتكلم بعد.
لكن العالم من حوله كان قد هدأ بالفعل.
مشى القديس نيسار بخطوات هادئة على أرض القصر الإمبراطوري، عباءته الزرقاء تنساب خلفه برقة، وكأن نسيمًا غير مرئي يرافقه حيثما حلّ. لم يحتج إلى إعلان حضوره؛ فمجرد وجوده كان كافيًا ليغمر القاعة بسكينة عميقة، سكينة أطفأت صخب الغضب والتوتر الذي كان يخيم على وجوه رؤساء عائلات الدم، حتى بدت الفوضى قبل لحظات وكأنها لم تكن.
رفع نيسار يديه قليلًا، وما إن لامست أطراف أصابعه تيارات العالم حتى بدأ الواقع نفسه يستجيب. اهتز الهواء بهدوء، وإنثنت طبقات الزمن دون عنف، لتنعكس في عقله مشاهد متداخلة: مذبحة أرين في ساحة المعركة، دماء أفراد عائلة أرڨان، صرخة تايلر الأخيرة في الصحراء الصخرية… ثم صور أخرى لم تقع بعد، إحتمالات مستقبلية تتماوج داخل تيارات متشابكة، كأن الكون يعرض مساراته الممكنة في صمت مهيب.
لم يحتج نيسار إلى سؤال أو تفسير.
فالتيارات من حوله كانت قد تشابكت، وتقاطعت، وربطت نوايا رؤساء العائلات، مخاوفهم، وغضبهم، بنتائجها المحتملة. كل إنفعال أحدث تموجًا خاصًا به، وكل قرار ترك أثرًا واضحًا في مجرى المستقبل. من خلال هذا التشابك، فهم نيسار كل ما حدث… وكل ما يوشك أن يحدث.
رمش بعينيه بهدوء، ثم وجّه نظره نحو الحاضرين جميعًا.
فتح فمه أخيرًا، وقال بصوت عذب أثيري بدا وكأنه جزء من التيارات نفسها:
"أرين ليس قديسًا، بل مجرد طفل من المستوى الثالث، وساحر من الدائرة الرابعة."
تجمّدت القاعة.
لم يجرؤ أحد على التشكيك في كلماته، فالصمت الذي تلاها كان أثقل من أي احتجاج. سرعان ما تحوّل الذهول إلى غضب مكبوت، ثم إلى حقدٍ صريح. فكرة أن شخصًا بهذه القوة المتواضعة قد أذلهم، وسحق جيوشهم، وأجبرهم على التفكير في استدعاء القديسين… كانت إهانة لا تُحتمل.
راقب نيسار اضطراب التيارات من جديد، فرأى موجات الغضب تتصاعد، وتتقاطع مع رغبات الانتقام، فتابع بهدوء:
"ومع ذلك، يمكن اعتبار قوة أرين متطرفة للغاية. كسيد روح، هو ضعيف جسديًا، لكنه بدل أن يوقظ الهالة… أيقظ السحر."
ساد الصمت من جديد.
"وعوّض نقصه عبر قدراته الفرعية. هذا مسار معيب، وتصرف مجنون. السبب الذي يجعل قديسي العائلات يمنعون أي فرد من امتلاك قدرة فرعية قوية في المستويات الأربعة الأولى… هو أن شروط الترقية تصبح تعجيزية، وروح القدرة تنمو بشكل متوحش، حتى تقضي على أي أمل في بلوغ المستوى الخامس."
غاص الجميع في تفكير عميق، قبل أن يكسر سايرين الصمت، متقدمًا خطوة إلى الأمام، ونبرته ثابتة على غير العادة:
"ما هي شروط ترقية أرين إلى المستوى الرابع؟"
ساد إضطراب خافت بين الحاضرين بسبب جرأته في مخاطبة قديس بهذا الشكل، لكن نيسار لم يُبدِ إنزعاجًا. على العكس، ارتسمت على شفتيه إبتسامة خفيفة، وقال:
"شرط ترقيته… أن يموت."
تصلبت الوجوه.
"ثم يعيد جمع روحه، ويعيد تكوين جسده."
لم يحتج نيسار إلى إضافة كلمة أخرى.
فالتيارات في القاعة كانت قد اضطربت بعنف، وكأن المستقبل نفسه قد ارتجف أمام هذا الشرط.
...
ساحة المعركة خارج مدينة السحر ڨيريا.
كان أرين، ومعه الوحشان العملاقان المشوَّهَان، يمحقون ما تبقّى من الجيش الإمبراطوري بلا رحمة.
