الفصل السابع: نذر العاصفة فوق مراعي الظلال
في الغرب المليء بالمراعي المستوية والغابات المترامية، حيث تمتد الخضرة إلى ما لا نهاية وتختلط الأرض بالسماء في غشاوة رمادية، كان حصن الظل يقف شامخًا وسط الطبيعة، يرمز إلى صمود الإنسان أمام المجهول.
على أعلى برج من أبراجه، وقف البارون باول مرتديًا درعه الأسود العتيق الذي ورثه عن أسلافه، يراقب الأفق بعينين صقلتهما سنوات من المسؤولية واليقظة. بدا في أوائل الثلاثينيات من عمره، لكن الإرهاق المتراكم جعله يبدو أكبر سنًا. ورغم قسوته ودقته العسكرية، إلا أن قلبه ظل يحتفظ بزاوية دافئة — عائلته، زوجته الهادئة، وابنه الصغير الذي كان مصدر راحته الوحيد.
كل مساء، حين يعود من عمله المثقل، يستقبله صوت ضحكات ابنه يتردد في أرجاء القصر.
يركض الصغير نحوه بحماسة ويقول وهو يقفز في أحضانه:
"أبي! أبي! أريد أن أصير مثلك يومًا ما!"
ابتسم باول مازحًا:
"حقًا؟ إذًا عليك أن تدرس جيدًا. إن نجحت سأجعلك فارسًا."
أجاب الطفل بملامح مصدومة:
"أدرس؟... حسنًا، أعدك يا أبي! لكن عدني بالمقابل!"
ضحك باول بحرارة:
"أعدك."
ركض الصغير نحو المكتبة بحماس، لتبتسم زوجته من بعيد وهي تراقب المشهد، ويشعر باول براحة نادرة وسط صخب واجباته.
لكن الهدوء لم يدم طويلًا.
عاد إلى مكتبه المضاء بشمعة واحدة، وبدأ يكتب في دفتر مذكراته بحبر خفي:
"اليوم الثالث عشر من الشهر العاشر لعام 1830 من تقويم إمبراطورية لوسيان.
لم يحدث شيء غير اعتيادي. كل شيء هادئ... باستثناء غريبين دخلا مدينة الحصن.
سبب قدومهما غير واضح، بخلاف بقية الزوار الذين يدخلون لأسباب تجارية أو عائلية أو عسكرية.
أمرت بمراقبتهما، لكن بهدوء. لا أريد أن يثير رجالي أي انتباه. يجب تسجيل تحركاتهما،
الأماكن التي زاروها، وما تناولاه من طعام..."
أنهى السطر الأخير، ثم أحرق الورقة بهدوء، فاختفت الكلمات كما لو أنها لم تكن.
في تلك اللحظة، كانت عيون مطاردي القصر تتحرك في الظلال، تنفذ أوامر سيدها في صمت.
لكن منتصف الليل جلب معه اضطرابًا غريبًا.
شعر باول بالأرض تهتز تحت قدميه، وكأنها تتنفس. نهض بسرعة وتوجه إلى أحد الأبراج العليا، وما إن رفع منظاره حتى اتسعت عيناه — موجة هائلة من الوحوش تزحف من الأفق، لا تُحصى أعدادها.
دوّى جرس الإنذار، واستيقظت المدينة على صرخات التحذير.
في غضون دقائق، كان الجنود مصطفين خلف قائدهم، بينما كان باول يرتدي درعه ويعطي أوامره بهدوء قاتل.
"هذه الموجة لم تحدث صدفة،" قالها لذراعه اليمنى، الاستراتيجي ويلسون.
"شخص أو أكثر افتعلها عمدًا. الطريقة مجهولة، لكنني متأكد من أنهم تداخلوا في التخطيط، بحيث لا أجد خيطًا يقودني إليهم.
هذا الهجوم ليس الهدف، بل إلهاء لشيء آخر يجري في المدينة أو قريبًا منها."
اقترب من ويلسون أكثر، وصوته انخفض إلى همس:
"حين أخرج لقيادة الجنود، فتّش المدينة والمناطق المحيطة، لكن بسرية تامة.
راقب أي تصرف غريب — أي شخص غيّر ذوقه في الطعام، أو طريقته في المشي، أو حديثه.
افحص تصرفات الناس من الشهر الماضي إلى اليوم الخطط مثل هذه يجهزون لها قبل مدة من بدأ التنفيذ.
واطلب الدعم من عائلة الدم الحديدي دراغور، المسؤولة عن المقاطعة، ومن القصر الإمبراطوري في لوسيان.
وإن حدث وسقط الحصن، أو تم قتلي أو استبدالي، فأخبرهم أن يحققوا في أمري أيضًا. هل فهمت، يا ويلسون؟"
"نعم سيدي، علمٌ وينفّذ."
تنهد باول وهو ينظر إلى الأفق المشتعل بضوء القمر.
