53 - حين تتحرّك الإرادة فوق الوجود

أتمني أن تدعموني بالتعليقات.

———

الفصل 53: حين تتحرّك الإرادة فوق الوجود

في مدينة السحر ڤيريا، وتحديدًا داخل مقر رابطة السحرة البيض،

كان أرين مستلقيًا على إحدى الأرائك العشوائية، جسده ساكن تمامًا، غارقًا في حالة غيبوبة عميقة.

انهار نصف أجساده الفرعية، كخيار اضطراري لتخفيف الضغط الهائل الواقع عليه،

ومع ذلك… لم يكن وضعه مطمئنًا.

كانت روحه تتآكل ببطء.

رغم حالته السيئة، حاول أرين تثبيت وضعه، ركّز ما تبقّى من وعيه لإيقاف التأكّل،

وبعد عدة دقائق ثقيلة، استقرّت حالته أخيرًا.

عندها… بدأت الهلوسة.

رأى عالمًا غير مألوف، عالمًا يعيش بسلام،

وفجأة—

بدأ ذلك العالم بالانهيار على نفسه.

دون سبب واضح.

دون أي بوادر مسبقة.

تدمّر… هكذا فقط .

كان الناس يركضون مذعورين في كل الاتجاهات،

صراخ، فوضى، وذعر مطلق.

مشهد نهاية العالم كان مرعبًا،

لحظة واحدة فقط كانت كافية لتحصد كل تلك الأرواح.

وسط الدمار، طفا في الجو رجل يبدو في الخمسينات من عمره،

إرتسمت على وجهه ملامح معتدلة، لا غضب، لا رحمة… مجرد وجود.

انتظر أرين أن يلتفت إليه الرجل،

أن يتكرر ما حدث عند رؤيته لبنر.

لكن الرجل تجاهله تمامًا…

وغادر ذلك العالم.

من بعيد، تشققت الأرض،

وخرجت منها منصة ضخمة مربعة الشكل.

على رأس كل زاوية من زواياها،

بُني برج أسود عملاق.

وقف أرين تحت أحد تلك الأبراج،

وحدّق في الأبراج الثلاثة الأخرى.

كان تحت كل واحدٍ منها… أشخاص أيضًا.

أحدهم بشعر أسود طويل وعيون حمراء،

بدا مجنونًا… وحكيمًا في نفس الوقت.

وفي برج آخر،

وقف شاب بشعر أسود وعيون سوداء،

يرتدي نظارات،

بدا ذكيًا وماكرًا جدًا.

أما البرج الأخير،

فقد وقف تحته ظل لا يمكن تمييزه،

بسبب بعده عن أرين.

في الحقيقة، لم يميّز أرين وجوه الجميع جيدًا؛

اكتفى فقط بالملامح البارزة.

وفجأة—

في وسط المنصة،

هبط كيان مجهول من السماء كالصاعقة.

نظر أرين نحوه.

شعر أسود شديد السواد، طويل جدًا.

بشرة شديدة البياض.

عيون شديدة السواد.

وفي وجهه… شقوق سوداء.

ومن خلف ظهره،

أجنحة سوداء كالليل.

بدا مرعبًا… بشكل لا يوصف.

وفي لحظة، فتح فمه،

وأعلن بصوت مهيب:

" يمنح لكل من سقط فرصة للنهوض مجددًا.

يعطي بقدر ما يأخذ.

يؤمن أن موت الضعيف حتمي إن وجد القوي.

هذا العالم يحتاج للإعتقاد فقط ليستمر سواء كان كذب أو حقيقة.

أن تخسر دورك في هذا العالم هو إعدام لوجودك قبل ذاتك."

توقف الكيان قليلًا،

ثم أضاف:

" لذا ما أنتم إلا فرص أخري لأشخاص أخرين"

"لا تظنّوا أبدًا أنّه لا ثمن يُدفع لكلّ ما حصلتم عليه."

ما إن أنهى الكيان كلماته حتى عمّ الصمت.

في تلك اللحظة، إخترق صوت أرين الفراغ صارخًا:

"سيراس!!!"

تشققت السماء كما لو كانت قشرة رقيقة، وانفجرت المنصّة إلى شظايا، وانهارت الأبراج العملاقة دفعة واحدة، كأنّ وجودها لم يكن سوى وهم مؤقت.

من تحت أحد الأبراج المنهارة، إرتفع ضحك خافت.

