في ظلام الليل، سار راهبٌ أصلعُ الرأس عبر ممرات المعبد، حاملًا شمعةً مشتعلةً في يده التي تلفُّها المسبحة، وأثناء سيره لمح باب قاعة بوذا مفتوحًا.
اقترب من الباب ليجد رجلًا في أواخر العشرين من عمره، جالسًا أمام تمثال بوذا يتمتم بصوتٍ منخفض.
توقف الرجل عن التمتمة عندما شعر باقتراب الراهب منه؛ بابتسامةٍ على وجهه تمتم الراهب بعض التراتيل، ثم تحدث: "من النادر رؤية مؤمنٍ في مثل إخلاصك، أتمنى بصدق أن يرشدك بوذا إلى سلامك الداخلي".
لم يتحرك الرجل وبقي كما هو كتمثالٍ حتى استقر الراهب بجانبه، وفي لحظةٍ تشكل بؤبؤ عينيه على هيئة خطٍ عمودي، ولمعت قزحيتاه بلونين؛ الأحمر في المركز والأصفر يحيطها.
وقبل أن يتمكن الراهب من استيعاب ما يجري، كان مصاص الدماء قد كشر عن أنيابه وانقض عليه؛ لفَّ أطرافه حول جسد الراهب وغرز أنيابه في رقبة فريسته. صرخ الراهب برعب، حاول مقاومته وضربه لكنه فشل.
انتشر السمُّ المخدر من أنياب مصاص الدماء ليفقد الراهب قوته ووعيه تدريجيًا، حتى استكان جسده على الأرض وفوقه مصاص الدماء يشرب دمه حتى كادت عروقه تجف.
ومن شدة نهم مصاص الدماء، لم يلاحظ السيف الذي وُجِّه نحوه سوى عندما شق جزءًا من رقبته؛ أطلق مصاص الدماء هسهسةً كالأفاعي وهو يقفز مبتعدًا عن فريسته.
نظر مصاص الدماء بانفعالٍ نحو من قاطع عشاءه، ليجد فتىً في الثامنة عشرة من عمره يحمل سيفًا يقطر دمًا.
تصاعد دخانٌ أسودُ من رقبة مصاص الدماء مكان الجرح عندما بدأ في الالتئام، وفي ثوانٍ اختفى الجرح وكأنه لم يكن موجودًا قط.
كانت العيون الجائعة تلمع غضبًا، وصدرت من حلقه هسهسةٌ أشبه بثعبانٍ جائعٍ يراقب فريسته، لم يتأثر الأصغر بل رفع سيفه مستعدًا للقتال.
كشر مصاص الدماء عن أنيابه الطويلة، وفي ثوانٍ كان قد اندفع نحوه، ودون ترددٍ أو خوفٍ قام الأصغر بتوجيه سيفه لطعن مصاص الدماء.
هسهس مصاص الدماء وعلت وجهه ابتسامةٌ ماكرة، ليقوم بمهاجمة الأصغر بمخالبه، معتقدًا أن بهذه الطريقة تمكن من عزل الأصغر عن سلاحه.
في لحظةٍ من نشوة الانتصار تلاشت ابتسامته الماكرة، واتسعت عيناه وهو يرى عيني الأصغر الذي صدَّ هجمته بسهولة؛ تشكل بؤبؤ عينيه على هيئة خطٍ عمودي ولمعت قزحيتاه بلونٍ أحمرَ دموي.
عينان حمراوان دمويتان تلتمعان ببرودٍ قاتل، تراجع مصاص الدماء بصدمةٍ قائلًا بصوتٍ أشبه بهمس: "لماذا توقفني إن كنت واحدًا منهم؟"
كان الخوف الذي ظهر في عينيه كافيًا ليقرر الأصغر شق رقبته وإنهاء حياته هنا؛ سقط رأس مصاص الدماء وعيناه متسعتان، ليتبعه جسده.
كانت العيون الحمراء تراقب جثته ببرود، ليعيد السيف إلى غمده مغمضًا عينيه؛ تنهد وأعاد فتح عينيه ليعود اللون الأسود لقزحيتيه.
تعابيرُ وجهه الباردة لم تُظهر أثرًا لا للخوف ولا للذنب، وكأنه آلةٌ لا مشاعر لها إطلاقًا؛ التفتَ وسار مغادرًا القاعةَ الكبيرة.
شاهد الفتى مجموعةَ رجالٍ بلباسٍ تقليديٍّ داكنٍ كثيابه؛ شعر وكأن جدران القاعة الكبيرة تضيقُ به وتخنقُه، لكنه لم يُظهر أيًّا من مشاعره.
ابتسم وأومأ برأسه نحوهم ليذهبوا وينظفوا الفوضى التي خلَّفها؛ حالما خطت قدماه خارج القاعة، هبَّ نسيمُ الليل ليبعثر القليل من خصلات شعره الأسود، وللحظةٍ قصيرةٍ شعر وكأنه قادرٌ على التنفس.
لكنها كانت لحظةً قصيرةً جدًّا، حيث عاد شعورُ الاختناق حالما رأى الرجل الذي ينتظره في الخارج؛ شعرٌ أسودُ طويلٌ مربوطٌ بإهمال، والعيون السوداء الباردة التي تُشعره أن هذا الرجل قادرٌ على رؤية روحه وليس جسده فقط.
كاغي تاكيرو، معلمُه والشخصُ الوحيدُ الذي عجز عن فهمه طوال هذه السنوات؛ أجبرَ نفسَه على الابتسام وهو يسير نحو معلِّمه قائلًا: "لقد توليتُ أمرَ مصاص الدماء كما علَّمتني".
نظر معلمُه نحوه بكسلٍ قبل أن يتثاءبَ قائلًا: "جيد، في المرة القادمة حاول ألا توقظني".
لم تتزعزع ابتسامتُه عندما ردَّ على معلِّمه: "الجدُّ منعني من الخروج في مهماتٍ بمفردي".
سار تاكيرو بخطواتٍ لا مباليةٍ قائلًا: "لنعد إلى المقر".
أومأ الأصغرُ متبعًا معلمَه بصمتٍ، وشيءٌ واحدٌ فقط يدور في رأسه: "مصاصُ دماءٍ بين الصيادين، يا للسخرية!".
☓☓☓☓☓☓☓☓☓☓☓☓☓☓☓☓☓☓☓☓☓☓☓☓☓☓☓☓☓☓☓
الانستا || Lady._.Risha