في صباح اليوم التالي ، فتح كينان مقلتيه بتثاقل في نفس الوقت الذي لاح فيه صوت الديك خارجا ، أزاح الغطاء عن جسمه وراح يحك عينيه ثم تقدم ناحية عمرو و أيقظه لكنه لم يستجب و كرر هذا معه كثيرا و لم يصحو فإضطر لسكب بعض الماء عليه مما جعله يستيقظ سريعا قائلا بذعر :
_" من هناك ؟".
لم يجبه كينان و عاد إلى فراشه ، حدق عمرو في الهواء دون وعي ثم عاد للنوم مجددا لكنه سرعانما فتح عينيه بعدما أدرك أن ضوء النهار قد بزغ و هذا وقت العمل فقام بسرعة و غسل وجهه ، ارتدى ملابسه ، شرب الماء ثم راح ليعيد إيقاظ كينان .
استيقظ كينان و فعل المثل و انطلقا سريعا إلى السوق ، كان اليوم عاديا كبقية الأيام غير أن كينان وحده من تولى البيع يوما كاملا بينما إكتفى عمرو بالجلوس على الكرسي متابعا نومه ... مر اليوم بأكمله و حل المساء و حان وقت العودة إلى البيت ، في طريق رجوعهما لاحظ عمرو بعض الرجال يرتدون الأسود يلقون القبض على شاب في الثلاثين من العمر جعله هذا المشهد يتوجس خيفة فسحب كينان من كمه مغيرا الطريق ، نظر إليه كينان متعجبا فأشار له عمرو بأصبعه على شفته و بعد وقت قصير عبرا ناحية الجانب الآخر من الشارع المؤدي إلى المنزل حينها توقف عمرو و قال :
_" الآن يمكننا أن نمشي بسلام إلى البيت ".
_" لماذا ؟ ما الذي حصل ؟!". قال كينان .
_" يبدو أن هناك خطرا ما في الأرجاء لكنني لست متأكدا و مع ذلك علينا توخي الحذر ".
حك كينان خده قائلا :
_" لم أفهم شيئا صراحة ! أين هو الخطر الذي تتحدث عنه ؟ أنا لم ألاحظ أي شيء غريب في الأرجاء ".
لم يجبه عمرو و كتفى فقط بترميش عينيه ثم شد الحمار و تابع السير .
✳️✳️✳️
في البيت :
إجتمع كلاهما أمام مائدة الطعام عليها صحن كبير مصنوع من الخشب و إناءان ، بدى المطبخ متواضعا جدا فهو متكون من طاولة كبيرة فقط عن يمين الغرفة و نافذة عليها ستائر شفافة و بالية و بعض المقاعد الخشبية و التي هي عبارة عن جذوع نخل مقطعة إلى قطع ، كان الصمت سائدا و لا تسمع إلا صوت الملاعق و هي تتصادم مع أسنانهما .
_" غدا سأذهب إلى دكان الشعير لجلب بعض الأكياس ، سنبقي بعضها للأكل و نبيع البعض الآخر لعلنا نزيد الأرباح فالملابس لم تعد تكسبا مالا وفيرا كما أن أغلب سكان حينا يفتقرون إليه و هذا ما يجعلهم يتهافتون لشرائه ".
قال عمر .
تجاهله كينان عن عمد فهو يعلم جيدا ما يعنيه هذا ، في هذه اللحظة إبتسم عمر و ثنى ذراعيه قائلا :
_" هذا يعني أنك ستبقى هنا مع الحمار و بعد مجيئي سنتكلم بشأن العمل كما أنه لدي شيء سأريك إياه ربما يعجبك ".
قال كينان و الطعام في فمه :
_" ما هو الشيء الجديد الذي تمتلكه أصلا لتريني أياه ؟! ألا ترى ؟ ... نحن مجرد تاجرين شبه فقيرين يعيشان على بيع الملابس القديمة في شارع أغلب سكانه من الفقراء و المحرومين ".
أحمر وجه عمر من الإحراج و قال :
_" هههه ، لا تتسرع يا فتى فما أمتلكه سيجعلك تطير من التعجب ".
رد كينان متهكما :
_" أمممم سنرى ... سنرى ما يمتلكه رجل فقير مثلك ".