إبتسم رجل بشعرٍ أسود طويل و عيونٍ حمراء متّقدة، ثم صاح بصوتٍ يحمل مزيجًا غريبًا من الجنون والحنين:

"أنت تمامًا كما كنت دائمًا يا أرين؟!"

تجمّد أرين في مكانه.

هذا الشخص… يعرفه.

عاد الشاب يبتسم، وقال بنبرة واثقة:

"نعم، أنت لا تتذكرني. لقد التقينا ذات وقت، وقلتَ شيئًا علِق في عقلي."

انفجر ضاحكًا بجنون، ثم أضاف:

"في هذا العالم، الأفكار هي كلّ شيء. هي من تحدد شخصيتك، حلفاءك وأعداءك. هي من تبني العلاقات، وهي من تُبقي العقل متماسكًا. الجنون هو إعدامٌ للأفكار… لكنه راحةٌ للعقل

كان ذلك الوصف أكثر ما يُجسدني."

تحت ضحكاته، بدأ العالم يتفتّت، طبقةً بعد طبقة.

فجأة، إستفاق أرين وهو يلهث، جسده مبلل بالعرق. شعر بشيءٍ يتحرك في أعماقه، كيانٍ يحاول الانفصال عنه.

كانت روح القدرة على وشك الصحوة.

لم يتبقَّ سوى تحقيق الشرط …

أن يموت، ثم يعيد جمع روحه، ويُعيد تكوين جسده من جديد.

ضحك أرين بهدوءٍ مرير، مدركًا أنه لا مفر.

لقد خطّط سيراس لكلّ شيء منذ البداية.

فلم يبقي سوا شهر واحد علي موته.

...

في مكانٍ آخر، كان الأمير الثاني سايرين جالسًا في غرفته بهدوء، غارقًا في حالة هلوسة حادة جعلته يرى رؤى غريبة عن نهاية العالم.

غير أن ما شدّ انتباهه حقًا لم يكن تلك الرؤى، بل وجود أرين هناك؛ كان بعيدًا عنه إلى حدٍّ لم يسمح له برؤيته، ومع ذلك استطاع أن يسمع صوته بوضوح.

كان سايرين في حالة سيئة، منهكًا من كل شيء: من موت أغنوس، إلي إعلان أرين الحرب على العالم، ناهيك عن الحرب مع الأركيديا. لم يعرف هذا الإمبراطورية أي هدوء، فقد تتابعت الأحداث بسرعة وبنسق منظم لا يترك مجالًا لالتقاط الأنفاس.

كما قال أرين سابقًا، لم يكونوا سوى بيادق وُضعت على رقعة أُعدّت سلفًا.

مع ذلك، كان عقل سايرين مشوشًا أكثر من اللازم.

سماع اسم المتحرر لم يكن أمرًا عابرًا، بل فعلًا له عواقب وخيمة، فمن ألقاب المتحررين هو… اسم لا يوصف.

بدأ عقل سايرين يذوب تحت وطأة الضغط، أفكاره تتشقق وتنهار، لكن قوة غير مرئية تدخلت فجأة، تعيد تنظيم عقله بعنف هادئ، كأنها تربط جسده المنهك بزمنٍ كان فيه في حالةٍ مثالية.

ربطت حالته المرهقة بالعدم، فتلاشى الإعياء، واختفى التعب، ليحلّ مكانه التعافي والصحة.

وما تلا ذلك لم يكن سوى همسات…

أصوات متداخلة، غير واضحة، تتسلل إلى أعماقه:

«ڤريا… لوكا… ڨريا…

العقد… العقد…

تجسيد الشر الواعي، تجسيد الأفكار والرغبات المظلمة…

العقد… لا… تنسَ»

انهار سايرين على ركبتيه من شدة الألم، أنفاسه متقطعة، وعقله يصرخ بأسئلة لا يجد لها إجابة:

"لماذا يحدث لي هذا؟

ومن صاحب هذا الصوت؟

ومن يكون هذا الكيان الذي تعاقدت معه؟

ومتى حصل ذلك؟

ولماذا تعاقدت معه من الأساس؟

ما الذي حصلت عليه؟

وماذا يجب أن أقدمه؟"

غرق سايرين في حيرةٍ خانقة، غير مدرك لما يجب عليه فعله، حتى شعر بشيءٍ آخر…

روح قدرته.

كانت تتحرك.

تتغير.

تتطور.

لقد أصبحت على وشك اكتساب الوعي… وعلى حافة بلوغ المستوى الخامس.

وكل ما تبقى هو تحقيق الشرط.

