5
قبل وقوع الكارثة بثلاث ساعات.
مدينة الميناء روزبروك.
زار ماركوس وينستون روتلاند فرع روزبروك لشركة سكك حديد روتلاند منذ الصباح الباكر.
وذلك بسبب حدوث مشكلة في نقل البضائع عبر السكك الحديدية.
وكان أكثر ما أثار استغرابه هو ورود خبر يفيد بتأخر انطلاق قطارات نقل المؤن والمواد الغذائية المتجهة إلى المنطقة الشمالية الشرقية من مملكة غراندن.
"أغلقوا الميناء قبل فوات الأوان!"
"البحر المحتضر يطلق تحذيره! الضباب نذير الكارثة!"
"لا تدفعوا الناس إلى البحر بعد الآن! اضمنوا سبل عيش الصيادين!"
"اضمنوها! اضمنوها!"
في الآونة الأخيرة، تكررت حوادث الاختفاء بسبب الضباب البحري الكثيف الذي غطى الميناء.
في البداية اعتبر الناس الأمر مجرد صدفة.
لكن مع تكرار الحوادث، بدأوا يتهامسون بأنه نذير لكارثة قادمة.
وفي النهاية، خرجت جماعات حماية البيئة وصيادو المدينة إلى الشوارع منذ الصباح، وبدأت المظاهرات.
"بالمناسبة، لقد أصبح الضباب يكسو الميناء كثيرًا في الآونة الأخيرة."
وكان ذلك أمرًا نادرًا في القارة الجنوبية، التي اشتهرت بطقسها الصافي طوال العام.
وخاصةً قبيل الفجر، بدأت تظهر ظاهرة تشكل طبقة رقيقة من الجليد فوق البرك، كما هبت رياح جافة.
وفوق ذلك، قيل إن درجة حرارة مياه البحر أصبحت أقل من معدلاتها المعتادة.
وقد أدى ذلك إلى انخفاض كميات الصيد، وظهور سلوكيات غريبة لدى الكائنات البحرية، مما ألحق ضررًا كبيرًا بأرزاق الصيادين.
"بالفعل... إنه أمر غريب."
وهذا كل ما فكر فيه ماركوس.
نعم، إنه غريب.
لكن اهتمامه لم يتجاوز هذا الحد.
"إن كان الأمر يزعجك، فهل أرسل بعض الرجال ليزيلوا كل ذلك؟ فالمال يحل كل شيء. نحن روتلاند في النهاية."
عند سماعه السؤال، أدار ماركوس رأسه.
فرأى شابًا يبتسم بهدوء.
كان ذلك الشاب النحيل ذو الوجه المليء بالنمش والملامح الحادة هو مساعده، جاك هاربر.
"لا داعي لذلك. لا أريد أن أتصرف بطريقة تسيء إلى هيبتي."
نقر ماركوس بلسانه بضيق، ثم دخل إلى رصيف القطار.
وسار جاك هاربر خلفه بخطواتٍ سريعة.
كان ماركوس يحب أن يتصرف كالنبلاء.
ولذلك كان يستمتع بالموسيقى التي يحبها النبلاء، ويقلد أسلوب حديثهم، ويتقن آدابهم.
ولم يكن راضيًا بمجرد تبنيه من قبل كونت روتلاند.
بل كان يريد أن يصبح نبيلًا حقيقيًا من خلال الزواج من إحدى النبيلات.
وكانت هناك فتاة نبيلة تناسب خطته تمامًا.
إيف لانيا إيفرهارت.
الآنسة النبيلة ذات الجسد الضعيف والمرض المزمن لم تكن مرغوبة كثيرًا كزوجة.
وكانت إيف كذلك.
ولهذا وضعها ماركوس نصب عينيه، وبذل جهدًا كبيرًا للتقرب منها.
لكن كان هناك شخص يقف في طريقه باستمرار.
وهو لوغان.
لم يكن لوغان قد تبادل مع إيف حديثًا واحدًا.
ومع ذلك، كان يتولى حمايتها في الخفاء.
حتى إن الطلاب الذكور لم يكونوا يجرؤون على الاقتراب منها بسببه.
وبالطبع، لم يستسلم ماركوس.
فحتى بعد تخرجه من الأكاديمية، ظل يتظاهر بالقرب منها وكأنه صديقها.
لكنها اختفت فجأة بعد أن علّقت دراستها.
ثم وصل خبر تقديمها طلب الانسحاب من الأكاديمية، وزواجها من لوغان.
وكان ذلك قبل أسبوع فقط.
حتى ماركوس، الذي كان يفخر بامتلاكه شبكة معلومات واسعة بفضل أعماله التجارية، لم يتمكن من معرفة هذا الخبر مسبقًا.
وكان جاك هاربر يتذكر جيدًا مقدار الذهول الذي أصابه حينها.
"رغم أن الجميلات يصطففن أمامه، فإنه لا ينظر إلا إلى المكان الخطأ."
هز جاك هاربر رأسه.
وفي تلك الأثناء، لمح مدير محطة قطارات روزبروك وعدد من مسؤولي شركة سكك حديد روتلاند ماركوس، فأسرعوا إليه وقد شحبَت وجوههم.
"سـ... سيدي الرئيس! لم نتوقع أن تحضر بنفسك! إنه... إنه لشرفٌ عظيم."
كانوا جميعًا يتلعثمون أمام ماركوس وقد بدت عليهم علامات الذعر.
فقد اشتهر ماركوس، الذي نال الاعتراف بقدراته في سنٍ مبكرة، بأنه شديد الصرامة والبرود.
