كانت الريح تعوي بين أطلال الذاكرة، وكأنها تحاول أن تزيح الغبار عن اسمٍ منسي…
كيرا.
لم يكن أكثر من ظل، لا يعرف إن كان وُلد من نورٍ أم من نار… لكن قلبه؟ كان يعرف الألم كما يعرف الجرح سكينه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في قلب خيتو، حين كانت المدينة تُباهي بنفسها أمام الممالك، كان هناك صرحٌ يُدعى "مختبر الأبد". لم يكن مجرد معمل... بل مدينة صغيرة من العلماء، حيث تتلاقى الكيمياء مع الأساطير.
في هذه المدينة... كان هناك نجمٌ يتلألأ أكثر من الجميع. اسمه: كيرا.
شاب في الثلاثينات، وجهه هادئ، عيونه لامعة، وجبهته مليئة بالمعادلات.
لم يكن كيرا مجرد عالِم، بل كان رمزًا… دليلًا حيًّا أن خيتو تسبق العالم.
كانوا ينادونه "كيرا المذهل"،
لأنه أوجد معادلة تَحكُم سلوك التنانين قبل أن يبلغ العشرين.
وكان أول من صمّم خلية إصطناعية يمكنها تخزين الطاقة السحرية… شيء لم يحققه أحد.
في المختبر، كان يسير مثل الملك، تُفتح له الأبواب قبل أن يطرقها، وتُصمت الألسن عندما يتحدث.
لكن خلف هذا البريق... كان هناك صمتٌ داخلي لا يسمعه أحد.
كيرا كان يريد شيئًا لا يجرؤ أحد على التفكير فيه.
لم يكن كيرا مجرد باحث… كان مفكرًا، حالمًا، يرى العالم من زوايا لا يراها أحد.
وفي قاعة الاجتماعات الكبرى، تحت سقفٍ من البلور الأزرق، وقف أمام أعظم العقول في المملكة.
على اللوح خلفه، تومض معادلات معقدة، وصور لعينات دم، ورسوم توضيحية لجينات معدّلة.
كانت الفكرة واضحة في عقله…
"لماذا نعبث بالزواحف فقط؟ لمَ لا نصنع كائنًا خارقًا من أنفسنا؟ البشر! هم المادة الأذكى… لماذا لا نُطوّرهم؟"
صمتٌ ثقيلٌ لفّ الغرفة.
لم يتحرك أحد.
وكأنهم سمعوا خطيئة تُقال، لا فكرة تُعرض.
ثم وقف العالِم الأكبر، مارينوس، شيخ المختبر، وقال بصوتٍ متوتر:
— "أنت تدعو لتحويل البشر إلى أدوات؟ إلى وحوش؟ هذه ليست علومًا يا كيرا... هذا عبث."
تنهد كيرا، وقال بنبرةٍ هادئة لكن حادة:
— "بل هي الخطوة التالية. أنتم خائفون من المستقبل لأنكم تحتمون بالماضي."
أحد العلماء صاح غاضبًا:
— "نحن علماء، لم نخلق هذا الكون"
كيرا لم يرد… فقط أغلق جهاز العرض، وجمع أوراقه بصمت.
نظر إليهم جميعًا نظرة واحدة…
لم تكن نظرة حزن، ولا غضب.
كيرا لم يرد… فقط أغلق جهاز العرض، وجمع أوراقه بصمت.
نظر إليهم جميعًا نظرة واحدة…
لم تكن نظرة حزن، ولا غضب.
كانت نظرة احتقار.
وخرج.
في الممرات، صارت النظرات خلف ظهره مسمومة.
البعض يهمس: "أصابه الغرور"،
آخرون يقولون: "كان عبقريًا… لكنه احترق بنوره."