«أن ينصر العدالة… ولو على حساب حياته».

وفي تلك اللحظة، اخترق صوتٌ عميق عقل سايرين، صوت أحد قديسي عائلة هايدرن:

"عندما تدرك أن العدالة أثمن من الحياة،

حينها ستدرك أنه مهما بدا العالم قاسيًا وغير عادل،

فهو لا يظلم أحدًا.

إن العدالة شيء فطري،

أما الظلم… فمن صنع البشر."

تأمّل سايرين كلمات القديس بصمتٍ قصير، كأنها أيقظت في داخله خيطًا من القلق لم يفارقه يومًا، ثم قال بهدوءٍ صادق:

"أيها الجد كايلوس، كيف حال السلف؟ سمعت أنه ليس بخير."

ضحك كايلوس ضحكة خفيفة، تحمل دفئًا لا يليق إلا بمن عرف ثقل الأسرار، ثم أجاب:

"أنت الوحيد الذي يقلق على الأب هكذا، فلا عجب أنه يفضلك كثيرًا.

اطمئن، إنه بخير… يحتاج فقط أن يبقى في كون اللورد فالرين لوقتٍ معين."

قالها كايلوس، لكن ذهنه كان قد انزلق إلى الماضي، إلى اللحظة التي وُلد فيها سايرين.

طفرة… هكذا وصفه الجميع.

طفلٌ كان واعيًا لكل شيء منذ أن فتح عينيه على العالم، وكأن الإدراك سبق الجسد. ظنّ الكثيرون أنه سيكون الإمبراطور التالي بلا منازع، غير أن شقيقه الأكبر فالتر أثبت موهبةً فاقت التوقعات.

لكن في عائلة هايدرن، لم يكن ذلك مشكلة قط.

فكل من وُلد وهو يحمل دم الملك الأعمى، كان ملكًا بلا شك، حتى وإن عاش بلا تاج ولا مملكة.

كان الأطفال في هذه العائلة يُعاملون كملوك منذ لحظة ولادتهم، وحين يبلغون السابعة، يُؤخذون لزيارة الملك الأعمى نفسه. هناك، يفحص موهبتهم… ويمنحهم لقبًا.

واللقب، في هايدرن، لم يكن زينةً تُحمل ولا اسمًا يُتفاخر به،

بل مسارًا…

طريقًا يُرسم لحياتك منذ تلك اللحظة.

عندما يقف الأطفال أمام كيانٍ عظيم مثل الملك الأعمى، كانوا يرتجفون.

الخوف يشلّهم، التوتر يعقد أنفاسهم، ولا يجرؤون حتى على رفع أعينهم للنظر في وجهه.

لكن سايرين… كان مختلفًا.

لقد نظر في وجه الملك الأعمى مباشرة.

وفي نظره، لم يكن ما يقف أمامه كيانًا عظيمًا تتجسّد فيه الهيبة،

بل رجلًا أنهكه ثقل المسؤوليات الملقاة على عاتقه،

يعاني وحيدًا… في صمتٍ لا يراه أحد.

وحين رأى سايرين ذلك المشهد، ورغم أنه لم يكن سوى طفل في السابعة، اقترب دون تردد.

اقترب، ثم ارتمى في حضن الملك الأعمى، عانقه بعفويةٍ خالصة، وقال بصوتٍ صغير… لكنه صادق:

"لا بأس، كلنا معك… أنت لست وحيدًا بعد الآن."

كان فعلًا بسيطًا.

لا قوة فيه، ولا نبوءة، ولا طقس مقدس.

ومع ذلك…

ترك أثرًا عميقًا في هايدرن.

...

في الكون المستقل الخاص بالنجم الهاوي فالرين،

امتدت قاعة عظيمة تفيض بالعظمة والرهبة، جدرانها مكسوّة بنقوش وتماثيل وجداريات متنوّعة، تُجسّد ملك الملوك بنر ومختلف الأرواح العظيمة. كان سقفها مكشوفًا، يطل على كون زاهٍ بالألوان، كأنه لوحة حية معلّقة فوق الوجود.

جلس كلٌّ من فالرين، وأرڨان، وهايدرن في هدوءٍ مطبق.

وبالنسبة لأرواح عظيمة مثلهم، كان البقاء ساكنين دون فعل أي شيء، أشبه بالتماثيل، أمرًا بسيطًا لا يتطلب جهدًا أو وعيًا.

وسط هذه الأجواء السلمية والهادئة…

تجسّد فاليريان فجأة خلف عرش فالرين.