رجل جليدي لا يعرف الرحمة ولا الدموع.
ورغم أن الناس كانوا يقولون إنه كان ماكرًا ومرحًا أيام الأكاديمية، فإن مظهره الحالي لا يوحي بذلك إطلاقًا.
"تقولون إن انطلاق القطارات تأخر لأن الصقيع غطى السكك الحديدية عند الفجر؟ هل يعقل هذا الكلام؟ نحن لسنا في الشمال، فكم يمكن أن يتشكل من الصقيع في الجنوب؟"
كان الانزعاج واضحًا في صوت ماركوس.
فسارع مساعده جاك هاربر إلى الإجابة.
"في الحقيقة، أستغرب ذلك أيضًا. لكنهم يقولون إن حتى المحركات تجمدت، واضطر السائقون إلى إذابتها قبل تشغيلها."
وقف ماركوس على رصيف القطار ينظر بصمت إلى مكتب المحطة.
ثم لمح طبقةً رقيقة من الصقيع تغطي زجاج النافذة.
رفع يده المغطاة بالقفاز، ومسح الزجاج.
مسحة...
فتلاشى الصقيع عن الزجاج.
ولما وجد الأمر غريبًا، أخرج ساعته وتحقق من الوقت.
كانت الساعة العاشرة صباحًا.
عادةً، يذوب الصقيع الذي يتشكل عند الفجر مع شروق الشمس.
لكن...
ما زال الصقيع يغطي النافذة.
كان جاك يراقبه بصمت، ثم أضاف.
"يقال إن درجات الحرارة تنخفض يومًا بعد يوم. ربما يكون الأمر مؤقتًا، لكن أعتقد أنه ينبغي صيانة معدات شركة روتلاند بما يتناسب مع تغير الطقس."
"......"
ظل ماركوس صامتًا برهة.
ثم أومأ برأسه بعد وقتٍ طويل.
"حسنًا. ابدأوا الاستعدادات."
"أجل."
وبادر جاك هاربر بإبلاغ مدير المحطة وموظفي شركة السكك الحديدية بالتعليمات، بعدما كانوا ينتظرون رد ماركوس.
نظر ماركوس إلى ساعته.
"لننهِ أعمال اليوم هنا."
غادر الرصيف وعاد إلى الفندق.
وكان ينوي أن يستريح في غرفته حتى موعد اجتماع المساء.
أخرج بهدوء صورةً من داخل سترته.
أو بالأحرى، كانت صورةً مقتطعة من إحدى الصحف.
وفي تلك الصورة، كانت إيف لانيا إيفرهارت، أو بالأحرى إيف لانيا تشيسويند الآن، تقف مبتسمةً إلى جانب لوغان.
"جمالها... لم يتغير أبدًا، بل ما زال يدفع الناس إلى الجنون أكثر فأكثر."
تنهد ماركوس، ثم أعاد طي الصورة بعناية ووضعها داخل الجيب الداخلي لسترته.
كان الناس يظنون أنه يستهدف إيف فقط لأنه يريد أن يثبت قدمه داخل المجتمع الأرستقراطي.
دون أن يتخيلوا مدى عمق مشاعره الحقيقية.
وفي تلك اللحظة...
عمّت الفوضى خارج الغرفة.
وكذلك خارج الفندق.
وحين نظر عبر النافذة، رأى العالم كله مغطىً بالثلوج البيضاء.
"......؟"
ما هذا؟
ثلج... فجأة؟
هل أخطأت في الرؤية؟
لكنه حتى بعد أن فرك عينيه ونظر مجددًا، وجد المدينة بأكملها مغطاة بالثلوج.
خرج ماركوس من الغرفة على عجل.
"أنقذونا! لقد انهار سقف الإسطبل بسبب العاصفة الثلجية، وأصيب زوجي في ساقه!"
"طفلي دُفن تحت الثلوج!"
"خرج القطار عن السكة بسبب العاصفة الثلجية المفاجئة...!"
"حادث تصادم كبير للعربات أدى إلى إصابة ما لا يقل عن ثلاثين شخصًا..."
وقف ماركوس في بهو الفندق الذي تحول إلى فوضى، وهو يضغط على صدغيه بقوة.
تبًا... ما الذي يحدث فجأة؟
لقد حلّت نهاية العالم.
❈❈❈
وبشكلٍ مفاجئ للغاية.
لم ننم ولو للحظة داخل الكهف.
حتى بعد مرور ذلك الجو الغريب بيننا، واصلنا تبادل الأحاديث والنكات عديمة الفائدة حتى لا يغلبنا النعاس.
"أكان أول لقاء بيننا عندما كنا في الخامسة عشرة؟"
لكن لوغان أجاب بإجابة غير متوقعة.
"لا. عندما كنا في العاشرة."
"ماذا؟"
هل التقينا عندما كنا في العاشرة؟
رفعت رأسي عن كتفه من شدة المفاجأة.
وحين التقت عيناي بعينيه الحمراوين من مسافةٍ قريبة جدًا، شعرت بشيءٍ من الحرج، فأخفضت نظري مجددًا.
"رأيتك لأول مرة في متنزه نورتون. وكان مشهدًا لا يزال عالقًا في ذاك
رتي حتى الآن."
استعاد لوغان تلك الذكرى بصوتٍ هادئ.
"في ذلك الوقت، كان قرد يمسك بشعرك."
يا له من أمر...
كيف يروي ذلك وكأنه ذكرى مؤثرة!
"ظننت أن فروة رأسك ستُقتلع، لكنك عضضتِ ذراع القرد."
"......"
♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪
حساب لانستقارم empressamy_1213