إنتهى كلاهما من الأكل و خلدا إلى الفراش ، كينان غفى مباشرة لكن عمرو ظل مستيقضا يحدق ناحية نافذة المطبخ و جل الأفكار التي كانت تراوده عن الحقيقة التي يخفيها، هذا الأمر كان يسبب له الأرق في بعض الأحيان و يجعله يفكر كثيرا فيما سيحصل مستقبلا لو لم يتقبل الفتى هذه الحقيقة لكن خوفه الأكبر هو إحتمالية موته قبل أن يخبر الفتى بها و كيف سيتدبر الفتى أمره بعدها ، جعلته هذه الفكرة يتعرق من التوتر الناتج عنها ، لطالما كان التفكير في المستقبل همَّا يخنق كل من إمتلأ رأسه به .
قام عمرو عن فراشه ثم توجه إلى النافذة ، أبعد الستائر عنها و رفع رأسه إلى السماء بملامح حزينة و قال في نفسه :
_" أتمنى أن ينظر من في الأعلى إلى معاناتي ، لقد طقت ذرعا من هذا الحال ... كل ما أفكر فيه حاليا هو الخلاص لكنني لا أريد الخلاص إلا بعد تنفيذ مهمتي ، لا أظنني سأرتاح في نعشي إن مت و لم أنجزها على أكمل وجه ".
لامست نسمة الليل وجهه بلطف فأغمض عينيه مستشعرا الهدوء ، بينما راحت ذاكرته تستحضر بعض اللحظات من ماضيه ...
✳️✳️✳️
شاب متوسط الطول له لحية على ذقنه فقط ملتصقة بشاربيه يحمل سيفا من خشب (عمرو) و أمامه شاب آخر شعره أسود مختلط ببعض الشعرات البيضاء كان وسيما لكن نحيف يحمل هو الآخر سيفا خشبيا ، كان كلاهما يتبارز وسط دائرة من الشبان و الأطفال الصغار ، إلتفت عمرو عن يمينه فرأى شخصا ذو شعر بني غامق له ظفيرتان يبتسم له و يشجعه، شعر حينها بأنه هو الأفضل ... كيف لا و زعيم القبيلة بنفسه جاء ليشاهد نزاله و يشجعه أيضا ، إستدار مجددا ليبدأ النزال فوجد الساحة سوداء و هذا ما جعله يشعر بالإختناق ، بدأ يرتعش بدون سبب، فجأة ظهر ظل عملاق لفتى مجهول الملامح مد يديه ممسكا به ثم وضعه مجددا على أرض النزال ، إستعاد عمر أنفاسه و حك عينيه غير مصدق لما رآه أمامه ثم فتحهما ليجد كينان واقف بوجه جاف و خالي من أي تعبير كانت عيناه سوداء بأكملها و فمه يتمتم بكلمات غير مفهومة تقريبا ، إقترب عمرو منه و مع كل خطوة يخطوها تتضح الكلمات ...
_" لماذا أخفيت عني هذا يا عمرو ؟ هل كان عليك حقا أن تجعلني متشوقا جدا ثم تجعلني أموت قهرا بسبب كذبة بنيت عليها حياتي ؟ ألهذه الدرجة تكرهني ؟".
فتح عمرو عينيه عن آخرهما و تراجع مصدوما خطوتين إلى الخلف ليتفاجأ بتحول أرضية ساحة النزال إلى صحراء شاسعة أخرجت من تحته خيوط رملية سحبته إلى الأسفل و ...
تحول كل شيء إلى الأسود ثم فتح عينيه .
أخذ عمرو نفسا عميقا ، لقد كان كل هذا حلما أو بالأحرى كابوسا آخر لكنه أشد من الذي راوده من قبل فقد إختلط فيه كل شيء من لحظات جميلة إلى مواقف غامضة و مريبة وصولا إلى مخاوفه حول السر الذي يخفيه عن كينان ... كل هذا إجتمع عليه في كابوس واحد من أسوء الكوابيس التي راودته ، شعر عمرو بصدع حدث داخل كيانه الداخلي ،هذا الشعور الذي كان ينتابه دائما و لا يعرف له تفسيرا كان يظن بأن هذا يحصل له جراء الضغط الذي يتعرض له و يحاربه بالصبر و التحمل منتظرا وفاته التي تحمل معها خلاصه من معاناته لكن مخاوفه لم تسمح له بطلب الموت حتى .