وعندما عاد إلى بيته في تلك الليلة، وجد زوجته تنظر إليه بصمت، وفي عينيها سؤال لا يحتاج لشرح:
— "هل ما يقولونه عنك… صحيح؟"
لم يرد… فقط أغلق الباب خلفه، وجلس أمام أوراقه، وبدأ يكتب شيئًا جديدًا…
شيئًا لم يكن يجب أن يُكتب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مرت الأيام ثقيلة على كيرا، مثل أحمالٍ لا تُرى، لكنها تكبر في صدره كلما تفكر في الخيانة التي تعرض لها. العزلة أصبحت رفيقته، والنبذ هو طعامه اليومي.
في غرفة العمل المظلمة، كان الضوء الوحيد يأتي من الرفوف المليئة بالأوراق المخطوطة، والخرائط الدقيقة للتجارب، والرموز التي تشرح الجينات المعدلة. كتب كيرا أفكاره في دفاتر مليئة بالحبر الأسود، الذي أصبح بمثابة شعورٍ متكرر: العزلة.
وفي تلك اللحظة، استقبلته صيحات متلاحقة من أفكاره المدمرة. في أعماقه كان يعرف أن كل ما يفعله سيكون ضد الطبيعة وضد العقل البشري نفسه، لكن هذا لم يوقفه. كان يراه مجرد اختبار، مجرد مرحلة في التجربة الكبرى التي سيُخلد فيها اسمه.
في الخارج، كانت الأصوات تتعالى، كان المجتمع يتحدث عنه في همسات… "مجنون"، "خائن"، "معارض للعلم"، "طاغٍ". كل لقب كان يتبع الآخر، وكأن كل كلمة تُسجل على جدران عقله.
لكن كيرا لم يكن يهتم. تراجع إلى غرفته المظلمة وأغلق الباب بعنف. في الزمان الماضي، كانت أفكاره تُحتفل بها في المؤتمرات، تُلقى أمام جمعٍ من العلماء الذين يصفقون ويقدّرون. أما الآن، فقد تحول إلى شخصٍ لا يُذكر إلا في خيباتهم.
نظرة من نافذته كانت تكشف له الطريق الذي أصبح أكثر ضبابية. بعيدًا في الزمان، ربما كان في مكان آخر، مكان لم يتخيل فيه أبدًا أن يُعزل عن مجتمعه، لكنه الآن كان يرى الحقيقة بوضوح: لا مكان له في هذا العالم بعد الآن.
وفي تلك اللحظة، كُسر شيء في داخله، ولم يعد ينظر إلى العالم إلا كعائق أمام طموحه، كأداة يجب التخلص منها لبلوغ هدفه. كان يعلم أنه لم يعد مجرد باحث أو عالم. أصبح وحشًا داخليًا، يتغذى على فكرة "التطور"، حتى لو كان ثمنها تحويل البشر إلى آلات مجنونة لا تحكمها القيم.
وقف كيرا أمام مرآته في تلك اللحظة المظلمة، نظر إلى عينيه التي بدأت تُشعّ بالكراهية والغضب، وقال بصوتٍ خافت ولكنه مليء بالقوة:
— "إذا لم يكونوا مستعدين للمستقبل، فسأصنعه بنفسي."
مرت أيام… ثم أسابيع… لكن في حياة كيرا، لم تكن هذه سوى لحظات من السقوط البطيء.
لم يُطرد رسميًا من المختبر، لكن لم يَعُد أحدٌ يدعوه للاجتماعات.
مرّ بجانبهم في الممرات، فصمتوا.
دخل قاعة العمل، فخرجوا.
حتى طلابه… أولئك الذين اعتادوا الجلوس تحت قدميه كالعطاشى للعلم… انصرفوا.
وكأن المدينة كلها اتخذت قرارًا واحدًا: "دعوه يتعفّن وحده."
في السوق، صارت العيون تتجنبه.
وفي البيت… صار الجدار أقرب له من زوجته.
ليلةٌ باردة، جلس كيرا على سطح منزله، وحده، يحدّق في سماء خيتو التي لم تعد كما كانت.
سمع خطى خلفه… كانت زوجته، سيرين، تقف مترددة.
— "كيرا…"
لم يلتفت. لم يجب.
— "الناس… يتحدثون. حتى أبي… طلب مني العودة إلى منزل العائلة."
