الفصل54: أصل الزوال

بعد فشل محاولة الجيش الإمبراطوري وعائلات الدم في تحرير مدينة السحر ڨيريا من سيطرة قديس الحرب أرين، انقلب الرأي العام إلى حالة من الفوضى العارمة.

لم يعد ما يحدث مجرد تمردٍ خطير أو سلسلة انتصارات غير متوقعة.

أرين تمكّن من هزيمة جيش إمبراطورية لوسيان أكثر من مرة، واستهدف عائلات الدم مباشرة، وخرج منتصرًا في كل مواجهة. ومع ذلك، ظلّ الكثيرون يعتقدون أن هناك حدًّا لا يمكن تجاوزه… خطًّا أحمر لا يُمس.

لكن إسقاط مدينة السحر ڨيريا حطم ذلك الوهم تمامًا.

فالمدينة لم تكن مجرد مدينة محصنة، بل كانت ثاني أقوى مدينة في الإمبراطورية بعد العاصمة لوكسيفار.

مدينة تغلي بالسحرة الكبار، وتضم مختلف المدارس والمنظمات الرائدة في عالم السحر، مركزًا تتقاطع فيه المعرفة، السلطة، والتقاليد السحرية العميقة.

سقوطها لم يكن خسارة عسكرية فحسب، بل ضربة مباشرة لهيبة الإمبراطورية ذاتها.

وفوق كل ذلك، لم يكن الأمر نتيجة إهمال أو ضعف في التحصين.

فقد أُرسل ما يزيد عن مئة ألف جندي لمحاصرة المدينة، قوة كافية—نظريًا—لخنق أي تهديد قبل أن يتجذر.

ومع ذلك… سقطت ڨيريا.

أما بالنسبة لتحالف الممالك الخمسة، فقد وصلت الأخبار متأخرة، متأخرة إلى حدٍ خطير.

فإمبراطورية فالكان اقتُلعت من الأرض نفسها، ليحلّ مكانها بحرٌ عظيم، امتدّ كفاصل قاسٍ بين إمبراطورية لوسيان وتحالف الممالك.

ذلك البحر لم يكن مجرد عائق جغرافي،

بل حاجزًا قطع طرق التواصل، وألغى أي وسيلة لنقل الأخبار بشكل فوري إلى الضفة الأخرى.

وهكذا، بينما كانت إمبراطورية لوسيان تعيش صدمة سقوط ڨيريا،

كان تحالف الممالك الخمسة لا يزال في ظلام الجهل… غير مدرك أن موازين العالم قد بدأت بالانحراف بالفعل.

...

بعد ما يقارب ساعتين من الإغماء، نهض أرين من الأريكة ببطء، وتوجّه نحو النافذة لمعاينة المدينة.

كانت الأجواء هادئة على نحوٍ غير مألوف.

فبعد الحرب الطاحنة التي سقط فيها مئات السحرة، ومات خلالها آلاف المدنيين، لم يجرؤ أي شخص على التجوّل في الخارج. الجميع اختبأ في الأقبية، بينما السحرة الذين ظلّوا على قيد الحياة رفضوا القتال، بعد أن أدركوا أن لا جدوى منه.

اختبؤوا في منازل المواطنين وفي المجاري، استعدادًا لأي صراعٍ آخر، أو للتدخّل عند الضرورة لحماية المدنيين.

وسط تلك الأجواء الساكنة، بدأ الثلج يتساقط من السماء كالقطن، كأنه يحاول إخماد نار حربٍ دامت طويلًا.

خلف أرين، فُتح الباب، ودخل فالين ليطمئن على حال صديقه.

من دون أن يستدير، فتح أرين فمه بهدوء وقال:

"شابٌ بشعرٍ أسود طويل وعيونٍ حمراء دموية… يعطيك انطباعًا بأنه مجنون وحكيم في الوقت نفسه. من يكون بالضبط، يا سيدي المتراجع؟"

ردّ فالين بنبرة هادئة:

"تقصد رجلًا صارع الجنون، وتخبط في قاع الكون، وبعد وقتٍ لا يُفسَّر… استعاد عقله من جديد."

انتبه أرين لوصف فالين لعمر ذلك الغريب.

"لا يُفسَّر؟"

لماذا لا يُفسَّر؟ كان بإمكانه القول إنه طويل… أو لا يُقاس.

"لماذا نحن فرصٌ أخرى لأشخاصٍ آخرين؟" سأل أرين مرةً أخرى.

"..."

لم يحصل على رد.

ثم سأل للمرة الثالثة:

"من هو الذي يمنح لكل من سقط فرصةً أخرى للنهوض مجددًا؟

من يعطي بقدر ما يأخذ؟"

"..."

مرةً أخرى، لا رد.

