الفصل التاسع: نظرات من وراء الستار
طلع ضوء الفجر الخافت على قمة أحد الجبال، حيث جلس فالين بملامحه الهادئة التي تنسجم مع السكون المحيط، بينما كانت نظرات أرين الفارغة تعكس هدوءًا غريبًا، كأنه قد تخلص لتوّه من عبء ثقيل.
في أسفل الجبل، داخل قصر الظل، حرّك أرين جسده الثاني — باول — بعناية. نهض الأخير من سريره، حمل الطفل النائم، وأعاده إلى فراشه برفق، ثم عاد إلى مكتبه وجلس خلف الطاولة وكأن شيئًا لم يحدث. لا ضجيج... لا فوضى... فقط صمت ثقيل يملأ المكان، وصوت عقارب الساعة القديمة يتردد في الفراغ.
تحت توجيهات فالين، بدأت جراح باول تلتئم بسرعة بفضل الهالة، فيما كان أرين يستعيد السيطرة الكاملة على هذا الجسد الجديد.
على قمة الجبل، جلس الاثنان يراقبان الشروق. وبينما أخذت السماء تتلوّن بالذهب والرماد، بدأت ذكريات باول تتدفق في عقل أرين — طفولته، موت والده، توليه مسؤولية الحصن في سن السادسة عشرة، زواجه، فقدانه لأصدقائه، ثم ولادة ابنه... وأخيرًا، لحظة موته.
كل هذه المشاعر والذكريات اندمجت مع وعي أرين، حتى أصبح باول رسميًا جسده الثاني.
قطع أرين الصمت قائلاً بهدوء:
"ماذا نفعل الآن؟"
أجاب فالين دون أن يرفع نظره عن الأفق:
"العالم لا يزال يعتقد أن باول حيّ. لكن قريبًا... سيصل أفراد عائلة دراغور للتحقق من الأمر. وعندها قد يُكتشف ما حدث."
تجهم وجه أرين:
"يُكتشف؟! أستطيع التصرف مثله تمامًا. لدي كل ذكرياته، وأستطيع حتى تغيير هيئة روحي لتطابقه."
أجاب فالين بنبرة هادئة:
"ربما. لكن عائلة دراغور حساسة جدًا تجاه أمور التلاعب بالروح. لن يعرفوا ما حدث تحديدًا، لكنهم سيشعرون أن شيئًا غير طبيعي قد حصل."
تسارعت أنفاس أرين قليلًا:
"ولماذا هذه الحساسية بالذات؟ وما الذي سيحدث لباول وعائلته إن اكتشفوا الأمر؟"
أجابه فالين بنبرة خافتة:
"سيتم نقلهم إلى العاصمة أو إلى الشرق، بعيدًا عن هذه المنطقة. لا أحد يترك شخصًا يُشتبه بأنه تلاعبت به قوة مجهولة لحراسة موقع مثل حصن الظل.
أما حساسيتهم... فسببها إرثهم من روحهم الأصلية – قلب الأسد."
رفع أرين حاجبيه بدهشة:
"قلب الأسد؟"
ابتسم فالين بخفة وهو يروي:
"في العصور القديمة، كان قلب الأسد روحًا عظيمة، لكنه تكبّر واحتقر من لا يخوض الحروب بالحديد والدم.
حينها، الروح الأصلية لعشيرة أسياد الروح غضبت. جعلت كل ما حول قلب الأسد حيًّا... حتى جسده. بدأ جسده يهاجمه، يضرب نفسه كمن يعاقب نفسه، بينما صوته الداخلي يتلاشى.
وحينها قالت الروح الأصلية كلمات خلدها التاريخ:
كيف ستظهر هيمنتك في الحرب وأنت لا تملك السيطرة على جسدك؟ ابكِ كالنساء على كرامة لم تحافظ عليها كالرجال."
ساد الصمت للحظات، قبل أن يهمس أرين بدهشة:
"قدرات أسياد الروح... مرعبة حقًا. أليس هذا ما حدث لي أنا أيضًا؟ فقدت السيطرة على جسدي وأقمت الطقوس..."
أجابه فالين وهو يحدق في الأفق:
"الروح الأصلية لعشيرتك لم تمت، بل اختفت فقط."
وفجأة، قاطع أفكارهما صوت بعيد، تبعه شعور غريب. قال فالين بنبرة حذرة:
"لقد وصلوا..."
داخل قصر باول، عبرت بوابة القاعة الكبرى ثلاثة أشخاص يرتدون عباءات حمراء وسوداء.
الأول كان رجلاً ضخماً، عريض المنكبين، في أواخر الثلاثينات، شعره بني مجعد وملامحه حادة.