أدار رأسه ببطء، ونظر إليها نظرة فارغة.
— "عودي."
— "ماذا؟"
— "عودي… الآن. أنتِ وأطفالنا. قبل أن تتلوثوا بي."
ثم نهض، ودخل بيته، تاركًا الباب مفتوحًا…
وكأن كل شيء انتهى.
في اليوم التالي، لم يظهر كيرا في المختبر.
ولم يُشاهَد في أي من الشوارع.
فقط، اختفى.
لم يعرف أحد أنه في تلك اللحظات…
كان قد بدأ في بناء "نموذجه الخاص" للمملكة.
بعيدًا عنهم.
في مختبرٍ صغير، نحتَه تحت الأرض بيده.
حيث لا أحد يرفضه.
حيث لا أحد يهاجمه.
حيث يكون… سيد علمه الخاص.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الليلة كانت مختلفة.
خيتو نائمة… هادئة، أكثر مما يجب.
والسماء، كأنها تعرف ما سيحدث، حبست أنفاسها، ورفضت أن تُنزل أي نجمة.
في الظلال، تحرك كيرا بخفة رجل يعرف كل زاوية في المختبر.
كان يحمل حقيبة سوداء صغيرة، بداخلها عشرات القوارير الزجاجية، تتراقص فيها سوائل بلون البنفسج المائل للأسود.
هذه لم تكن مجرد مواد كيميائية…
كانت لعنةٌ مصمّمة بدقة.
تسلل من مدخل الطوارئ، مرّ بجانب جهاز كان هو نفسه من اخترعه، ولم يلتفت له.
توقف أمام القاعة الرئيسية — "قاعة الطاقة الحيوية"، حيث تتركز الأنابيب والأبحاث.
بدأ يزرع قواريره واحدة تلو الأخرى، في نقاط مختارة بعناية:
تحت المحرّك النووي،
خلف حجرة العينات،
داخل نظام التهوية…
كل قنينة كانت تحتوي على تركيبة تتفاعل مع الهواء عند تعرّضها للضوء.
وعندما تنفجر… لن يكون هناك أثر لأي شيء.
قبل أن يرحل، نظر كيرا إلى اللوحة الجدارية على الحائط — رسم قديم يصور التنانين وهي تحمي المدينة.
همس لنفسه:
— "أردت أن نحميها من أنفسنا… فاخترتم أن تحموا أنفسكم مني."
ثم ابتسم ابتسامة باردة.
وخرج من المكان كأن شيئًا لم يكن.
فجر اليوم التالي…
دخل العلماء، كعادتهم، يبدأون تجاربهم.
وبعد أول ضوء لامس الزجاج…
انفجر الجحيم.
الأرض اهتزت، الجدران تقشّعت، والسقف سقط فوق من تحته.
انفجرت الأنابيب، وتطايرت القطع المحترقة، ومعها أُطلقت غازات خفية — لا تُرى، لا تُشم، لكنها تغيّر الطبيعة نفسها.
لم يدمر المختبر فقط…
بل الأحياء المجاورة له.
وفي اليوم التالي… تغير لون أوراق الشجر في غابة الأبد لأول مرة.
ومنذ تلك اللحظة، لم تعد خيتو كما كانت.
ولم يعد كيرا إنسانًا.
خيتو، مدينة العلم والنور، استيقظت على رعب لا يُوصف.
أعمدة الدخان تتصاعد من كل اتجاه، الناس يركضون في الشوارع نصف محترقين، نصف نائمين… لا يفهمون كيف تحوّل يوم عادي إلى نهاية عصر.
المباني تهتز، الزجاج يتطاير، الأطفال يبكون، والجنود يتحركون بلا هدف واضح.
أما العلماء؟
فلم يبقَ منهم أحد.
مختبر الأبد لم يختفِ فقط…
بل انفتح تحت مكانه فُوَّهَة سوداء، وكأن الأرض لفظت رحمها.
أسرع الحرس لإخلاء المناطق المحيطة، لكن الغازات… كانت أسرع.