بعد صمتٍ قصير، فتح فالين فمه أخيرًا وقال:

"قبل تراجعي، كنا أنا وأنت وذلك الشخص أصدقاء. قاتلنا معًا في معارك لا حصر لها ضد الجيوش التابعة للمتحرر."

"أصدقاء تقول؟" علّق أرين بسخريةٍ خفيفة.

"آسف، لكنك في وضعك الحالي بعيد كل البعد عن تكوين صداقات… أو عن أن تكون صديقًا لأحد."

تابع فالين حديثه دون أن يتأثر:

"ومع ذلك، مهما كنا أقوياء، ستجد دائمًا من هو أقوى منك ليعترض طريقك.

فكّر بالأمر فقط… عندما تكون ضعيفًا وتتعرض للتنمّر، هل تعتقد أنه بمجرد أن تصبح أقوى ستتمكن من التخلص منه؟"

توقف لحظة، ثم أكمل بصوتٍ أثقل:

"لا. هذا مستحيل.

مبدأ التسلّط يبدأ من حقيقة وجود قوةٍ أقوى منك. وطالما تلك القوة موجودة، فحياتك تظلّ دائمًا تحت رحمة الأقوى."

تأمّل أرين كلام فالين بعمق.

فكونه روحًا عظيمة من المستوى التاسع في حياته الماضية، يعني أنه كان مالكًا لسلطة، أي أنه وقف يومًا على قمة العالم نفسه.

وحقيقة وجود قوةٍ أكبر منه… لا تعني سوى شيء واحد.

المتحررون !.

سأل أرين بهدوءٍ ثقيل:

"ما هو عدد المتحررين في الكون؟"

ردّ فالين دون تردد:

"اثنا عشر… وإذا احتسبنا المتحرر المخفي، يصبحون ثلاثة عشر."

تفاجأ أرين.

هل يوجد هذا العدد من المتحررين؟

للوهلة الأولى، قد تبدو أعدادهم قليلة، لكن الحقيقة مختلفة تمامًا.

كل واحدٍ منهم كيانُ رعبٍ كوني عظيم…

ومجرد وجود هذا العدد منهم كان كبيرًا… كبيرًا جدًا.

لمح فالين الصدمة المرتسمة على وجه صديقه، فأضاف بصوتٍ أكثر انخفاضًا:

"معظم هؤلاء المتحررين مفككون.

باختصار، تعرّضوا للتدمير في العصور الغابرة، وفقدوا السيطرة على سلطاتهم المقابلة، ولم يتبقَّ من وجودهم سوى شيء واحد…

وجودٌ معلّق داخل عوامل تحررهم الخاصة."

ثم تابع، وكأنه يكشف حقيقة منسية:

"عامل التحرر… هو ما كان يُعرف سابقًا بالأصل الزائف.

هو همزة وصل تربط بين السلطات المتجاورة.

أي إن اختارت أي روحٍ عظيمة مسار تحرر مماثلًا لمسار متحررٍ ساقط، فسيستيقظ ذلك المتحرر داخلها.

أما إن اختارت مسار تحررٍ مغاير، فإن فرصة عودته تقل."

توقف لحظة، ثم سأل بنبرةٍ ذات مغزى:

"ألا يذكّرك هذا بشيءٍ ما؟"

صُدم أرين بما سمع.

وأول ما خطر في باله… كان ملك الملوك بنر.

فقد سيطر بنر على سلطة القوانين، مقرونةً بعامل التحرر «العرش المعلّق»، رغم أن سلطة ظل القانون لم تكن مملوكةً لأحد.

كان أمرًا غريبًا…

أن يتشكّل عامل تحرر—الأصل الزائف—ليربط بين سلطة القانون وسلطة ظل القانون.

عندها، تذكّر أرين كلمات بنر عن المتحرر…

«ظل القوانين العليا».

شعر بقشعريرةٍ تسري في عموده الفقري.

السبب الحقيقي لعدم رغبة بنر في أن يصبح متحررًا، وعدم سعيه للحصول على سلطة ظل القانون، لم يكن ضعفًا…

بل خوفًا من أن يستيقظ داخله المتحرر: ظل القوانين العليا.

كان يؤجّل ارتقاءه، منتظرًا العثور على مسار تحررٍ آمن.

لكنّه… سقط في النهاية.

سواء كان المخطط الذي دفعه إلى السقوط من صنع أزوريان أو من غيره،

فلا شك في أمرٍ واحد…

كان مخططًا شيطانيًا بحق.

حركةٌ واحدة فقط…

أدّت إلى سلسلةٍ من الأحداث، انتهت بسقوط بنر، وختم خطر المتحرر ظل القوانين العليا… مؤقتًا.

...

