إستفاق كينان من النوم و إلتفت مباشرة إلى فراش عمر فلم يجده فتسائل في نفسه :

_" ترى إلى أين ذهب هذا الرجل ؟ يبدو بأنه ذهب مبكرا لشراء الشعير ... ياله من رجل مستهتر ، كان بإمكانه إخباري على الأقل قبل أن يذهب ".

توجه إلى الساحة فلاحظ أن الحمار في مكانه لايزال مربوطا مما أثار هذا إستغرابه .

_" كيف ذهب دون أن يصطحب معه الحمار ؟ أحيانا أشعر بأن هذا الرجل ليس في كامل قواه العقلية ".

لم يفكر في الأمر مطولا و اكتفى بسقي شجرة الخوخ المزروعة على جانب الباب ثم ملأ دلوا من الماء ، وضعه أمام الحمار ثم عاد إلى المطبخ ليتناول شيئا .

بينما هو يتناول مافي يده بدأ يرسم في مخيلته ملامح أهله و يتخيل لقاءه بهم بعد فترة طويلة لم يرهم فيها منذ أن ولد ، أهله الذين تركوه مع عمر ليكبر كتاجر هذا ماكان يدور في مخيلته دائما كان كلما تخيل هذا تأتيه الحماسة و الرغبة في الذهاب إليهم مبكرا لكنه سرعانما يستحضر ما يقوله عمر له :(سنعود لأهلك بعد أن تحترف التجارة) جملة ترددت في أذنه كثيرا أحيانا لا تزيده إلا شوقا و أحيانا أخرى تجعله يشعر بالضيق فهو لا يدري كم من الوقت سيستمر على هذا الحال ، مط شفتيه بقلق لكنه قرر منذ هذه الساعة أنه سيتولى البيع بنفسه دون أن يرافقه عمر و أن يطور من مهارته في التجارة و لو كان كارها لها على الأقل حتى يحين موعد عودته إلى أهله .

بعد دقائق سمع صوت طرقات على الباب فتوجه ليفتح فتفاجئ بعمر يحمل كيسين كبيرين من الشعير على ظهره بوجه محْمر فتناول كينان إحدى الأكياس ليخفف عنه و قال موبخا :

_" أنت بالفعل رجل ساذج ، من غيرك يقوم بمثل هذه الأمور ؟ هل من المعقول أن تخرج لجلب أكياس بوزن خروف بدون عربة أو حمار لتقِّلها عليه ؟!".

لم يستطع عمر الاجابة جراء التعب و بدأ يتنفس الصعداء حتى زال عنه تدريجيا ، قدم إليه كينان كوبا من الماء فأنهاه في شربة واحدة من العطش. بعد قليل سارع متوجها إلى فراشه و ألقى بجسده عليه و غط في نوم عميق، بالنظر إلى حالته هذه إستنتج كينان شيئا في نفسه :

_" لا يبدو بأنه نام أصلا ؟ هذا ليس بشكل شخص استفاق قبل ساعتين ! هل يعقل بأنه لم ينم طوال الليل؟".

لم يفكر الفتى بالأمر كثيرا و راح مباشرة ليؤدي ما عزم عليه فوضع الأكياس على الحمار ، فك رباطه ، ارتدى حذاءه و إنطلق إلى السوق ... و بعد وصوله قام بما يلزم و باشر عمله .

مرت ساعات و لم يشتري منه أحد إلا بعض الأشخاص الذين جاؤوا فقط لإلقاء نظرة سلعته و غادروا بسرعة، أشعره هذا بالإحباط و بدأت بعض الأفكار تجول في ذهنه :

_" يبدو بأنني لست أهلا لهذا العمل ... لقد مرت ساعات دون أن يشتري أحدهم شيئا مني ، هل الخطب فيا أم في البضاعة ؟".

في هذه اللحظة مر بجانبه رجل كهل يقتاد حمارا ، لمحه هذا الرجل تائها يفكر فتوقف ملوحا بيده :

_" أيها الولد ... مرحبا ".

ارتعد جسد كينان قليلا ثم أجاب دون وعي كامل :

_" آاااه ... مرحبا بك هل تريد شيئا ؟".

إبتسم العجوز و هو يفتل ذقنه بأصبعيه :

_" رأيتك تائها بعمق و هذا الامر استوقفني لوهلة فقلت في نفسي ... طفل في مثل هذا السن تائه يفكر ؟ بماذا يفكر ؟ فأتيت قاصدا إياك ، و الآن قلي ما هو الأمر الذي يقلقك ؟".