تسللت إلى جذور الغابة، فتغيّرت التربة، وتحوّلت بعض النباتات لنسخٍ مشوهة مما كانت عليه.
وفي مقر الحاكم، كان الفرعون بنفسه يقف مذهولًا، يحدّق في الخريطة، ويده ترتجف.
— "من فعل هذا؟!"
قائد خيتو، وقف بجانبه، وجهه مغطى بالرماد:
— "ليس جيشًا، ولا عدوًا خارجيًا… إنها خيانة من الداخل."
الفرعون:
— "من؟!"
ساد الصمت… حتى قالها أحد الجنود بخوف:
— "كيرا… سيدي."
كيرا.
الاسم الذي كان يرمز يومًا إلى العبقرية… صار الآن لعنة.
بدأت التحقيقات فورًا. الناس تبحث في كل مكان، لكن كيرا كان قد اختفى كليًا.
بيته مهجور، عائلته غير موجودة، ومختبره السري لم يُكتشف بعد.
وعلى أحد جدران المختبر المنفجر، ظهرت عبارة محروقة، كُتبت بمادة سوداء:
"إذا لم تقبلوني مخلّصًا… فاذكروني كذكرى لا تُنسى."
الخيانة كانت كاملة.
لم تكن مجرد كارثة… كانت صفعة على وجه العلم نفسه.
خيتو التي كانت مفخرة المملكة… أصبحت بقعة سوداء في سجل التاريخ.
والناس، الذين بالأمس هللوا لكيرا… صاروا يلعنونه دون أن يجرؤوا على ذكر اسمه بصوت مرتفع.
منذ تلك اللحظة… بدأ اسم كيرا يُمحى من الكتب.
لكن لم يكن هذا سوى بداية الكابوس.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت المدينة تشتعل، والدخان يتصاعد، والصراخ لا يتوقف.
في حين يركض الجميع هربًا من الخطر…
كان كيرا يتجه نحوه.
نزل إلى مختبره السري، ذلك المكان المنحوت تحت الأرض، والمجهز بأجهزة كان قد أخفاها لسنوات.
كان كل شيء جاهزًا.
على الطاولة أمامه، ست حقن صغيرة، كل واحدة تحتوي على تركيبة جينية مُعدّلة، ممزوجة بعنصر طاقي قاتل.
تركيبة محرّمة، كان العلماء يرفضون حتى النظر في أبحاثها.
كيرا وقف أمام المرآة، نظر إلى وجهه لآخر مرة كإنسان.
وجه شاحب، عينان متعبتان، وشعور دفين بأن العالم خانه.
تمتم لنفسه:
— "كنتم جبناء… أردت أن أحرركم من ضعفكم."
ثم غرز أول إبرة في رقبته.
ثم الثانية…
ثم الثالثة…
مع كل حقنة، شعر بجسده يرتجف. عظامه تتكسر وتلتحم، عروقه تتوهج، وحرارة لا تطاق تفور في دمه.
بعد الحقنة السادسة…
صرخ.
صرخة لم تُسمع في خيتو من قبل.
صرخة جعلت الجدران ترتجف… والأنوار تنطفئ… والأجهزة تنفجر.
خرج من المختبر بعدها…
كيرا لم يعد كيرا.
بشرته تحوّلت للون رمادي مائل للزرقة، عروقه متوهجة كأنها شُحنات طاقة،
عيناه… سوداء بالكامل، بلا بياض، وكأن فيهما بحر بلا قرار.
لم يكن يمشي، بل ينساب…
خطواته لا تُسمع، لكنه كان يُرى في كل مكان.
لم يكن عقله قد اختفى… بل تضاعف.
ذكاءه لم ينقص… بل تحوّل إلى ذكاء غير إنساني، أشبه بذكاء مفترس بارد.
وقف فوق تلّة رماد المختبر القديم، وقال بصوتٍ أجوف:
— "أنتم رفضتم التطور… فلتعرفوا ثمن الجمود."
وفي أول اختبار لقدراته…
عاد إلى بيته.
