الفصل الثامن: سقوط حامي الظل

مع سقوط آخر وحش، عمّت السكينة جزئيًا على ساحة المعركة. وقف البارون باول بين الدماء المختلطة، دماء جنوده ودماء الوحوش، بينما غطت رائحة الحديد والرماد المكان. رفع رأسه وأعلن بصوتٍ قوي نهاية الموجة، غير أن صوته كان يخفي خلفه مرارة الفقد والغضب.

ألقى نظرة على جنوده المنهكين؛ بعضهم مصاب، والبعض الآخر لم يتبقّ منه سوى أشلاء. في عينيه الزرقاوين اشتعل الحزن، بينما تسللت نسمات المساء تحرك خصلات شعره الأسود ودرعه الملطخ بالدماء.

ما إن عاد داخل الحصن حتى شعر بالثقل يجثم على صدره، كان يدرك أن العدو الحقيقي لم يكن في الخارج، بل في الداخل. خلف الأبواب، توافدت عائلات الجنود للاطمئنان على أحبّتهم — البعض احتضنهم بحرارة، والبعض الآخر لم يجد سوى جثة يضمها بالبكاء، بينما ظل آخرون ينتظرون بلا أمل. كان المشهد صامتًا إلا من صرخات الألم التي التقطتها حواسه الحادة.

صعد باول إلى أحد الأبراج حيث كان ينتظره ويلسون مستشاره العسكري، وكريس قائد مطاردي القصر. بادرهم بالكلام دون مقدمات:

"ماذا اكتشفتم؟"

أجابه ويلسون بنبرة حازمة:

"لم نرصد أي تصرفات غريبة في المدينة، لا أحد تغير سلوكه خلال الشهرين الماضيين. أرسلت التقارير إلى عائلة دراغور، وأكدوا أنهم سيصلون غدًا، كما أرسلت رسالة إلى القصر الإمبراطوري في لوسيان."

التفت باول نحو كريس، فسرد الأخير تقريره:

"تحققنا من جميع الغرباء الذين مرّوا بالمدينة، لم نجد شيئًا مشبوهًا. كانوا خائفين من موجة الوحوش ولم يتحرك أحد خلال فترة غيابك، سيدي."

سكت باول لحظة وهو ينظر إلى الأفق من فوق البرج، ثم قال بنبرة باردة:

"يبدو أن من افتعل الموجة يعرف كيف أفكر ويتحرك وفق ذلك. نقص المعلومات يجعلنا عاجزين عن التنبؤ بخطواتهم القادمة. لا أعلم إن كانوا حققوا هدفهم أم لا، لكن ما أعلمه يقينًا أنهم ما زالوا داخل المدينة. لا تخفضوا حذركم، وأي شيء مريب أبلغوني فورًا، السرية لم تعد مهمة، الأهم هو البقاء حتى تصل دراغور."

أجاب الاثنان معًا:

"حاضر."

عاد باول إلى قصره في وقتٍ متأخر. حين مرّ على غرفة ابنه، وجده نائمًا فوق كتابٍ مفتوح، ابتسم رغم الإرهاق، حمله إلى السرير، قبّله على جبينه، ثم غادر متجهًا إلى مكتبه. كانت الساعة تُشير إلى منتصف الليل والنصف.

فتح باب المكتب، فشعر لوهلة وكأنه عبر إلى عالمٍ آخر. الجدران اهتزت، الضوء اختفى، والهواء أصبح ثقيلاً. وقف أمامه رجل طويل، شعره الفضي يتماوج في العدم — فالين.

قال باول وهو يحدق فيه بيقظة:

"هل أنت من أثار الموجة؟ وما هدفك؟"

ابتسم فالين بهدوء:

"أجل، أنا من فعلها. وهدفي… هو أنت."

رفع باول سيفه فورًا، واحتلت ملامحه الجدية:

"تسعى خلفي؟ هذا مريح، إن قتلتك انتهى كل شيء، وإن متّ فسيتولى غيري مكاني. أنت مستخدم قدرة، صحيح؟ من إمبراطورية فالكان؟"

ضحك فالين بخفة وقال:

"لا… أنا ذئب وحيد، يصطاد وحده."

