9
كان جسده ثقيلًا كقطعة قطن مبتلة بالماء، وكانت الحمى تشتعل فيه.
كيف انتهى بي الأمر إلى هذا الحال؟ أين أنا الآن؟ ومنذ متى لم أشعر بهذا الدفء؟
استسلم ماركوس عن محاولة فتح جفنيه المثقلين، وأخذ يسترجع ذكرياته.
اندلعت الكارثة الكبرى فجأة، وأثناء خروجه من الفندق التقى بمساعده جاك.
ومنذ ذلك الحين، لم تكن حياته سوى سلسلة متواصلة من النجاة وسط الفوضى.
تنقل من مكان إلى آخر داخل روزبروك، بحثًا عن الطعام ومأوى يحتمي به.
لكن كل ملجأ ظن أنه مناسب، كان يتبين أن له مالكًا، فيُطرد منه في كل مرة.
وكان لعائلة روتلاند أيضًا قصر ريفي في روزبروك.
قصرًا فاخرًا يُظهر ثراءهم الطاغي.
لكن لسوء الحظ، كانت المنطقة الشمالية من حي الطبقة العليا، حيث يقع ذلك القصر، قد انهارت بالكامل بسبب الانهيار الثلجي.
هاه... لا شيء يسير كما ينبغي.
بدت المدينة خالية تمامًا، حتى ليُخيل للمرء أنه لا توجد فيها نملة واحدة.
لكن ذلك لم يكن سوى مظهر خارجي.
ففي الظلال، كان يختبئ عدد كبير من الناجين.
أما السبب الذي مكّن ماركوس من البقاء حيًا حتى الآن، فكان قدرته على تذكر كل ما يراه، واستغلال تلك الذاكرة في جمع المعلومات.
فهو، إلى جانب كونه رئيس شركة روتلاند، كان أيضًا تاجر معلومات يسيطر على عالم الأحياء الخلفية.
ولد في أسرة فقيرة لا تملك شيئًا.
وحتى يصل إلى مكانته الحالية، عاش معتمدًا على عدد لا يحصى من الحيل والمؤامرات والمعلومات.
ولحسن الحظ، ساعدته تلك القدرة على النجاة حتى في مثل هذه الكارثة.
إلى أن أصبح هدفًا لأولئك الأوغاد.
بعد نحو أسبوع من اندلاع الكارثة، ظهرت جماعة بين الناجين في روزبروك.
كانوا عديمي الرحمة.
ولأجل البقاء، لم يتورعوا عن أي وسيلة.
في البداية، أخذوا ينهبون مخازن الطعام.
ثم استولوا على الفحم المخصص للتدفئة.
وفي النهاية، بدأوا يجلبون البشر أنفسهم ليستعبدوهم.
والمشكلة أنهم لم يكونوا مجرد غوغاء عاديين.
بل كانوا يتحركون بتنظيم محكم.
كان لديهم فرق دوريات، ووحدات مراقبة مستقلة.
بل وحتى جواسيس زرعوهم بين الناجين.
لقد كانوا مجانين بالكامل.
ولأجل البقاء، كانوا يؤسسون نظامًا جديدًا فوق النظام القديم.
القوي ينهب، والضعيف يتجمد حتى الموت.
وبعد شهر من بداية العصر الجليدي، أحكموا سيطرتهم على مجتمع الناجين في روزبروك.
وأثناء بحث ماركوس وجاك عن الطعام، التقيا بهم مصادفة.
ومنذ ذلك الحين، أصبحا مطاردين.
يطاردونهما، فيهربان.
ويطاردونهما مجددًا، فيهربان من جديد.
وأثناء فرارهما بلا توقف، وصلا في النهاية إلى المنطقة الحرجية التي تُعرف باسم أرض الشيطان.
"سيدي الرئيس، إذا توغلنا أكثر فسنصل إلى «ذلك المكان». لا ينبغي أن نواصل. حتى أولئك الأوغاد يتجنبونه وهم يرتعدون."
"وهل نموت هنا إذًا؟ ستغرب الشمس قريبًا، ويجب أن نجد ملجأ."
ولا يدري كم واصلا التوغل في أعماق الغابة بعد ذلك.
وفي النهاية، عثرا على قرية الشيطان، التي تُعرف أيضًا باسم الأرض المحرمة.
والمثير للدهشة أنهما لاحظا أن كمية الثلوج المتراكمة فيها أقل بكثير.
بل إن دخانًا كان يتصاعد من مدخنة قصر ضخم يقع في طرف القرية.
ضيّق ماركوس عينيه.
"سيدي الرئيس، يبدو أن هناك من يعيش هناك!"
"من المستحيل أن يعيش أحد في قرية الشيطان. لنذهب أولًا ونتأكد. هل هو إنسان أم شيطان."