غارقًا في سعادةٍ غامضة، ركض أرين بين الجثث والجنود المتسمّرين في أماكنهم، يمرّ سيفه من خلالهم بلا أثرٍ للقطع، وكأن الحديد نفسه فقد حقّه في الحكم عليهم.
بعضهم كانوا فرسان هالة من فئة الخمس نجوم، أجسادهم محصّنة بهالات كثيفة لم يتمكّن سيف أرين من اختراقها.
فابتسم.
قسّم أجزاءً من روحه الأصلية، وأدخلها في أجسادهم مباشرة.
وعندما عاد تدفّق الزمان إلى طبيعته، انفجرت عقولهم بوابلٍ من الأفكار القسرية، أفكار متداخلة، متناقضة، عنيفة، حتى كادت أدمغتهم تنفجر من شدّة الضغط.
في ساحة المعركة، لحظة واحدة من تشتّت الانتباه تعني فقدان الحياة.
وسط آلاف الأفكار التي اجتاحت وعيه، فتح القائد العسكري مورغن عينيه بصعوبة.
رأى أمامه العملاق المشوَّه… الكيان المرعب المصنوع من دمج أجساد وأرواح مئات من جنوده.
رفع الوحش يده.
تشكّلت قبضة هائلة، معزّزة بمئات الهالات المختلفة، وانقضّت عليه كحكمٍ بالإعدام.
سقط مورغن أرضًا، يلفظ أنفاسه الأخيرة.
كان الجزء السفلي من صدره حتى قدميه مسحوقًا تمامًا، غارقًا في بركةٍ من الدم والأحشاء.
وفي تلك اللحظة، أدرك الحقيقة التي لا مهرب منها:
هنا…
لا فرق بين جندي وجنرال.
أمام عدوٍّ يمتلك قوةً مطلقة، الجميع سواء…
في منصة الإعدام.
...
في القصر الإمبراطوري.
شعر سايرين بشفقةٍ ثقيلة على جنود الإمبراطورية، شفقةٍ امتزجت بغضبٍ لا حدود له موجّهٍ نحو أرين.
كان الغضب يضغط على صدره، لا كهيجانٍ أعمى، بل كاحتقانٍ بارد، صامت، وخطير.
التفت نحو القديس نيسار، وقال بصوتٍ متعب يخفي وراءه نية جريئة:
"لِمَ لا تنقل أرين إلى هنا؟"
ساد الصمت.
صُدم جميع رؤساء عائلات الدم، وتجعدت شفاه بعضهم بابتساماتٍ عريضة لم يحاولوا إخفاءها.
فكرة واحدة كانت تتردّد في عقولهم جميعًا:
إن وافق نيسار… فالانتقام صار على بُعد خطوة.
تعلّقت أنظارهم بالقديس، مترقبة جوابه، وكأن المستقبل كله معلّق بتدفّق كلمة واحدة.
لكن نيسار أجاب بهدوءٍ مطلق:
"صدقني… لو أحضرتُ أرين إلى هنا، فسيظهر اللورد نورين خلفك مباشرة."
تبدّلت تعابير الوجوه في القاعة.
تصلّبت الأجساد، واختفت الابتسامات كما لو لم تكن.
تابع نيسار بصوته العذب، الهادئ حدّ الإزعاج:
"في الوقت الحالي، ليس في صالحنا بدء قتالٍ بين الأرواح العظيمة.
فاللورد أرڨان، واللورد هايدرن، واللورد دراغور، واللورد مورڨال…
ليسوا في حالة تسمح لهم بالمشاركة في هذه الحرب."
سكت لحظة، مستشعرًا تشابك تيارات الخوف والذعر في القاعة، ثم أردف بنبرة مطمئنة:
"اطمئنوا… لن يتمكنوا من الحضور في أي وقت قريب، لكن عودتهم مسألة وقت لا أكثر."
ثم رفع نظره قليلًا، وأضاف بهدوءٍ محسوب:
"أما أرين…
فأستطيع أن أحضر وعيه إلى هنا،
وأسحب نسخةً منه مباشرة من تيار الزمن."
عند سماع جواب نيسار، تلاشت الابتسامة كليًا من وجهي أدغر وفالدار، كأنها لم تكن يومًا.
شدّ أدغر فكيه بصمت، بينما انحسر الظلام حول فالدار قليلًا، دون أن يختفي تمامًا.