لم يكن ينتظر ترحيبًا… بل نهاية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت خيتو لا تزال تترنح من أثر الانفجار.
رائحة الرماد تنتشر في الأرجاء، والسماء ملبدة بالدخان، والناس تائهون بين ما فقدوه وما لم يفهموه بعد.
لكن في طرف المدينة، في منزل صغير عند حافة التل،
كان ثلاثة قلوب تنتظر عودة رجلٍ لم يكن ينبغي له أن يعود.
زوجته، سيرين.
طفليه التوأم، أورين وميلين.
ووالداه، العجوزان اللذان ظلا يؤمنان به… حتى اللحظة الأخيرة.
فُتح باب المنزل فجأة.
وقفت سيرين مندهشة، عيناها امتلأتا بالدموع:
— "كيرا…؟"
لم يُجب.
وقف في العتبة، جسده متغير، مغطى بطبقة رمادية لامعة، عيناه كأنهما وُجدتا في بُعد آخر.
ارتجفت يدها، خطوة للأمام… ثم خطوة للخلف.
— "ماذا فعلت؟!"
الأطفال ركضوا نحوه، كما اعتادوا أن يفعلوا دائمًا، دون خوف…
— "أبي!"
لكنه لم يفتح ذراعيه.
بل أغمض عينيه.
وبنظرة واحدة… تجمد الهواء.
لم تصرخ سيرين.
لم يُكمل الأطفال كلماتهم.
لم يتحرك أحد.
في لحظة واحدة… سقطوا جميعًا.
لم يكن انفجارًا.
لم تكن صرخة.
كانت همسة طاقة خرجت من قلبه… فمزقت ما تبقى من حبه.
وقف كيرا وسط الجثث، صامتًا.
نظر إلى أمه، ثم إلى زوجته، ثم إلى أصغر طفليه، ميلين، التي لا تزال عيناها مفتوحتين، وكأنها تحاول أن تفهم…
— "لماذا، أبي؟"
اقترب منها، جثا على ركبتيه، ومد يده…
أغلق جفنيها بلطف، كأنها تنام، كأنها لم تُذبح للتو.
تمتم بصوت خافت، كأنه يكلمها وحدها:
— "ليبدأ التطهير من الجذور."
ومن هذه اللحظة…
لم يبقَ شيء يربط كيرا بالعالم.
لا بيت.
لا حب.
لا وجوه مألوفة.
فقط رماد…
ودماء أول من أحبهم.
كانت المدينة لا تزال تلملم أشلاءها، تبكي شهداء المختبر، وتحاول فهم ما جرى…
لكن الشر الحقيقي لم يكن في الانفجار.
الشر… كان يسير على قدميه، يزحف من الظل، بلا خوف، بلا تردد.
اسمه: كيرا.
أول هجوم لم يُرَ… بل شعر به الناس.
منازل تُغلق من تلقاء نفسها.
أطفال يتوقفون عن الكلام فجأة.
نباتات في أطراف الغابة تتحوّل إلى أشواك بلون الدم.
وفي الليلة الرابعة بعد الانفجار…
سقط الحيّ الشمالي.
لم يُسمع فيه صوت معركة.
فقط صمت.
وعندما دخل الجنود في الصباح…
وجدوا الجثث مصطفة بعناية، كأن يدًا غير بشرية رتّبتهم ليشاهدهم العالم.
كلهم بلا دماء.
كلهم بعيون مفتوحة… كما لو رأوا شيئًا لا يجب أن يُرى.
في القصر، اجتمع الفرعون القديم مع قائد خيتو آنذاك، نيروف، وعشرات من حكماء المملكة.
— "هذا ليس سحرًا."
قالها أحد الحكماء وهو يرتجف.
— "هذه… تقنية. وُلدت من رحم العلم، لكنها خُدعت بالجنون."
الفرعون بصوت غاضب:
— "أوقفوه! أرسِلوا الجنود، السحرة، أي أحد!"
نيروف، القائد، نهض ببطء، وهو يعرف في أعماقه…
أن هذا العدو ليس شيئًا يعرفونه.