تشوّه الواقع فجأة، لكن باول تفادى الموجة بخبرة محارب مخضرم، وانقضّ على فالين بسرعة البرق، قاطعًا جسده إلى نصفين.

سقط النصف العلوي أرضًا، بينما لم تدرك قدماه أنهما انفصلتا بعد. غير أن سيفًا اخترق ظهر باول فجأة، قوته لم تكن عادية — إنها هالة ممزوجة بطاقة غريبة.

ركل باول خصمه للخلف، أغلق جرحه بالقوة مستخدمًا تدفق هالته، لكنه شعر برأسه يغرق في فوضى الأفكار، وأحس بروحه تُسحب من الداخل.

لقد كانت روح أرين المستنسخة داخل سيف فالين، تتسلل الآن إلى وعيه.

حين قال فالين سابقًا إنه "يصطاد وحده"، كان ذلك تمويهًا لجعل باول يركّز عليه وحده ويغفل عن وجود شريكٍ آخر.

تراجع باول خطوتين وهو يقاتل الضباب الذهني، أصوات تتردّد داخل رأسه:

اقتل عائلتك… دمّر حصنك… استسلم…

لكن باول صمد، دفع جسده إلى أقصى حدوده، والهالة المحيطة به تشتعل ككائنٍ حي يقاوم الموت.

انفجرت الموجات الهوائية من تصادم سيفيهما — سوووش! سوووش! — حتى تشققت الأرض تحت أقدامهما.

قال فالين وهو يتراجع بخطوة:

"حتى مع هذا الضغط… ما زلتَ واقفًا. لو لم تتقاطع طرقنا، لربما فكرتُ في ضمك إليّ، يا حامي الظل العظيم… يا للخسارة."

ابتسم باول رغم النزيف وقال بصوتٍ متقطع:

"لماذا… لماذا تريد قتلي؟ لم أؤذِ أحدًا."

أجابه فالين بهدوء قاتل:

"في المستقبل، ستصل إلى خمس نجوم في الهالة، وتكتسب قدرة تغيّر مجرى العالم… ستكون عائقًا في طريقي لإسقاط الدوق باريان. بعد موتك، سأرحل قبل أن تصل عائلة دراغور."

ابتسم باول بمرارة:

"هل يمكنك أن تخبر ابني… أني آسف؟ أخبره أن يصبح فارسًا عظيمًا… بدوني."

هزّ فالين رأسه بإيماءة قصيرة:

"سأفعل."

انطفأت عينا باول تدريجيًا بينما تلاشت روحه، ليحل محلها أرين وقد سيطر بالكامل على جسده. ألغى فالين الواقع المفصول، وعاد المكتب إلى حاله الطبيعي.

تدفقت ذكريات باول إلى وعي أرين، حتى طرق الباب فجأة. اختفى فالين كظلٍّ في العدم، بينما جلس أرين خلف المكتب متقمصًا دور باول.

فتح الباب — كان الطفل ليو، بعينين زرقاوين دامعتين.

قال بصوتٍ مرتجف:

"أبي… حلمت أنك لن تعود أبداً…"

ارتجف قلب أرين، شعر بثقل الذنب، ثم اقترب وضمّ الطفل بحنان، مرددًا بصوتٍ مبحوح:

"الموت أمرٌ حتمي يا بني… لكن يجب أن تكون قويًّا، حتى إن متّ، أنا معك."

انطفأت أنفاس الطفل ببطء وهو ينام بين ذراعيه، فيما ظل أرين صامتًا، يتساءل في

أعماقه:

هل هذا هو الطريق الذي اختاره… أم الطريق الذي قاده إليه القدر؟

يتبع...

2025/10/13 · 62 مشاهدة · 787 كلمة
Mehdi Dz
نادي الروايات - 2026