العاصمة لوكسيفار

في قلب القصر الإمبراطوري لعائلة هايدرن.

خرج سايرين من غرفته وسار في الأروقة الواسعة للقصر، حيث كان التوتر يخيّم على المكان كهواءٍ ثقيل يصعب التنفّس تحته.

الخدم يركضون بين الممرات، يتوقفون للحظة لينحنوا باحترام أمام سايرين، ثم يواصلون اندفاعهم، وكأن القصر بأكمله في سباقٍ مع الزمن.

في قاعة العرش، كان الإمبراطور منشغلًا بمناقشة أوضاع الإمبراطورية مع وزرائه.

فكونه إمبراطورًا لم يكن مجرد لقب، ولم تكن الحرب الدائرة عذرًا يسمح له بأن يغضّ الطرف عن معاناة شعبه.

واصل سايرين سيره حتى توقّف أمام بابٍ شاهق، مصنوع من أجود أنواع الخشب، ومغطّى بزخارف دقيقة ومتداخلة، تشهد على عظمة ساكنه.

طرق الباب بخفة.

وبعد لحظة، جاءه صوتٌ مهيب من الداخل:

"تفضل."

فتح سايرين الباب، ليقع بصره على غرفةٍ تفيض بالهيبة.

جداريات متقنة ولوحات فخمة تزيّن الجدران، ومكتبٌ ضخم يتوسط الغرفة، وإلى جانبه سرير كبير.

كانت النوافذ مفتوحة، تسمح بدخول الضوء والهواء، وكأن الغرفة تحاول مقاومة ثقل الأيام الأخيرة.

جلس فالتر على كرسي المكتب، غارقًا بين أكوام من الأوراق، يحدّق في أخيه بنظرةٍ تختلط فيها مشاعر الحزن والذنب.

تنهد سايرين، ثم قال بهدوء:

"أعرف أنك أردت حمايتي…

وأردت تطهير هذه الإمبراطورية من كل الخونة.

والوقوع في الأخطاء تحت هذا الكم من الضغوط أمرٌ حتمي.

لذا، فلننسَ كل شيء الآن.

نحن مقبلون على حربٍ طاحنة… فلنقاتل حتى النهاية، كأخوين حقيقيين."

ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه فالتر، وهو يستعيد ذكريات طفولتهما.

لطالما كانا معًا.

ولطالما وقف سايرين إلى جانبه، حتى عندما اختير فالتر وريثًا للعرش، لم يُبدِ اعتراضًا… بل دعمه دون تردد.

قال فالتر بنبرة خفيفة، لكنها حازمة:

"حتى لو خسر الجميع… أنا سأفوز."

وما إن نطق بها، حتى انفجر الشقيقان بالضحك.

في تلك اللحظة، وصل الأمير الثالث أدريان خلف سايرين، و وضع مرفقه على كتف أخيه وقال بنبرة متذمرة:

"لماذا أشعر دائمًا أنني أكثر شخصٍ مُهمَّش في هذه العائلة؟"

ردّ سايرين عليه ساخرًا:

"هذا لأنك الابن الأوسط."

وعندها… ضحك الجميع.

...

في الكون المستقل الخاص بالنجم الهاوي فالرين،

وقف فاليريان فوق أنقاض القاعة المدمّرة، تحيط به بقايا الأعمدة المتهاوية وآثار صدامٍ لم يهدأ صداه بعد. رفع بصره بهدوء نحو الشخصيات الثلاث الطافية في الهواء، كأنهم مخلوقات سامية تراقب العالم من علٍ.

كانوا يفيضون بالقوة، حضورهم وحده كافٍ لثقل المكان، وبعد لحظاتٍ من الصمت المشحون، فتح هايدرن فمه أخيرًا:

" فاليريان… ما الذي تريده من كل هذا؟ "

ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتي فاليريان، وقال بنبرةٍ هادئة تحمل سُمًّا خفيًا:

" مهما بلغنا من القوة والمكانة، فجوهرنا واحد… نحن بشر.

في الخارج، ابني مع صديقه يسحقان أحفادكم، وبدون سببٍ مقنع حقًا.

كل ما في الأمر أنه مجرد نزوة منهم، لا أكثر.

هيه… هذا مضحك، أليس كذلك؟ "

ثم ضاقت ابتسامته قليلًا، وتابع بصوتٍ أعمق:

" لكن… ألا يذكّركم هذا بشيءٍ ما؟

مثلًا، إبادة عائلة الأركيديا دون سبب، رغم أن أسياد الروح ساهموا في حفظ معظم أرواح عائلتي، ومع ذلك… مات عددٌ كبير منهم.

وماذا عن عشيرة أسياد الروح؟ لقد تعرّضوا للإبادة بلا سبب أيضًا.