لم يتمكن الفتى من الإجابة عن سؤال الرجل العجوز فهو غير معتاد على مثل هكذا محادثات مع اشخاص غرباء ، لاحظ العجوز ذلك من تعابير وجهه التي بدت مهمومة فتقدم و ألقى بعض الكلمات الحكيمة :

_" أعلم أنك لا يمكنك أن تتحدث عما يؤرق رأسك و تفكيرك لكن تذكر أن الحياة تمنحك فرصا دائما و أن الظلام لا يبقى كثيرا و يزول مع أول شعاع شمس ليعلن عن بداية يوم جديد مليء بالأمل ضع هذا في رأسك و تحرك إلى الأمام و إعلم أن كل الأفكار التي تؤرقك ماهي إلا أوهام ،أوهام تتغدى على عزيمتك و إرادتك فتجعلك خاملا ( صمت العجوز لبرهة ثم أشار إلى حماره قائلا ) هذا الحمار بالرغم من كل الأثقال على كاهله إلا أنه يعلمنا درسا مهما كانت احمال الدنيا على ظهري فأنا لا أهتم بها ففي النهاية يوجد الموت و هو المصير المحتوم الذي لا مفر منه ".

و قبل أن يغادر ربت على كتفه مبتسما و شد لجام الحمار و إنطلق متابعا مسيرته ، ظلت تلك الكلمات تدور في ذهن كينان و تتقلب فهو و لأول مرة في حياته يسمع مثل هذه الجمل الحكيمة و المنيرة حتى أن شعر ظهره وقف لها، حينها قبض على اصابع يده و نظر إليها قائلا و عيناه تتوهجان بوميض من الحزم :

_" حسنا ليكن ذلك سأتابع حتى يأتي ذلك اليوم الذي ستتبدد فيه هذه الظلمة ".

✳️✳️✳️

عند بهو منزل الخوخة كان عمر قد جلب معه جرات كبيرة مملوءة بالرمل و قام بتخبئتها داخل كوخ الحمار حتى لا يثير إنتباه كينان لها فهو قد عزم منذ أمس بأن يتدرب لإستعادة مهاراته في استخدام ميزة الرمال و في نفس الوقت يحاول بهذا التخفيف عن الضغط النفسي الذي يعاني منه لكن التساؤل الذي يجول في خاطره الآن :

_" كيف سأتدرب دون أن يراني كينان ؟ صحيح أنه يعمل لكنه لن يطول كثيرا حتى يرجع إلى المنزل و قد يراني اتدرب قبل أن أنتهي و حينها سينهال علي بأسئلته التي لا تنتهي ".

شعر فجأة بالإحباط لمجرد تفكيره بهذا الأمر لكن فكرة ما قد خطرت على باله في هذه اللحظة ، لقد فكر بأن يجعل الفتى يعمل وفق وقت محدد حتى لا يتفاجئ بعودته باكرا من العمل و ينكشف أمره .

_" سأجعل الفتى يعمل من الصباح الباكر حتى غروب الشمس على الأقل سيكون لدي الوقت الكافي لتنظيف الباحة من الرمال قبل مجيئه بفترة طويلة و هكذا سأتدرب مرتاحا ".

في حقيقة الأمر كان لدى عمر سبب آخر من هذه التدريبات غير السبب الأول فهو البارحة و في طريقه ليشتري الشعير قد لاحظ مجموعة الملثمين

تحاول القبض على شخص غريب و الشيء الذي أثار استغراب عمر أن هذا الشخص يستعمل نفس ميزته (الرمل) و كان يحاول الفرار منهم بكل قوته لكنه فشل بسبب عدم براعته في استخدامها و هذا ما حفزه على العودة إلى التدريب .

✳️✳️✳️

بعد ساعات من العمل المتواصل عاد الولد من السوق و دخل مباشرة إلى الغرفة و ألقى بنفسه على السرير ، مد قدميه و افترش يديه و قبل أن يغفو دخل عليه عمر واضعا كيسا كبيرا من الاقمصة ، نظر كينان اليه بمقلتيه المتعبتين متسائلا :

_" ماهذا ؟!".

إرتسمت ابتسامة عريضة على وجه عمر و قال :

_" هاقد جاء الوقت ... غدا سيكون لديك يوم شاق لذا نم جيدا ".

عبس كينان ثم استدار بجسده ناحية الجهة الاخرى من الفراش ، و قبل أن يغادر عمر الغرفة ذكره بالشيء الذي إتفقا عليه قبل أيام :

_" يا فتى أقسم إن استطعت غدا بيع هذا سؤريك ما وعدتك سابقا لذا تحمل فقط ".

أجاب كينان بتهكم :

_" يبدو أنك تمتلك كنزا و أنا لا أدري لهذا السبب تتكلم بهذه الثقة العالية ".

قطب عمر حاجبيه قلقا ثم رد :

_" ليس تماما، لكن الوعد قائم و ليس هذا فقط ... أريد أن أطلب منك العمل بوقت محدد ".