تنهد سايرين بعمق، ثم قال باحترامٍ واضح، وكأنه يزن كل كلمة قبل أن ينطقها:
"نعم… أرجوك، فلتُحضر أرين إلى هنا."
لم يُجب نيسار فورًا.
اكتفى بتحريك يده بهدوء، حركة بسيطة، لكنها كانت كافية ليتموّج الفضاء من حوله.
تحرّكت التيارات، وانحنت طبقات الواقع، وكأن القصر نفسه يفسح المجال لشيءٍ غير طبيعي.
تشكل جسد أرين أمام الجميع.
وفي اللحظة التالية…
استيقظ وعيه داخله.
فتح أرين عينيه على الفور، مستشعرًا أن المكان من حوله قد تغيّر جذريًا.
رفع رأسه ببطء، لتنهال عليه نيات قتل مرعبة، كثيفة، كأنها سيوف غير مرئية تحيط به من كل اتجاه.
تحركت غرائزه قبل عقله.
حاول تفعيل الروابط الروحية مع أجساده الأخرى، ساعيًا لتفجير أقوى موجة سحرية ممكنة.
لا اتصال.
حاول التحول إلى حالته الروحية.
لا استجابة.
اتسعت عيناه قليلًا، ثم نظر من جديد إلى وجوه رؤساء عائلات الدم…
كانوا ينظرون إليه، لكن أحدًا منهم لم يتحرك.
حينها فقط بدأ أرين يدرك حالته الحالية.
وقبل أن يكتمل خيط أفكاره، قاطعه صوت نيسار الهادئ:
"جسدك الحالي محض نسخة من تيار الزمن.
جعلتُ وعيك يستيقظ داخله فحسب."
توقف لحظة، ثم أضاف بنبرة مطمئنة:
"لذا لا داعي للخوف… لن يقتلك أحد هنا."
ابتسم أرين ابتسامة خفيفة، خالية من أي توتر، وقال بهدوء:
"حقًا؟
وهل خرجتُ في حربٍ ضد العالم لأخاف الموت؟"
ثم أدار نظره قليلًا، ونبرته ازدادت حدّة:
"لا تقلق… لستُ مثل أزوريان، ذلك الذي يهرب من الحرب."
ساد صمت ثقيل.
توقف أرين لحظة، ثم تابع بصوتٍ أعمق، مشبع بالهيبة:
"وأيضًا… تأدّب وأنت تُخاطب قديس الحرب.
نحن لسنا أصدقاء."
ابتسم القديس نيسار ابتسامة خفيفة، ولم يقل شيئًا.
عندها التفت أرين بنظره نحو رؤساء عائلات الدم، ثم مرّ بعينيه على الإمبراطور أركان والأمير فالتر. كان الحقد واضحًا في أعماقهم جميعًا، حقدًا ثقيلًا لم يخفِه سوى حضور نيسار، وحقيقة أن أرين الواقف أمامهم لم يكن سوى نسخة من تيار الزمن. لذلك بقوا هادئين ظاهريًا، مترقبين ما سيفعله سايرين.
أما أرين، فلم يكن مهتمًا لا بتبرير موقفه ولا بمخاطبة رؤساء العائلات. لم يكن يرى فيهم سوى ضوضاء بعيدة. ما شدّ انتباهه حقًا… كان سايرين.
منذ لحظة حضوره، لم يمنحه سايرين أي اهتمام. كان واقفًا أمام المشهد السحري، يراقب بصمت المجزرة الدائرة خارج مدينة السحر ڨيريا، حيث يستمر جسد أرين الحقيقي في القتل بلا رحمة.
استشعر سايرين نظرات أرين، فعدّل وقفته، واستدار ليواجهه مباشرة. بدا صوته متعبًا، كمن أنهكته الحروب لا الجراح.
قال: " تدّعي أنك قديس الحرب، أليس كذلك؟
تقول إن من يهرب من الحرب جبان، وإن الجنود الفارين يدنسون قداسة الحرب…"
توقف لحظة، ثم أكمل بنبرة هادئة لكنها قاسية: "لكن في الوقت نفسه، ترسل نسخك لتقاتل بدلًا عنك، بينما جسدك الحقيقي في مكان آخر.
وإلا، كيف تفسر انتقال وعيك إلى هنا، في حين يستمر جسدك هناك في القتل؟"
ساد الصمت.
صُدم الجميع من دقة ملاحظة سايرين. لم يكن اتهامًا مباشرًا، بل كشفًا فجًا لتناقض، لم ينتبه أيٌّ منهم لهذا التناقض، فكل الأنظار كانت معلّقة بأرين وحده.