فقط فكّروا في الأمر… أَلستم مثل أولئك الأطفال؟ "

ردّ هايدرن بثباتٍ بارد، دون أن يهتز صوته:

"أجل، أجل… عائلة الأركيديا وعشيرة أسياد الروح.

هم من أعلنوا الحرب على العالم، وأطلقوا عصر الدمار والخراب.

كان لا بد من قتلهم لتهدئة الوضع.

ومنذ متى أصبح المجرمون يطالبون بالعدالة؟"

ضحك فاليريان، ضحكة قصيرة خالية من المرح:

"للعلم… من أعلن الحرب كان أنا.

وأنا من فاز، وليس أنتم.

قلت إنني سأبيد كافة القوى، ونجحت في ذلك.

قلت إنني سأدمّر ممالككم أيها الملوك الثلاثة، وفعلت.

قلت إنني سأسقط ملك الملوك بنر… وفعلت.

وفي النهاية، ها أنا هنا… حيٌّ أُرزق."

ثم نظر مباشرة إلى هايدرن، وعيناه تلمعان بازدراء:

"هايدرن، كان موت والدك ضروريًا ليعيش أبناؤه.

لكن بعد التفكير بالأمر… لقد كان خطأً فادحًا.

أن يموت ملك الملوك ليعيش أبناؤه الحثالة… أمرٌ مؤسف حقًا."

إتقد الغضب في صوت هايدرن وهو يردّ:

"على حد علمي… لقد تم قتلك على يد الأب.

أنت لم تنتصر عليه."

أجاب فاليريان ساخرًا، دون أن يخفي احتقاره:

"وأنت… ماذا فعلت يا هايدرن؟

لم تقاتل مع المقاتلين، ولم تختبئ مع المختبئين،

ومع ذلك… تتكلم؟"

اشتعل الغضب في صدر هايدرن، وعاد به الزمن إلى ذلك اليوم المشؤوم…

اليوم الذي حاول فيه إيرافين قتل أليسيا.

كان ذلك في أواخر عصر الدمار والخراب، حين بلغت الحرب ذروتها.

حينها كان هايدرن في المستوى الثامن، بينما كان إيرافين، ملك السيف ذو الثمانية نجوم، لا يُقهر تقريبًا، وأقوى كيانٍ تحت أصحاب السلطات في المستوى التاسع.

لم يتردد هايدرن آنذاك، واندفع لإنقاذ أخته.

وعندما عاد، مثقلًا بالجراح… وجد والده ميتًا.

ومن هناك، بدأت نهاية عصر الدمار والخراب.

في الحاضر، أصبح هايدرن جادًا تمامًا.

انحسر الضوء الذهبي حوله، ثم بدا كأن الشمس نفسها قد أشرقت لتنير ظلمات الكون.

وفجأة، توسّعت هالته الذهبية لتغلف كل شيء، حاملةً معها صورًا متداخلة.

وفي لحظةٍ واحدة، تجسدت مملكة عظيمة تحيط بالكون،

وتشكّل تاجٌ ذهبي وهمي فوق رأس هايدرن.

بدأت أضواء تشبه النجوم الصغيرة تطفو حوله،

ثم تشكّلت في فرسان بدروعٍ ذهبية ونحاسية متنوّعة.

وأخذ الضوء الذهبي شكلًا ماديًا حول يدي ورجلي هايدرن،

متكثفًا في درعٍ وهمي مناسب لجسده، ينساب تحت ملابسه،

مطلقًا هيمنةً وقوةً طاغية.

ابتسم فاليريان، وفرقع أصابعه بهدوء.

«سلطة الاختراق»… تلك السلطة التي تمنحه سيطرةً جزئية على أي شيء يتم اختراقه.

كان فاليريان قد اخترق كون فالرين المستقل بفرقعة أصابعه،

وسمح لـالحكم بالهلاك بالدخول إلى هذا الكون !.

كما سمح بدخول إيرافين !.

فوق الكون المستقل، تجسّد التمرد على شكل برقٍ

أسود وتياراتٍ مظلمة،

اصطدمت مباشرة بالأضواء الذهبية التي تمثل الهيمنة والنظام الخاصين بهايدرن،

في مشهدٍ بدا كلوحةٍ تجريدية تتداخل فيها الألوان،

صراعٌ بين النظام والتمرد،

بين الهيمنة والانهيار.

(نهاية الفصل 54)

...

ملاحظة المؤلف: السبب في تأخير هو الجامعة،

تنهد. إنها واحدة من أكثر الأماكن التي أكره التواجد

فيها لكن ليس هناك حل أخر.

2026/02/10 · 12 مشاهدة · 1811 كلمة
Mehdi Dz
نادي الروايات - 2026