قام كينان بطريقة سريعة لمجرد سماع هذا و بوجهه غاضب نظر إليه ، أشاح عمر عينيه حتى لا تقع مباشرا مع عيني الفتى و تابع :

_" على رسلك يا ولد إسمع ما سأقوله فقط ثم لك حرية القبول او الرفض ( جلس على فراشه ثم أردف ) أريد منك أن تعمل منذ الصباح الباكر حتى وقت العصر و أن لا تغادر السوق باكرا فقط لمجرد اليأس لعل هذا يزيد من فرصك في بيع البضاعة و أخفض سعر القمصان بمقدار عملتين حتى نجلب المزيد من الزبائن ".

رفع كينان حاجبه متعجبا :

_" لماذا لم تكن تفعل هذا سابقا؟ لماذا تركت هذا الاقتراح لهذه اللحظة بالذات ؟".

_" يا ولد لا تسأل كثيرا إفعل ماقلته فقط هذا سيساعد لبعص الوقت على الاقل حتى نتمكن من تحقيق ربح معين ... المهم ، هل انت موافق ؟".

صمت كينان لبرهة محاولا تقليب الفكرة في رأسه و في النهاية وافق فهو حاليا لا يمتلك خيارا آخر فالرفض لن يصب في مصلحته .

_" أنا موافق لكن بشرط ". قال كينان .

جعلت هذه الجملة عمر يفرك أصابعه في توتر :

_" قل ما هو شرطك ؟ ".

قام الفتى من مكانه ثم جلس على الأرض أمام عمر و قال :

_" أن ترسل برسالة إلى عائلتي تخبرهم فيها عن حالنا و تسألهم عن أحوالهم " .

دق قلب عمرو فجأة بقوة و كأن إبرة ما إخترقته و على جبينه بدأت بعد قطرات من العرق تفيض بسرعة مخيفة ، إتنبه كينان لهذا الأمر فحدق في وجهه و سأل :

_" ما بك ؟ لماذا تغير وجهك فجأة ؟".

لم يجبه عمر مباشرة و إكتفى بإبتسام متكسرة جعلت كينان يستشعر شيئا غريبا .

_" أجب لماذا سكت فجأة ؟!". كينان .

تنهد عمر بصعوبة ثم أجاب بتردد واضح :

_" بصراحة أنا لا أتقن الكتابة جيدا و لا أحسن تركيب الجمل لذا ... لا أظن بأن الفكرة صائبة ".

لم يقتنع الفتى بهذه الاجابة و أحس بأنها إحدى طرق عمر المعتادة في التهرب .

قام الفتى مرة أخرى غاضبا و قال بنبرة منزعجة :

_" لا فائدة من الاشتراط بشيء فلن تقبل حتى لو أمكنك فعل ذلك ".

شعر عمر بالاحراج ظاهريا لكن من الداخل بدأت المخاوف تنتابه من جديد ... "الفتى بدأ يطالب بأشياء لم يكن يطالب بها من قبل ، من أين جاء بهذه الفكرة فجأة ؟" هنا أدرك عمر تماما بأن كينان لم يعد صغيرا و قد بدأ ينمو في عقله و يطرح أسئلة قد تجعله ينكشف و لو بطريقة غير واضحة .

_" يا ولد سأنفذ لك طلبك لكن ليس الآن و سأذهب إلى دار البريد فهناك سأجد من سيكتب الرسالة التي تريدها و يرسلها على الفور لكن أحتاج منك صبرا ". قال عمر .

لم يرضى كينان تماما بهذا الاقتراح لكنه تفهم الوضع و استسلم كعادته و عاد إلى فراشه .

شعر عمر ببعص الهدوء و ظل يفكر في حل آخر على الأقل يجعل الولد ينسى طلبه هذا لكنه أدرك أن الدلو على وشك أن يفيض و لم يتبقى الكثير و عليه أن يتقبل ما سيحصل في المستقبل القريب ، كان الشيء الذي يبقيه متماسكا هو أنه لحد الآن قد نجح في تنفيذ ربع مهمته و هذا ما يجعله متفائلا في بعض الأحيان و لو بوتيرة ضئيلة فقد كان نجاحه الصغير هذا أشبه بثقب ينبعث منه شعاع رقيق داخل غرفة مظلمة و واسعة .

حل الليل و خلد عمر محاولا النوم ، كان صوت البوم يعلو بصد قوي في الخارج و أصوات الصراصير أيضا تترامى في الأرجاء بإيقاع متناغم تماما مع صوت البوم ، و على المبنى المجاور لمنزل الخوخة مباشرة وقف شخص ما يرتدي عباءة تتحرك بفعل الرياح ؛عيناه كانت مثبتة ناحية نافذة المنزل ، ظل واقفا هناك لفترة معينة و قبل أن يغادر ألقى ببعض الكلمات :

_" يبدو أنني قد وجدت المبتغى و لم يتبقى لي سوى التحقق فقط " .

و ظل الغريب يتراجع تدريجيا حتى إختفى تحت ستار الليل .

2026/06/02 · 2 مشاهدة · 1785 كلمة
Mohamed Amine
نادي الروايات - 2026