مرت أيام عديدة ، إستطاع عمر التدرب بدون أن يلاحظه كينان و ها هو ذا يحرك خيوط الرمل بكل سلاسة و هذا جعله راضيا نسبيا فكونه تمكن من الوصول إلى ما هو عليه الآن في مدة قصيرة أعطاه أملا في أنه يستطيع إسترجاع مهاراته السابقة في غضون شهر على أقصى تقدير .

_" و أخيرا ... أستطيع ، أستطيع القول بأني قد عدت إلى سابق عهدي ".

قال عمر و هو يلتقط أنفاسه بصعوبة ، ساعات من التدريب المتواصل و التركيز الكامل جعلاه يلمع من شدة العرق ، التركيز الكامل مهم للغاية فبدونه لن تستطيع إستعمال ميزتك بالطريقة التي تريدها و بالأخص لو كان تفكيرك مشتتا .

في هذه اللحظة جلب مكنسة و بدأ بتنظيف الباحة و تجميع الرمال المفروشة عليها و إعادتها داخل الأكياس ثم خبأها و دخل إلى الغرفة ، ظل لمدة تتعدى الساعتين و هو ينتظر شاردا كعادته إلى أن عاد كينان من عمله .

_" أها ... هاقد عدت ! ". قال عمر بعد أن إعتدل في جلسته .

لم يكلمه الفتى و رمى بالاكياس جانبا و على السرير إرتخى جسده ، رمقه عمر بنظرات مستاءة ثم تركه و غادر الغرفة .

فتح كينان عينه ببطئ ثم نظر إلى السقف و راح يتجول في حقل أفكاره ...

✳️✳️✳️

_" يا ولد لا يبدو عليك أبدا أنك إبن ذاك التاجر فملامحك لا تشبهه إطلاقا".

_" لقد أسأت الفهم أيها السيد فذاك الرجل ليس والدي بل الشخص المتكفل برعايتي و تعليمي مهنة التجارة ... والداي لا يسكنان هنا بل في مكان بعيد" .

_" من كلامك هذا يتبين لي بأنك لم تر أهلك أبدا صحيح ؟".

_" أ ... أجل ". أجاب كينان بعد أن أخفض رأسه .

_" لا عليك ... على أي حال ، سآخذ قطعتين من هذا القماش و قميصا من ذاك النوع إنه يبدو قديما بعض الشيء لكنه قد يفي بالغرض ".

✳️✳️✳️

كان هذا آخر حوار بينه و بين أحد زبائنه في هذا اليوم و بالرغم من بساطته إلا أن الفتى بدأ يستشعر بأن هنالك خطأ ما ؛ خطأ لطالما كان يجهله و قد غفل عنه لمدة لكنه غير متأكد من صدق شعوره هذا أهو حقيقي أم مجرد شك في غير محله سببه هو الجهل .

لم يطق بتاتا التفكير في هذا الآن فقام ليغسل وجهه ثم توجه إلى باحة المنزل ، حمل دلوا و راح يروي شجيرة الخوخ و مع كل قطرة تنزل كان أفكاره تنهمر كذلك ، و بين الأفكار إرتمت فجأة في عقله فكرة جعلته يتوقف مندهشا :

"كيف استطاع ذاك الرجل معرفة ذلك ؟! كيف عرف أنني لم أرى أهلي أبدا ؟!".

بدأت الريبة تعكر هدوء نفسه بينما راحت عيناه تتحركان بسرعة محاكية تخميناته المشوشة التي لم يجد لها تفسيرا .

_" يا ولد ... لماذا أنت شارد ؟". قطع عمر حبل أفكاره بهذا السؤال .

إرتجف جسد كينان قليلا ثم رد بتلعثم :

_" لا ... لا شيء على الإطلاق ، أنا لم أكن شاردا بل كنت أحدق في هذه الشجرة لقد كبرت فعلا ههههه".

لم يطمئن عمر في داخله لهذا الجواب فهو يعرف جيدا هيئة الانسان التائه و المرتاب .

تقدم ناحيته بضع خطوات ثم وضع كفه على كتف كينان و قال :

_" طبعا ... و بعد أن تكبر بقليل ستبهرنا بأزهارها الوردية الجميلة و خصوصا في فصل الربيع ، في الماضي ( توقف عمر لوهلة مسترجعا بعضا من ذكرياته ثم ابتسم و أكمل كلامه) كانت منطقتنا مليئة بالأشجار الرائعة المزهرة ذات الألوان الجميلة كنت أنا و صديقي نلعب بينهم دائما و نتدرب كذلك على المقاتلة بالعصي ... يالها من أيام رائعة حقا ".

نظر كينان إليه بطرف عينه و بعد ثوان من الصمت قال :

_" كان لديك صديق ؟!".

تردد عمر قليلا قبل أن يجيب :

_" ن ... نعم ، كان لي صديق من قبل ".

_" و أين هو الآن ؟".

_" لا أدري ... لقد افترقنا منذ زمن ".

لم يطل عمر البقاء كثيرا فبعد أن أجاب غادر على الفور خارج المنزل بينما كينان قد بدأت تنثابه بعض الشكوك فمحاولة صرف إنتباهه من طرف عمر بعد كل سؤال حول عائلته او ماضيه جعلته يشك في مصداقيته لكنه و بحكم قصر سنه لم يكن يحب التفكير في مثل هكذا أمور و هذا هو شأن الصغير لا يحب أن يشك في الكبير فهو دائما ما يعتبره صاحب خبرة أو صاحب المعرفة المطلقة بكل الشؤون .

غير كينان مسار تفكيره بسرعة و عاد يصب الماء للشجيرة و بعد أن فرغ من هذا توجه مباشرة ناحية الاصطبل ليرتب بعض الأغراض و في الوقت الذي كان فيه يغير و يرتب اذ ببصره يقع على كيسين كبيرين من الجلد مركونين عند احدى زوايا الاصطبل ، ركز بعينيه جيدا نحوهما محاولا تخمين محتواهما و بخطوات بطيئة تقدم بإتجاه الاكياس ثم وضع كفه ليتحسس ، تقطبت ملامح وجهه فجأة في تعجب ثم سارع في فتح احديهما ليزداد حينها إستغرابه و تعجبه .

_" رمل !! ... ما الذي جاء به إلى هنا ؟ هل كانت هذه الاكياس هنا من قبل و لم أنتبه ؟ ... لالالالا ، أنا لا أظن ذلك ... أنا متأكد بأنهما لم يكونا هنا قبل أيام ، هل من المعقول أن عمر هو من جلبهما إلى هنا قبل فترة ؟ و ماذا سيصنع بالرمل الأصلا ( وضع إصبعيه على ذقنه ) أفعال هذا الرجل بدأت تريبني مؤخرا علي أن أعرف ما يحصل ".

أعاد الفتى إغلاق الكيس و تراجع إلى الخلف بضع خطوات و قبل أن يغادر حدق جيدا فيها ثم دخل الغرفة .

2026/06/02 · 0 مشاهدة · 869 كلمة
Mohamed Amine
نادي الروايات - 2026