إلى جانبه امرأة طويلة ذات شعر أسود وعيون قاتمة، وجهها جميل لكنه يحمل قسوة غير خفية.
أما الثالث، فتى في السابعة عشرة تقريبًا، ملامحه عادية، لكن في عينيه بريق ذكاء غريب.
بمجرد دخولهم، شعر الثلاثة بارتباك خفيف... كأن شيئًا من أعماق أرواحهم استيقظ.
حدقت المرأة في باول، فيما ضاق الرجل بعينيه. همس فالين بصوت بالكاد يُسمع:
"إنه قلب الأسد... الروح الأصلية لعائلة دراغور، تُلقي نظرة من خلالهم. لا تقلق، لقد أخفيتُ أثر تقنيتك."
تنفس أرين الصعداء بينما جسده الثاني — باول — ظل يتصرف بطبيعته، يردّ بهدوء على أسئلتهم، ويوقع الوثائق الرسمية.
بعد تفتيش دقيق للقصر ومراجعة الجنود، خلص الثلاثي إلى تقريرهم:
> "تعرض حصن الظل لهجوم من جماعة مجهولة، أطلقت موجة وحوش وأثرت بطريقة غامضة على البارون باول.
الجناة مجهولون. الهدف مجهول.
نوصي بنقله إلى الشرق ومنحه لقب الكونت تقديرًا لخدماته، وتعيين قائد جديد لحصن الظل فورًا."
حين غادروا، ساد القصر الصمت مجددًا.
تنفس أرين بارتياح:
"انتهى الأمر... أخيرًا."
ثم نظر إلى فالين:
"لكن قل لي... لماذا تحالفت عشيرة أسياد الروح مع الأركيديا؟ ما الفائدة من إسقاط الملك بنر؟ كلاكما واجه الإبادة في النهاية."
تغيرت ملامح فالين، وأجاب بنبرة غامضة:
"من تظن أنه كان عدونا الحقيقي؟ ولماذا مات بنر رغم أنه الأقوى؟ أين اختفت الملكة الحمراء؟ وأين روح أسياد الروح الأصلية؟"
تجمد أرين في مكانه:
"أنت... تجيب بسؤال آخر؟"
رد فالين بجدية باردة:
"لأنني لا أستطيع قول الجواب."
أرين: "ولماذا؟"
فالين، بصوت منخفض كأنما يهمس في العدم:
"لأنه... يرانا."
توقف الزمن لوهلة، وتوسعت عينا أرين.
من السماء... من الأرض... من كل ذرة في الوجود، شعر بنظرات لا تُحصى تحدق فيهما.
كانت ثقيلة، متفحصة، كأن العالم نفسه يراقبهما.
ثم اختفى كل شيء فجأة، وعاد الصمت.
عندها أدرك أرين أن الحقيقة تكشف ولا تقال
قال فالين بنبرة هادئة كأن شيئًا لم يحدث:
"مصير باول سيتقاطع مع باريان في النهاية، هذا قدره. وبما أنه جسدك الثاني... فلدينا جاسوس داخل دارهم."
أرين في نفسه:
(لقد سمح لي بأخذ جسد باول من البداية ليستخدمه لاحقًا... هذا الرجل لا يترك شيئًا للصدفة. في هذا العالم، لا يكفي أن تكون قويًا... يجب أن تكون ذكيًا أيضًا.)
ابتسم أرين بخفة وهو يشعر بتطور داخلي غريب.
اندمجت المفاهيم في ذهنه، وارتفعت روحه إلى المستوى الثاني.
أصبحت أثقل، أكثر كثافة. صار بإمكانه تقسيمها إلى عشرين جزءًا، وإنشاء ثلاث نسخ جديدة من ذاته. كما طوّر قدرته الفرعية، محولًا روحه المستنسخة إلى قوة خام للقتال يمكنها الاندماج معه أو التحرك منفصلة.
لكن فجأة، شعر بنظرات تخترق جسده الثاني — باول.
كانت من الثلاثي دراغور، الذين أنهوا تقريرهم وقرروا تسريع نقله إلى الشرق، وتفويض التحقيق لعائلة الدم الأزرق أزويان.
قبل أن يتم أي شيء، وضع فالين يده على كتف أرين وقال بهدوء:
"لقد حان وقت الرحيل."
ووووش — اختفيا في لحظة، تاركين وراءهما حصن الظل غارقًا في السكون.
ظهر الاثنان مجددًا على هضبة مرتفعة تطل على مدينة هائلة، تتوسطها قلعة عظيمة تبدو كتحفة معمارية تفوق الخيال.
سأل أرين بهدوء وهو يتأمل المشهد:
"أين نحن؟"
أجاب فالين بابتسامة خافتة:
"في عاصمة إمبراطورية لوسيان... لوكسيفار، مدينة السلطة."