"أ... أنا خائف، سيدي الرئيس."
بدأ جاك يرتجف، لكن ليس بسبب البرد هذه المرة.
"الشمس توشك على الغروب. إن كنت خائفًا، فابق هنا."
جرّ ماركوس جسده المنهك، وتقدم خطوة بعد أخرى.
وفي النهاية، تبعه جاك أيضًا على مضض.
وما إن عبرا مدخل القرية، ووطئت أقدامهما أرضها خلف السور...
شعرا بالدفء.
لم يكن ذلك الإحساس المعجز الذي يذيب الجسد المتجمد فورًا.
لكن كان من الواضح أن دفئًا يسري في أنحاء القرية.
وبجسدين متجمدين، وصلا بصعوبة إلى القصر الكبير الذي يتصاعد منه الدخان، ثم طرقا الباب.
وربما لأن التوتر زال أخيرًا...
انهار الجسد الذي دُفع إلى أقصى حدوده.
استجمع جاك وماركوس آخر ما تبقى لديهما من قوة، وطرقا باب المدخل.
ثم سقطا أرضًا.
.
.
.
فتح ماركوس عينيه نصف فتحة، وهو بين اليقظة والنوم.
وفي مجال رؤيته، ظهر وجه امرأة ذات شعر فضي ناصع البياض.
"...لوغان. ماركوس... فتح عينيه..."
هل هي ملاك؟
كيف يمكن لوجود أن يكون مشرقًا إلى هذا الحد، أبيض ونقيًا وجميلًا؟
إنها تشبه تمامًا إيف راينيا إيفرهارت.
لقد كانت إيف راينيا إيفرهارت تبدو هكذا أيضًا.
إيف أيضًا...
لحظة... إيف؟!
فتح ماركوس عينيه على اتساعهما، واعتدل جالسًا.
كان في مكان غريب.
ولم يكن بخار النفس يتصاعد من فمه.
وفي اللحظة التي أدرك فيها ذلك، أخذ ينظر حوله.
في الخارج، كان العالم يتجمد فيه الإنسان حتى الموت خلال دقائق بعد غروب الشمس.
أما هذه الغرفة وحدها، فكانت تغمرها حرارة لا تكاد تُصدق.
كان مستلقيًا على سرير ذي إطار قديم من خشب الكرز، وقد تهالك فراشه تمامًا.
لكن الغطاء كان ناعمًا، وتفوح منه رائحة صابون خفيفة.
لم تكن الغرفة صغيرة ولا كبيرة.
وحين رفع بصره نحو النافذة فوق السرير، رأى أشجارًا خضراء يانعة.
وكانت غرفة النوم تقع في الطابق الثاني.
ماذا؟ أشجار خضراء؟
طَق. صرير-
وفي تلك اللحظة، فُتح باب الغرفة.
كان الداخل رجلًا.
بل رجلًا يرتدي زيًا عسكريًا أسود.
شعر أسود.
وعينان حمراوان.
ووجه جامد منحوت، لا يُظهر أي تعبير، بحيث يستحيل معرفة ما يدور في داخله.
"تشيسويند؟"
لوغان آرثر تشيسويند.
طالب أصغر منه في الأكاديمية بعامين.
ما الذي جاء به إلى هنا؟
"لماذا أتيت إلى هنا؟"
لم يسأله كيف وصل، ولا إن كان بخير، ولا كيف عاش طوال تلك الفترة.
بل كانت أول كلماته:
"لماذا أتيت إلى هنا؟"
أطلق ماركوس ضحكة ساخرة.
ما زلت وقحًا كما كنت.
لكنه لم يقل ذلك بصوت مرتفع.
ففي النهاية، لا بد أن هذا الرجل هو من أنقذه.
أنا متأكد أنني رأيت إيف.
وفجأة تيقن من أمر ما.
إذا كان لوغان هنا، فمن المستحيل ألا تكون إيف هنا أيضًا.
تنهد ماركوس، ثم أجاب بوجه متعب:
"أتيت لأبقى حيًا، وإلا فلماذا سأأتي؟"
بعد إجابته، التزم لوغان الصمت.
وساد صمت ثقيل بينهما.
"شكرًا لأنك أنقذتني. لم أكن أعلم أن هذا هو الملجأ الذي تعيش فيه."
"لو كنت تعلم، فابدأ بالاستعداد للمغادرة."
قالها لوغان وهو يشير برأسه إشارة خفيفة.
كاد الغضب يفور داخل ماركوس، لكنه تحمله.
فلوغان كان منقذ حياته.
وحين لم يعترض ماركوس أكثر، رفع لوغان حاجبه بدهشة.
تحلى ماركوس بالصبر، وغيّر الموضوع.
"إيف موجودة هنا أيضًا، أليس كذلك؟"
"تناديها بإيف بكل أريحية."