"الغريبان اللذان دخلا قبل أسبوعين... هل يمكن أنهما السبب؟ لا بأس. لننهي موجة الوحوش أولًا."
ثم صعد جواده، وخرج لقيادة المعركة بنفسه.
وفي تلك اللحظة بالذات، كانت الظلال تتحرك داخل قصره.
في مكتبه، الذي لا يزال الدفتر فيه دافئًا من لمسة قلمه، تجسد ظلّان بهدوء — فالين وأرين.
كانا ينتظران عودة البارون... لدق أجله.
---
قبل أسبوعين — داخل مدينة الحصن
دخل فالين وأرين عبر البوابة الغربية للمدينة. كانت المدينة نابضة بالحياة، ضجيج الأسواق يمتزج بصوت النواقيس الحديدية التي تحذر من الغرب المستوي والغابات المحيطة.
قال أرين وهو ينظر إلى القلعة من بعيد:
"أي نوع من الرجال هو باول؟"
أجابه فالين بابتسامة هادئة:
"ذكي جدًا. كونه مستعمل هالة من فئة الأربع نجوم يعني أن تدفق أفكاره أسرع بأربعة عشر ضعفًا من البشر العاديين.
لديه خبرة في القتال والقيادة، أي أنه أقوى وأذكى منا الآن."
تنهد أرين:
"إذن لا يمكن قتله إلا بتدمير الحصن نفسه وجعل الوحوش تتدفق نحوه... لكن كأننا قادران على ذلك."
"هناك طرق كثيرة لفعلها، لا تقلق."
"لكن، هل يستحق باول الموت؟ يبدو كحامٍ، لا كطاغية."
نظر فالين إليه بنظرة باردة فيها شيء من السخرية:
"هو كذلك، حامٍ وزوجٌ وأبٌ وقائدٌ نبيل.
لكن في هذا العالم، الجميع مثل باول — لديهم من يحبون ويحتمون به.
ومع ذلك، لا يعيش الجميع. المصالح هي التي تحدد من يُقتل ومن يُنجى.
باول سيكون تهديدًا لمستقبلي، لذا يجب أن يموت.
هذا العالم يقودك إلى نهايتك يا أرين:
إما أن تسير عكس إرادته وتصبح بارد القلب لتعيش...
أو تنتهي كمن كرهت أن تكونه وتموت."
سكت أرين قليلًا، ثم غيّر الموضوع قائلًا:
"كيف سنجعل الوحوش تهاجم إذًا؟ ما هي الخطة؟"
ابتسم فالين:
"الخطة بسيطة ومعقدة في الوقت نفسه..."
---
في الليلة التالية، خرج الاثنان إلى الغابة المظلمة، مستخدمين قدرات فالين على تمويه الواقع.
ثبت مشهدًا زائفًا لهما في الفندق — نسختان نائمتان، لا يمكن تمييزهما حتى من قِبَل السحرة.
في الغابة، بدأ أرين عمله: استنسخ روحه وقسمها إلى شظايا لا تُحصى، أرسلها تتسلل إلى عقول الوحوش.
كانت تلك الشظايا غير قادرة على تلبّس الأجساد، لكنها تستطيع التأثير في الأفكار البدائية.
زرع أرين عبرها نداءً غريزيًا:
الفرائس تتجه نحو الحصن... والمفترسات تتبعها.
تحت ضغط العملية كاد ينهار، لولا دعم فالين له الذي وجّه الأحداث و"الواقع" ليجعل المزيد من الوحوش تنضم إلى الزحف.
قال أرين وهو يلهث:
"إذا كنت تستطيع فعل كل هذا، لماذا تحتاجني؟"
أجاب فالين بابتسامة غامضة:
"لعدة أسباب. أولًا، كي لا يتمكن أحد من فهم المتسبب الحقيقي بعد اختلاط السحر بالقدرات.
ثانيًا، لأنك بلا مصير في هذا العالم، ما يعطل قدرات العائلات النبيلة مثل أزويان على تعقبنا.
وثالثًا، لأن باول سيُضلل — سيظن أننا نحاول شيئًا آخر تمامًا.
سيحشد قواته، يرسل الرسائل كما سيحرك كل القوي الفعالة في القصر للتحري و حماية المدينة إن أرد الجنات فعل شي ء ما فسيفعلونه عندما لا يكون باول في الحصن، ويستبعد احتمال اغتياله... حتى اللحظة الأخيرة."
وقف أرين صامتًا، يفكر في كل كلمة.
هل فالين بهذا الذكاء... أم أن هذا العالم مليء بالوحوش التي تمشي على قدمين؟
ومع مرور أسبوعين، حين اكتملت الحلقة، أطلق الاثنان الموجة التي حشداها من أعماق الغابة.
وفي تلك الليلة، حين دوّى جرس الإنذار...
تحرك الظلان في القصر.
ظهر أرين وفالين في مكتب البارون، حيث سيُكتب سطر النهاية.
---
يتبع...