قام من فراشه للمرة الثانية لكنه هذه المرة قد إرتدى ملابسه و لثم وجهه و خرج ليتمشى قليلا و ظل يسير حتى وصل إلى الشاطئ ، نظر عمرو حوله جيدا فوقع بصره على مغارة صغيرة عن يمينه بين الصخور فإتجه مباشرة إليها و أزاح اللثام عن وجهه ثم قرفص و مد يده و قبض بها حفنة من الرمل و قال في نفسه :
_" رمال البحر متماسكة جدا و يصعب علي تحريكها بسهولة ".
و في لحظة مدهشة رفع عمرو يده عاليا فإرتفع معها خيط من رمال البحر ، شعر لوهلة بالثقل كون أن رمال الشاطئ متماسكة كما قال لكن هذا لم يمنعه من أن يحركها كما يشاء، فعلا ... لقد كان عمرو شخصا يتحكم في الرمل أو كما يطلق عليها مستخدموا العناصر "ميزة الرمل" .
كان على عمرو أن يفعل هذا ليخفف عن نفسه فلطالما كان رجلا يجيد إستخدام هذه الميزة جيدا في شبابه و بستر نفسه فهو لا يريد أن يعرف أهل المنطقة بأنه من المستخدمين فيسببوا له المتاعب .
فيما مضى كانت هذه المنطقة تعج بمن يستخدم العناصر لكن حدثا واحدا فقط جعل كل من يستخدمها يخفون هوياتهم ، هذه المنطقة ليست كأي منطقة إنها عاصمة مملكة من أكبر الممالك سابقا "سادارا" و إسمها "زهرة الساحل" إتسعت رقعتها حتى سيطرت على الصحراء بكاملها و اصطدمت شمالا مع مملكة "كواستا" و مملكة "شاكتي" في الشرق و سيطرت على كامل منطقة الغرب العظيم و في غضون وقت قصير فقط و ذلك كله بفضل جيشها الذي إعتمد على عصنرين متناسقين "الهواء" و "الرمال"، بهما إستطاعت إخضاع كل تلك الأقاليم حتى أصبحت كل مملكة من حولها تهابها لكن مكانتها هذه سقطت بنفس السرعة التي إرتفعت فقد إستطاعت إحدى القبائل أن تجمع أكبر عدد من الثائرين و تطيح بالسلالة الحاكمة لهذه المملكة و تستحوذ على بقية المناطق التي كانت تسيطر عليها لسنوات ، أصبح أسياد تلك القبيلة هم ملوك هذه الأرض و غيروا عاصمة المملكة إلى منطقة بمحاذات نهر أخضر عظيم و إستقروا هناك و إزدهروا لكنهم فرضوا على "سادارا" شروطا متعسفة و من بين تلك الشروط ألا يستخدم أي شخص من تلك البلاد عناصرهم و من يُعرف بأنه يمتلك عنصرا يسحبونه او يجلبونه إلى العاصمة الجديدة ليعمل تحت إمرة الملوك الجدد و لهذا السبب كان يخفي عمرو عنصره عن الناس و لعل ذاك الشاب الذي رآه سابقا قد تم القبض عليه من طرف ألئك الملثمين لأنه من مستخدمي العناصر .
حرك عمر الرمال ببطء و هدوء ، خيوط الرمل تتحرك كالثعابين في الهواء ثم تدور حوله ثم تندفع بسرعة نحو الأمام كالشفرات بعدها تعود من جديد إلى حالتها السابقة ، لاحظ عمرو أن آداءه قد ضعف كثيرا .
فنظر إلى يديه قائلا بتأسف :
_" لقد أصبحت ضعيفا ... في الماضي كنت قادرا على تحريك كثلٍ ضخمة من الرمال لكن الآن لم أستطع حتى التحكم في بضعة خيوط رملية ".
إلتفت عمر بتوجس ناحية جانب المغارة الأيمن بعد أن التقطت أذنيه صوت حرحشة فشكل بكلتا كفيه قبضتين و قال مهددا :
_" من هناك ؟ إرحل من هنا ولا تسبب لي المتاعب ".
لم يجبه أحد فاضطر للتقدم بحذر و قام بتشكيل خيوط رملية خلفه تحسبا و بسرعة إنقض قائلا :
_" هاقد أمسكتك ".
لكنه سرعانما أرخى دفاعاته بعد رأيته لمصدر الصوت فقد كانت مجرد قطة تصطاد فأرا وسط الحشائش حينها تنهد بإرتياح و عاد إلى مكانه ثم جلس و ظل يحدق في أمواج البحر .