اتسعت عينا الأخير في دهشة وصدمة.

ما فعله فاليريان كان مستحيلًا.

لقد دخل الكون الخاص بفالرين—كونًا مستقلًا صُنع بواسطة قدرته، ليس مكانًا يمكن الذهاب إليه لأنه غير موجود في الواقع.

مكان لا تُقيّده القوانين، ولا يُدرَك بالوعي.

لم يكن هناك أي تأخير، ولا حاجة لتحليل الوضع.

كل شيء كان واضحًا أمامهم.

فاليريان… يهاجم.

تجسّد ثقبٌ أسود مظلم خلف رأس أرڨان، ومعه صمت الكون بأسره.

الأصوات اختفت، والظلام انتشر، يبتلع كل ما أراده أرڨان أن يختفي.

وبجانب أرڨان، وفي اللحظة ذاتها، انبثق ضوء ذهبي من هايدرن.

قيّد فاليريان وأخضعه، ثم ومع تردّدٍ عالٍ من الهيمنة، بدأ هايدرن يفرض سيطرته عليه.

أما فالرين، فقد تحرّك بسرعة.

نقل نفسه وهايدرن وأرڨان خارج القاعة، تاركًا فاليريان داخلها.

ثم، وبفرقعة أصابعه، جسّد نجمًا عملاقًا داخل القاعة، وضغطه إلى أصغر حجم ممكن…

ليزيد حدّة الضرر.

وفجأة… اختفى كل شيء، كما لو لم يكن.

وقف فاليريان بلا أي خدش على جسده.

«سلطة الإختراق»… سلطة تمنح لمالكها إمكانية اختراق أي شيء، سواء كان مكانًا، زمانًا، أو حتى فكرة مجردة.

أي شيء يتم إختراقه يمنح سيطرة جزئية عليه.

على سبيل المثال، إذا إخترقت أفكار كيان معين، تستطيع السيطرة جزئيًا على أفكاره.

سلطة الإختراق ليست كلية القدرة، لكن فاليريان، عبقري مرعب، صبغ عليها صفة الشمولية، فصار الأمر قريبًا من كونها كلية القدرة.

تنهد فاليريان وهو ينظر نحو هايدرن:

"هايدرن، أليس لديك أي شيء جديد؟"

ثم بدأ يوضح بصوت هادئ، كأنه يدرس قوة الطرف الأخر:

" —الإخضاع، وهو أشبه بالتقييد، حيث تقمع خصمك لا بالقوة وحدها، بل بالشرعية.

—الهيمنة (السيطرة)، أشبه بطوق العبودية، حيث ينحني كل شيء تحت سلطتك بغض النظر عن ماهيته.

—التملك، أن تجعل أي شيء، وأيا كان، تحت ملكك، وتحويله إلى جزء من مملكتك؛ كزينة، كغرض شخصي، أو حتى كفارس لا يملك الحق في التفكير في خيانتك. "

تنهد مرة أخرى وأضاف:

" فقط هذا كل ما تمتلكه… أو بشكل أدق، هذه هي أعمدة قوتك، صحيح؟ "

...

في مكان بعيد، وقف نورين يراقب الجميع عبر استنساخاته اللانهاية، حيث تسمح له «سلطة الذات» بجعل أي شيء في هذا العالم جزءًا منه أو امتدادًا له، بحيث يمكن لأي شيء وفي أي وقت أن يصبح نورين.

بعد المشاهدة لفترة ما، كان منه إلى أن تنهد، فبعد كل شيء نورين لديه أهدافه الخاصة؟ تلك التي لن يفهمها أحد؟

إذا كان فقدان الشيء العزيز عليك أمرًا حتميًا، فإنك ستسعى لاستعادته مهما كانت النتائج.

لكن حتى لو استعدته الآن، ستفقده غدًا، وهكذا تستمر الدورة لمالا نهاية، حتى تتكون لديك قناعة راسخة أن الوقت وحده كفيل بجعل كل شيء يفقد قيمته.

———

(نهاية الفصل 53)

ملاحظة المؤلف: حسنا إلتقينا مجددًا حسنا سبب

التأخير هو الجامعة.

المهم الفصل القادم سيكون بداية النهاية بالنسبة للمجلد الأول.

أتمني أن تدعموني بالتعليقات.

أيضا ركزوا على كلام الكيان المجهول كلامه ليس عشوائي.

2026/01/28 · 10 مشاهدة · 1755 كلمة
Mehdi Dz
نادي الروايات - 2026