الجيوش خرجت.
المقاتلون الأشداء حملوا سيوفهم.
حتى بعض الكيانات القديمة، تلك التي تسكن أعماق الغابة، استُدعيت.
لكن كيرا…
لم يُوقف.
لأنه لم يكن يُقاتل مثل البشر.
لم يكن يتقدم من الأمام.
لم يكن يصرخ.
لم يكن يُظهر مشاعره.
فقط يبتسم…
ويُحطم من بعيد.
المجازر توالت.
منطقة بعد أخرى.
شارع بعد شارع.
كيرا كان يتقدم بخطوة دائمًا…
لا أحد يعرف من أين سيضرب، ولا كيف سيضرب.
في خلال أسبوعين، تحولت نصف خيتو إلى مقبرة زجاجية، حيث الجليد الكيميائي يغلف الجثث، والهواء مشبع برائحة الندم.
“كان علينا قتله آن ذاك عندما خطرت له تلك الفكرة. لماذا انتظرنا حتى قرر الانتقام” همسات نطق بها قائد خيتو بيأس
ثم… فجأة… توقف كيرا عن القتل.
اختفى.
الناس ظنّوا أنه رحل.
لكن الحقيقة؟
أنه أراد أن يتحدث.
في رسالة نُحتت على جدران معبد قديم وسط المدينة، كُتب:
— "أنتم رفضتم التغيير… فصنعتُ التغيير وحدي."
— "الآن، لدي شرط."
هنا تبدأ ملامح "الصفقة".
هنا، فهم الباقون أن كيرا… لا يريد فقط الانتقام.
بل يريد شيئًا أعمق.
شيئًا اسمه: أطهلن.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد أن مزّق كيرا نصف خيتو، بعد أن فشل الجيش، والسحرة، والفرعون نفسه في وقفه،
لم يتبقَّ لأهل المدينة سوى خيار واحد…
التفاوض.
كان الاقتراح جنونًا في بدايته.
كيف تفاوض مَن لا يتكلم؟ مَن لا يُظهر رغبة؟ مَن لا يريد مالًا، ولا عرشًا، ولا حتى انتقامًا واضحًا؟
لكنهم أرسلوا رسولًا على أي حال.
في ميدان مهجور وسط الخراب، وُضعت راية بيضاء.
وقف "مجلس العلماء الباقين"، ممثلين عن المدينة، يحيط بهم رمادٌ يشتعل من تحته.
ثم جاء كيرا…
لا على حصان، ولا محاطًا بحُرّاس.
جاء وحده، بخطوات ثابتة، وعينان سوداوان لا تلمعان.
لم يتكلم.
فقط نظر إليهم.
قال كبيرهم، صوته يرتجف:
— "لا نريد حربًا… لا مزيد من الدماء."
صمت كيرا.
تابع الرجل:
— "الجزء الشمالي من المدينة… المدمر. لقد… لم يعد صالحًا للحياة. خذه."
كيرا رفع رأسه ببطء، وسأل لأول مرة منذ تحوّله:
— "وتمنعوني من الباقي؟"
— "نعم… نطلب منك ألا تعبر هذه الحدود. مقابل أن نتركك… في سلام."
صمت… ثم ابتسم كيرا.
ابتسامة من لا يحتاج للإذن.
قال بهدوء:
— "سأوافق."
ثم اقترب من الأرض المحروقة، ووضع يده عليها.
الجليد بدأ يتشكّل تحت قدميه… امتدّ في خط مستقيم، يرسم حدودًا واضحة بين خيتو المحمية… ومنطقة كيرا.
— "هذه الأرض… لي."
ثم همس بصوت لم يسمعه أحد إلا الريح:
— "وأنا الآن… أعلم أين أنتم تخبّئون أطهلن."
ما لم يعرفوه، هو أن خضوعهم كشف له أكثر مما ظنوا.
لأنهم خافوا عليه من الاقتراب من "المنطقة الآمنة"…
فأدرك أنها تخبئ ما يريد.
لكنه لم يندفع.
لم يهجم.