أما أرين…
فقد رأى في سايرين شيئًا مختلفًا.
رأى نفسه.
لكن نسخة أخرى منه، أكثر هدوءًا، أقل اندفاعًا، وأكثر إنهاكًا.
ومع ذلك، ما آلمه حقًا لم يكن كلام سايرين، بل إدراكه لحقيقة أبسط:
أنه قد أرخى دفاعه.
منذ أن اكتشف الحقيقة الغامضة المتعلقة بسيراس، انشغل بها إلى حدٍّ أفقده دافعه لتحليل كل ما حوله.
العقل الذي كان يفكك كل كلمة، وكل صمت، وكل نظرة،
بدأ يفترض.
بدأ يترك التفاصيل تمر.
بدأ يعتقد أن بعض الأمور ستبقى مخفية.
وترك فجوات.
في تلك اللحظة، فهم.
لا تترك شيئًا ليحكمه الحظ.
ولا تحاول إخفاء الحقيقة بأسلوب ساذج، ثم تتمنى ألا يلاحظها أحد.
لقد تعلم من خطئه.
وثمن هذا الدرس…
كان وعيه مكشوفًا أمام الجميع.
تنهد أرين ورد بهدوء يحمل فخرًا خفيًا:
"وماذا في ذلك؟ هل تريد من قديس مثلي أن ينزل في حرب ضد مجرد ضعفاء؟ أنا أو نسخي، نحن نفس الشيء. إنهم حرفيًا امتداد لي. على حسب كلامك، إذا أخبرتك أن كل الجرائم التي ارتكبتها كانت من فعل نسخي، هل ستتركني أذهب كشخص بريء وتلاحق نسخي؟"
عمّ الصمت للحظة، قبل أن يكسره سايرين بكلامه:
"هذا لا يفسر حقيقة أنك مختبئ. ما الفرق بينك وبين من يرسل جيشه ليحارب بدلًا عنه بينما هو في مأمن؟ إذا كان هناك من أهان قداسة الحرب، فهو أنت، يا أرين."
رد أرين بشكل مدروس:
"سايرين، أنت الوحيد الذي أرسل جيشه ليحارب بينما أنت مؤمن في قصر والدك. أيضًا، أن تكون قديسًا للحرب لا يعني أن تكون مجرد همجي همه الوحيد القتل، عندها سأصبح مثل دراغور."
عندما ذكر اسم دراغور، ارتفعت حرارة الغرفة كفرن مشتعل، وغضب أدغر بدا واضحًا.
مع ذلك، أكمل أرين كلامه:
"أن تكون قديسًا للحرب يعني أن ترى للعالم كيف تهزم جيوشًا هائلة بأعداد قليلة، وكيف بقوة صغيرة تهزم من هو أقوى منك. انظر إلي، لا أملك القوة ولا الجيوش القوية، ومع ذلك أذلتكم. إن لم أكن قديس الحرب، فماذا أكون؟"
رد سايرين بهدوء:
"هاه؟ ماذا تكون؟ مجرد متحدث بارع يعرف كيف يستغل كل الظروف في صالحه، يعظم إنجازاته ليبدو محقًا، أو يعرف ماذا يفعل بينما أنت وجميعنا نعلم أنك مجرد بيدق لشخص آخر، لا يعرف أين يقوده المصير."
رد أرين بشكل منطقي:
"ولا أنت تعرف أين يقودك مصيرك. ولو عرفت لتنبأت سلفًا أننا سنصبح أعداء. نحن مجرد قطع شطرنج وضعت على لوح معد سلفًا. نتحدث كما نريد، لكننا لا نملك الحق في اختيار حلفائنا وأعدائنا؛ لقد حُدد كل شيء قبل ميلادنا."
نظر سايرين نحو أرين، وفي اللحظة ذاتها التي همّ فيها بالرد، قاطعه صوت فالدار:
"أيها الطفل… أريد أن أسألك، لِمَ قتلك أفراد عائلتي؟ عائلة أرڨان. أكان ذلك انتقامًا لأسياد الروح، أم لسببٍ آخر؟"
رد أرين بهدوء:
"تستطيع قول ذلك. لكن السبب الحقيقي هو أن هجوم أرڨان سبّب لعنة قتلت كل أفراد عائلتي… وستقتلني أنا بعد شهرٍ ونصف."
توقف لحظة، ثم أضاف بصوت ثابت:
"قد أبدو كمنتقم، لكن القصة أعمق مما تبدو."