"وأنت تتحدث مع من هو أكبر منك بلا احترام."
"آه، لقد أصبحت دوقًا خلال تلك الفترة."
تبًا لهذا المجتمع الطبقي.
وفي اللحظة التي صرف فيها ماركوس نظره، معترفًا ضمنيًا بهزيمته...
دخلت إيف إلى الغرفة.
"مرحبًا أيها الطالب الأكبر روتلاند، مضى وقت طويل. كيف تشعر الآن؟"
كما توقعت... حيثما يوجد لوغان، توجد إيف أيضًا. تبًا.
"لوغان، ما الذي تفعله؟ لقد استعاد الطالب الأكبر وعيه، فلماذا لم تتحقق من حالته؟"
"ذلك الإنسان بخير تمامًا. يتكلم بطلاقة."
ثم أجاب لوغان بتصرف طفولي.
وخارج مجال رؤية إيف، أشار بإصبعيه السبابة والوسطى إلى عينيه، ثم وجّههما نحو ماركوس.
ويبدو أن قصده كان: أنا أراقبك.
ذلك الوغد ما زال وقحًا كما كان.
إذا كانت علاقة إيف ولوغان أشبه بعلاقة خصمين أسطوريين، فإن علاقة ماركوس ولوغان كانت عداوة مشهورة.
ورغم أنهما من دفعتين مختلفتين، فإنهما كانا يتصادمان في كل مناسبة.
وفي الغالب، كان ماركوس هو من يبدأ الاستفزاز.
أما لوغان، فكان يرد عليه دائمًا.
لكنه لم يخسر أمامه مرة واحدة.
أما سبب استفزاز ماركوس له، فكان بسيطًا.
لقد أراد التقرب من إيف.
لكن لوغان كان يحرسها بحماية محكمة.
ابتسم ماركوس لإيف.
"إيف، ألا يمكنك أن تتفقدي حالتي أنتِ؟"
"هاه؟ لماذا؟"
"ماذا؟"
" أظن أنني سأكون أكثر ارتياحًا معكِ منه."
رفضت إيف بابتسامة بريئة.
وبدت وكأنها لم تدرك إطلاقًا المغزى من كلامه.
أطلق لوغان ضحكة ساخرة.
وكان يقف بجانبهما، عاقدًا ذراعيه، ويحرك أصابعه بقلق.
لكن حركته أصبحت مفعمة بالارتياح فجأة.
سواء أدركت إيف ذلك أم لا، فقد قالت لماركوس:
"إذًا ارتح قليلًا ثم تعال. آه، وبالمناسبة، مساعدك أيضًا يستريح في الغرفة المجاورة، فلا تقلق كثيرًا. وسنتحدث بالتفصيل بعد قليل."
"إيف، ا... انتظري!"
لكن قبل أن يتمكن ماركوس من إيقافها، خرجت من الغرفة كنسمة ريح.
وظل يمد يده في الهواء بذهول.
نظر إليه لوغان، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.
كانت ابتسامة نصر واضحة لا لبس فيها.
أعرف لماذا يعاملني الطالب الأكبر ماركوس بلطف.
لأنني ابنة كونت، على الأرجح.
لقد كان يرغب في التوغل أكثر داخل المجتمع الأرستقراطي.
صحيح أن كونه الابن المتبنى لكونت يُعد مكانة مرموقة.
لكنه لم يرد أن يتوقف عند ذلك.
بل بدا وكأنه أراد أيضًا لقب زوج ابنة الكونت.
ومع ذلك، فإن ماركوس ليس شخصية ترتبط لا بالبطل ولا بلوغان، الشرير.
وبصورة أدق، كان أحد الشخصيات التي تعمل في معسكر الناجين المناهض للبطل، ولي العهد إيدن، حيث يؤدي دور المستشار وصاحب الخطط البارعة.
لكن...
على أي حال، كانت الحياة مع لوغان وحدنا في قرية الشيطان مريحة ودافئة إلى حد لا نحتاج معه إلى أفراد إضافيين.
يجب أن أرسلهما بعيدًا.
وبعد أن اتخذت قراري، توجهت نحو الدفيئة.
كانت الدفيئة الزجاجية ال
شفافة تسمح برؤية ما بداخلها بوضوح.
وعند مدخلها، رأيت مخلوقًا صغيرًا يضم يديه، ويتمشى ذهابًا وإيابًا بقلق.
"تشيبي؟"
وكأنه سمع ندائي، رفع السنجاب أذنيه، وبدأ يقفز ليجذب انتباهي.
يا إلهي... ما ألطفه.
ثم رمى البلوطة التي كان يحملها بقوة نحو الباب الزجاجي.
وما الذي أصابه الآن؟ ذلك السنجاب غريب الأطوار.
♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪
حساب لانستقارم empressamy_1213