الفصل الرابع: الموجة التي حركت التاريخ

وسط خوفٍ ثقيل، نظر أرين إلى فالين الهادئ بابتسامته اللطيفة وقال بصوتٍ مبحوح:

"أأنت من عائلة أركيديا؟ تلك التي أعلنت الحرب على العالم؟"

مع كل كلمة كان قلبه يخفق بقوة، كأن الهواء نفسه صار أثقل مما يحتمل.

لم يرد فالين مباشرة، بل أدار نظره نحو المكتب، نحو الكتاب المفتوح عليه الغبار الخفيف، ثم رفع يده بخفة، فأرسل موجةً صوتية هادئة اخترقت عقل أرين مباشرة:

"هل علمت هذا من الكتاب؟ يبدو أنك لم تكمل القراءة... أكمل، وستفهم."

ارتبك أرين، ثم قال بنبرةٍ حاول فيها إخفاء خوفه:

"وهل لدي خيار آخر؟"

رد فالين بنبرةٍ هادئة مليئة بالغموض:

"ربما... لكن هناك أشياء يجب أن تراها بعينيك، لا تخف. تابع القراءة، فقد تجد الإجابات التي تبحث عنها."

تردد أرين للحظة وهو يحدق في عيني فالين البنفسجيتين الغامضتين، ثم أمسك الكتاب بإصرار.

في النهاية، ما الجدوى من الخوف؟ إن كان الموت ينتظره، فليواجهه واقفًا.

ما إن لمس الصفحات حتى بدأت كلماتها تتلاشى من أمام عينيه، لتحل محلها صور متدفقة، أصوات بعيدة، وهمسات كأنها تأتي من عمق الزمن نفسه.

رأى قاعةً عظيمة، سقفها مرتفع يلامس السحب، وأرضيتها من الرخام الأبيض اللامع. كانت الأعلام والرموز تزين الجدران، وأصوات الملوك والحكام تملأ المكان. في منتصف القاعة وقف رجل شامخ ذو شعر أسود داكن وعينين باردتين، يرتدي معطفًا مزخرفًا بأطراف فضية. كان هذا هو فاليريان أركيديا، رئيس عائلة الأركيديا.

نهض أحد الملوك الثلاثة الجالسين تحت عرش ملك الملوك بنر وقال بغضبٍ مكبوت:

"فاليريان... هل فقدت عقلك؟ هل تعلن الحرب على الجميع؟ أتظن أن بنر، ملك الملوك، سيقبل بهذا؟ حرب كهذه ستمحو كل شيء، وستجلب نهايتنا جميعًا!"

ابتسم فاليريان بهدوء، تلك الابتسامة التي كانت كفيلة بإسكات كل من حوله، ثم قال بصوتٍ عميقٍ بارد:

"يبدو أنني لم أكن واضحًا كفاية... عندما قلت الحرب على العالم، كنت أعنيكم أنتم أيضًا، يا ملوك هذا العالم."

رفع رأسه نحو العرش العالي، حيث لم يجرؤ أحد من قبل على رفع بصره.

هناك جلس بنر، ملك الملوك، بوقارٍ لا يُوصف، تحيط به هالة ذهبية من الهيمنة الخالصة.

قال فاليريان بثقةٍ لا تعرف الخوف:

"سأسقطك من عرشك، يا بنر. حكمك زائل، وملكك سيسقط. لقد آن للعالم أن يتحرر من عبوديتك... يا عبد هذا النظام الفاسد!"

ساد صمت مطبق للحظة، وكأن الزمن نفسه توقف.

ثم انفجرت القاعة بثلاث قوى طاغية دفعةً واحدة —

قوة ذهبية مشبعة بالهيمنة والسيطرة،

وأخرى سوداء مظلمة تمتص الضوء والحرارة وحتى الأفكار،

وثالثة حمراء غريبة تُفكك كل ما تلمسه، حتى الفراغ نفسه.

ارتجف أرين وهو يشاهد هذا المشهد، فقد أدرك أن القوة السوداء كانت مشابهة للبقع التي ابتلعت أفكاره في القصر سابقًا.

"تلك البقع... إنها قوته، قوة ملك الهاوية!"

تدفقت الموجات الثلاث باتجاه فاليريان، لكن هذا الأخير رفع يده بهدوء، فاختفت جميعها كما لو لم توجد قط.

عندها دوى صوت بنر، هادئًا لكنه يملأ كل أركان القاعة:

"لقد محوت الهجمات من الوجود ذاته... أحسنت يا فاليريان."

ارتجفت الجموع، لكن بنر لم يُكمل.

أدار رأسه ببطء نحو زاوية مظلمة من القاعة — زاويةٍ لم يكن فيها أحد.

أرين شعر بجسده يتجمد، فالتفت يمينًا ويسارًا، لكنه لم يرَ شيئًا.

عندها فهم.

بنر يحدق فيه... هو.