ساد الذهول المكان. خبر موت أرين بعد شهر ونصف صدم الجميع؛ فلو أرادوا قتله، لما احتاجوا سوى الانتظار قليلًا.
ومع ذلك، سأل فالدار:
"وما هو هذا الشيء الأعمق مما يبدو؟"
رد أرين بهدوء:
"أنا لا أملك عائلة من الأساس. كل عائلتي كانوا نسخًا من والدي. لقد عشت في كذبة، وفي رغبة انتقام زائفة… كمسيَّر لا يملك حق الاختيار."
صمت الجميع.
ثم تابع أرين كلامه:
"حربكم ضدي مجرد ستار لما يحدث حقًا. فلا تظنوا أبدًا أنكم قادرون على الانتصار في هذه الحرب.
لقد كُتبت هزيمتكم سلفًا، كما كُتب هلاكي. فلا أنا سأعيش، ولا أنتم ستفوزون.
وفي النهاية… لا أحد رابح حقًا، فحين لا تملك القوة، لا تملك حقوقًا."
وبمجرد أن أنهى أرين كلامه، نظر إلى وجه نيسار الهادئ وقال:
"قال لي صديقي ذات مرة إن أزوريان أخطر رجل في هذا العالم، والآن بدأت أفهم مدى رعب هذا الكيان المدعو بالتيار الأول.
فكروا جيدًا: سيرورة الأمور لا تسير في صالح أحد بالصدفة أو بالحظ، وحياتنا ليست حكاية تُكتب من قِبل شخص ما.
لكن ما أراه أمامي ليس سوى تلاعبٍ مطلق بالأحداث. أزوريان ليس لاعبًا في لعبة الشطرنج هذه… بل هو ريح التغيير التي تهب، وتعيد كتابة الواقع كما تريد."
التفت أرين نحو زاوية فارغة وقال بصوت منخفض:
"كم أنت مرعب، يا أزوريان."
في تلك اللحظة، كان أرين قد أعاد تجميع كل الأجزاء والتفاصيل التي سمح لها سابقًا بالمرور، والإفلات من إدراكه.
…
في بُعدٍ خارج تدفّق الزمان والمكان، جلس أزوريان، التيار الأول.
كانت التيارات تلتف حوله، متشابكة، مشكلةً دوائر متداخلة خلف ظهره، كأنها بقايا قوانين خضعت لإرادته ولم تعد قادرة على الإفلات منه.
نظر نحو أرين، وارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة.
حتى مع إدراكه أن أرين بدأ يفهم، وأنه قد يقترب من كشف ما يجري خلف الستار… لم يُبدِ أزوريان أي اكتراث.
استمر في المشاهدة، كما لو أن كل ما يحدث ليس سوى مرحلة طبيعية في مسارٍ رسمه مسبقًا.
إلى جانبه، جلس دراغور، قلب الأسد.
كان أزوريان قد جذبه إلى هذا البُعد، لينقذه من حكم الهلاك الذي أصدره إيرافين.
قبل ذلك، كان دراغور يتخبط في بُعد أرڨان، يقاوم الحكم وهو في حالة نصف ميت، يصارع الفناء بإرادة لم تنطفئ بعد.
ومع نقله إلى بُعد أزوريان، الخارج عن تدفق الزمان والمكان، لم يعد حكم الهلاك قادرًا على العثور عليه.
فهنا… لا تصل الأحكام.
ولا تعمل النهايات.
لكن النجاة لم تكن فورية.
كان عليه أن يمكث بعض الوقت في هذا البُعد، حتى يتلاشى حكم الهلاك عنه كليًا، وكأنه لم يُصدر يومًا.
وأزوريان…
كان يراقب كل ذلك بصمت.
سأل دراغور بصوت أجش:
" أزوريان ماذا يجري هنا "
رد أزوريان بصوت هادئ مازح قليلا:
" إنه يوم أخر يا صديقي القديم "
...نهاية الفصل49
صورة لدومير رئيس عائلة الدم النجمي فالرين:
صورة لفالدار رئيس عائلة الدم الأسود أرڨان:
صورة لأدغر رئيس عائلة الدم الحديدي دراغور:
صورة للإمبراطور أركان وزعيم عائلة هايدرن:
ملاحظة: صورة فالورين و القديس نيسار في الفصل القادم، صورة فالتر و سايرين في فصل خاص لصور الشخصيات.
عموما مشاهدة ممتعة.