فقط ابتعد…
وبدأ ينتظر.
لأن الصياد الذكي… لا يهاجم وهو غاضب.
بل يراقب وهو صامت.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منذ أن رُسم الخط الفاصل بين خيتو وكيرا،
منذ أن وُقّعت اتفاقية الخوف،
بدأ زمن جديد.
زمن الصمت.
لا أحد تجرأ على الاقتراب من أرض كيرا.
الأشجار فيها لا تنمو، الأرض لا تُنبت، والسماء فوقها تظل رمادية…
وكأن المكان يرفض أن يتنفس الحياة.
الكوابيس عن تلك الليالي لا تزال تُروى همسًا بين الأطفال،
لكنّ أسماء من عاشوا هناك… اختفوا من السجلات.
داخل منطقته… لم يكن كيرا نائمًا.
كان يراقب.
يُطوّر جسده.
يُحسّن قدراته.
يبني عالمه الخاص.
يستعد للحظة المناسبة.
لحظة واحدة… فقط، يفتح فيها باب أطهلن.
وفي المقابل، خيتو تغيّرت.
أصبحت قرية سرّية.
كل من يعرف حقيقتها إما من نخبة الداخل… أو من الموتى.
الفرعون القديم أصدر المرسوم:
"خيتو لم تكن. من يتحدث عنها… يُنفى."
الكتب أُحرقت.
السجلات مُحيت.
حتى اسم كيرا… اختفى من التاريخ الرسمي.
لكن أطهلن؟
لا تزال نائمة في قلب المدينة…
تحرسها قشور الجليد الكيميائي، الذي لا يذوب…
إلا أمام من يحمل نبضها.
وما لم يعرفه أحد وقتها، هو أن هناك طفلًا سيولد… يحمل في دمه نوعًا نادرًا من الطاقة.
طاقة ليست طبيعية… بل طاقة بنفسجية.
اسمه: ......................................... كاين.
وذات يوم…
في عمق غابة الأبد،
فتح كيرا عينيه فجأة، كأن نداءًا داخليًا أيقظه.
همس لنفسه، والابتسامة ترتسم ببطء على وجهه:
— "أخيرًا… المفتاح تحرك."
هكذا، لم تنتهِ قصة كيرا…
بل بدأت فصول جديدة من الانتظار، والمطاردة، والمصير المكتوب.
لأن بعض الوحوش لا تنسى…
بل تصبر.
منذ تلك اللحظة، أصبح كيرا مجرد "اسم محظور"، لا يُقال، لا يُكتب، لا يُفكر فيه...
وأصبحت خيتو "قرية ميتة" فوق أرض تحرسها الكوابيس.
لكن النار لا تنطفئ عندما نكتم صوتها…
بل تنتظر تحت الرماد.
وفي قلب الأرض المحروقة،
حيث دُمّر المختبر العظيم،
وحيث سقطت أعظم عقول المملكة،
بدأت الأرض تتغيّر…
تنبت من الألم…
وتتحوّل إلى غابة.
غابة لا تُشبه أي غابة.
أوراقها تهمس باللعنات،
وجذورها تحفظ أسرارًا لا يجب أن تُكشف.
سُميت فيما بعد:
غابة الأبد.
لكن القصة لا تبدأ من هناك…
بل من قبلها…
من تلك الليلة، حين قرر العقل أن يتحرر من القلب…
وقرر رجلٌ أن يبني عالمًا جديدًا،
حتى لو مشى فوق الجثث.
في تلك الليلة، كان كيرا يراقب السماء من قمة الغابة،
يبحث عن الومضة الغريبة، عن الخيط الطاقي الشاذ…
وفي لحظة صمت،
شعر بها…
تيشارلوت.
خفيفة. عشوائية. غير مستقرة…
لكنها كاملة.
جسده ارتجف،
لم يتردد هذه المرة، أغمض عينيه وسحب طاقته للداخل،
تتبع المصدر…
واستقر التردد عند القصر الفرعوني تحديدا في غرفة طفل ولد لتوه.
كيرا ابتسم.