قال ملك الملوك بصوتٍ ثقيلٍ ومهيب:

"كفى اختلاسًا النظر... لقد سامحتك في المرة الأولى، لكنك عدت مجددًا. هذه المرة، اذهب... ولا تعد، أيها الطفل."

قبل أن يتمكن أرين من الاستيعاب، انفجرت موجة طاقة ضخمة ودفعته بعيدًا عن الكتاب، ليغرق في الظلام ويفقد وعيه.

---

حين فتح عينيه مجددًا، وجد نفسه ممددًا على أرض الغرفة.

الضوء الخافت للفانوس كان قد عاد للوميض، وفالين يقف بجانبه بهدوء كأنه لم يتحرك منذ البداية.

سأل أرين بصوتٍ متعب:

"كم من الوقت كنت فاقدًا للوعي؟"

رد فالين بهدوء:

"حوالي ثلاث ساعات."

جلس أرين بصعوبة وقال بذهول:

"لقد رأيت ملك الملوك بنر... وتحدث إليّ."

ابتسم فالين وقال بنبرةٍ غامضة:

"لا تقلق، لقد مات منذ زمن طويل."

رفع أرين حاجبه متسائلًا:

"كيف يمكن لشخصٍ ميتٍ أن يوجّه ضربةً لي عبر كتاب؟ ومن قتله؟"

أجاب فالين بنظرةٍ عميقة:

"قتله كلٌّ من الروح الأصلية لعائلة الأركيديا... وعشيرة أسياد الروح."

تسمر أرين في مكانه، لم يفهم كل شيء بعد، لكنّه أدرك شيئًا: هناك تاريخ خفيّ بين هاتين القوتين.

سأل أخيرًا:

"ما هي الروح الأصلية؟ وما طبيعة القوى في هذا العالم؟"

اقترب فالين قليلاً، وصوته أصبح أكثر جدية:

"القوة في هذا العالم تنقسم إلى ثلاثة مسارات: السحر، والهالة، والقدرات.

السحر هو قوة المفاهيم، وهو يتطور عبر تسع دوائر. كلما ارتقى الساحر في الدوائر، زادت جودة سحره وقوته. عند الدائرة الخامسة، يكتسب الساحر قدرة فريدة لا يملكها أحد سواه، تتطور مع تقدمه.

أما الهالة، فهي القوة الخام المنبعثة من الروح والإرادة. طاقتها ترفع جسد المستخدم وذكاءه، وتمنحه تطورًا ذاتيًا. ولها تسعة مستويات تُعرف بالنجوم. عند النجمة الخامسة، يحصل المستخدم على قدرة فريدة تؤثر في العالم مباشرة.

وأما القدرات… فهي هبة تولد مع الإنسان، أو تُورّث بالدم.

بعضها بسيط، وبعضها يصنع سلالاتٍ لا تموت."

قاطعه أرين بسرعة:

"ألهذا السبب في العصر القديم كانت هناك عائلات قوية ؟ هل جميعهم يملكون قدرات؟"

أجاب فالين:

"نعم. لكن هناك شرط... القدرات لا تتوافق مع السحر والهالة في آنٍ واحد.

من يستخدم قدرته لا يمكنه تجاوز المستوى الرابع في السحر أو الهالة، وإلا مات.

أما القدرات نفسها، فلها تسعة مستويات.

في المستوى الأول تكتشف قدرتك الأصلية.

ومع كل مستوى أعلى، يمكنك اشتقاق قدرة فرعية تنبع من الأصل.

وعند المستوى الرابع، تكتسب القدرة نفسها روح.

وعند المستوى الخامس، تنال قدرة الوعي، وحينها يمكن لقدرتك أن تنقلب ضدك.

أما من يصل إلى المستوى الثامن أو التاسع… فإنه يتجاوز حدود الإنسان.

روحه تصبح كيانًا خالدًا، قادراً على ترك بصمته في العالم.

عندها، إن أنشأ عائلة، تصبح روحه ما يُعرف بـ الروح الأصلية — الأساس الذي تتفرع منه قوة تلك العائلة عبر الأجيال."

صمت فالين للحظة، ثم قال بابتسامةٍ خفيفة:

"وعائلة الأركيديا... كانت أول من فعل ذلك."

ابتلع أرين ريقه بصعوبة وسأل:

"وما هي قدرتكم الأصلية؟"

قال فالين بصوتٍ منخفضٍ لكنه مليء بالقوة:

"قدرة التلاعب بالواقع."

تجمد أرين في مكانه.

"التلاعب بالواقع؟ يعني أنهم قادرون على تغيير أي شيء... حتى القوانين نفسها..."

ارتسمت ابتسامة غامضة على شفتي فالين، وهو يراقب صدمته في صمت.

.

.

.

.

صورة لملك الملوك بنر

2025/10/12 · 58 مشاهدة · 956 كلمة
Mehdi Dz
نادي الروايات - 2026