— "أخيرًا... وجدك."
ركّز أكثر…
قلبه بدأ ينبض بسرعة.
كأن شيء داخله يقول له:
"لا، هذا لا يصدق.. م مستحيل…"
اقترب أكثر، طاقيًا…
تتبع الأثير…
حتى ظهرت له صورة غريبة في ذهنه:
سرير صغير...
مغطى ببطانية خفيفة...
وفيه طفل... رضيع.
نبض الطاقة آتٍ منه.
كيرا فتح عينيه فجأة،
اتراجع خطوة للخلف، لا يصدق.
— "رضيع؟!!"
جلس بصمت، وجهه جامد، لكن داخله عاصفة.
كيف يمكن لطفل لم يعرف حتى اسمه، أن يولد بتيشارلوت؟
لماذا الآن؟ بعد قرون من الانتظار؟
تمتم لنفسه:
— "القدر لا يمزح…"
— "هذا الطفل… لم يُولد صدفة. هذا تهديد مكتوب."
ولأول مرة منذ قرون…
كيرا خائف.
ليس من الطفل.
بل من الزمن…
لأن كيرا، سيد التخطيط، لا يخاف من الأعداء…
لكنه يخاف من ما لا يمكن توقعه.
بعدها بساعات،
أطلق كيرا أول ظله…
ليبدأ مهمة طويلة اسمها:
"راقبوا الطفل...
ولا تتركوه لحظة."
كانت الليلة هادئة، لكن آي لم يكن هادئًا.
في حجرته الخاصة، أمسك بـ صندوق المركلس، وراح يتتبع الذبذبات الخارجة منه…
ثم توقف فجأة.
شيء ما... تغير.
نبضٌ خافت… غير مألوف.
دقّ قلبه، وأدرك أنه ليس نبضًا عاديًا.
إنه النبض السادس.
تيشارلوت… اكتملت.
نظر للخرائط، لتقاطع الطاقات، لترددات الطاقة القديمة…
كلها تشير إلى مكانٍ واحد:
القصر.
دخل آي القصر بهدوء، في الليل، تحت ستار التفقد الدوري…
ومشى حتى وصل إلى غرفة الأمير الثاني: كاين.
الطفل كان نائمًا… لكن الهواء حوله بارد بشكل غير الطبيعي.
لم يكن هناك ثلج… لكن على الزجاج، ظهرت أنفاس متجمدة.
آي ابتسم بحزن، وقال بصوت خافت:
— "أنت هو… الخطر الحقيقي."
في تلك اللحظة، فهم كل شيء:
سبب اضطراب أطهلن فجأة.
تفاعل الجليد مع مشاعر الرضيع.
النظرات الغريبة اللتي تلاحقه من حراس الظلال في الغابة…
كل هذا ليس صدفة.
جلس آي بجوار الطفل، ووضع يده على جبهته بلطف:
— "كاين… لو عرف أبوك من أنت فعلاً، سيحبسك في قفص من ذهب."
— "ولو عرف كيرا… لن يتركك تعيش اكثر."
ثم تمتم بقرار لا عودة فيه:
— "لا تقل لأحد عن قدرتك حتى لو كان اخوك."
— "وسأجعلك تكتشف كل شيء بهدوء… الى ان تستطيع حماية نفسك."
أخرج من جيبه قطعة صغيرة من المعدن…
نقشها غريب… طاقتها دافئة…
ووضعها في سرير الطفل بجانبه.
— "هذه… مركلس التاريخ.
“سيشرح لك… عندما يحين الوقت للحقيقة”
كاين، الرضيع الذي لا يعرف أصله،
يحمل في دمه سلاحًا قد يُنقذ العالم… أو يدمّره.
كيرا، الوحش الذي لا يرحم،
شعر بالخطر لأول مرة منذ قرون… والخطر كان طفلًا.
وآي، الحارس الصامت،
قرر أن يُخفي الحقيقة… في انتظار أن يشتعل الجليد.
وما بين برودة الجليد وسخونة القدر،
كان الزمن… يحبس أنفاسه.