في البدء، انشطر العالم الذي صوّره الله في هدوء إلى نصفين. ففي القارة الشرقية نهضت الأمم والقبائل، اتحادات شامخة ادّعت لنفسها بقعة من الأرض دعتها السهول الوسطى، أو "موريم". أما في الغرب، وفيما وراءه شمالاً وغرباً، فقد ضرب أقوام آخرون جذورهم، مؤمنين بالسحر، وبالعلوم، وبهندسة الصنعة الدقيقة، يبنون سلطانهم على ما يُقاس أو يُستحضر أو تصنعه الأيدي. غير أنه في قلب العالم ذاته، بمنأى عن التيارين كليهما، بقي قومٌ لم يؤمنوا إلا بالله وحده، وبوحدانيته. ومن بين هؤلاء القوم كان أن نشأ رجل، رجل قُدِّر له أن يُعيد صياغة فهم العالم لموطنه وعقيدته على السواء.
في قرية صغيرة من أصل بدوي، في مملكة عشتار، أقبل صبي يعدو عبر التراب المدكوك نحو بيت مطليّ بالجير، وصوته يتصدّع من فرط الحماسة قبل أن يبلغ الباب بزمن طويل.
"يا أخي! يا أخي! هنيئاً لك — اليوم تُتمّ ثمانية عشر ربيعاً!"
نهض الأخ الأكبر ليلقاه، ضاحكاً، فأمسك بكتفيه قبل أن يحمله اندفاعه إلى ما بعده. "ها! لُوَيد، أما قلت لك — اعدُ هكذا في هذه الأزقة الضيقة، ويوماً ما ستتمرغ في التراب."
وضع أحمد يده على رأس أخيه الصغير، بحركة صقلتها سنون من التكرار، ثم اتجه صوب البئر عند طرف القرية ليستقي ماء الصباح. فوجد صديقه الأقدم ينتظره هناك، بابتسامة كأنها تعرف شيئاً لم يكن أحمد قد عرفه بعد.
"أحمد! أليس اليوم — ذكرى مولدك؟ ثمانية عشر عاماً. هنيئاً لك حقاً."
تأمل أحمد وجه صديقه لحظة، وعبَر عينيه شيء من الحنين. "شكراً لك يا صابر. وإن كنت أعترف — أظنني سأشتاق إلى مصارعتنا أكثر مما أنا مستعد للإقرار به."
ضحك صابر وأرخى دلوه في ظلمة البئر الباردة، وحبله يصرّ على حجر الحافة. "لا يشغلنّك هذا يا أحمد. اليوم يوم الرحيل — إنها العادة. القبيلة كلها تعرف ذلك." ثم، بمكر مَن طال انتظاره ليقول ما يريد، غطس بوجهه في دلوه وخرج يلهث، متذمراً. "وكيف، بربك، ستشتاق إلى مصارعتي — وأنت تصرعني أرضاً في كل مرة؟ أنت أقوى رجل في هذه القبيلة، وتعلم ذلك."
نظر إليه أحمد، وتدفق الضحك في موجات قصيرة دافئة، الواحدة تلو الأخرى. "وأنت أجمل رجل فيها."
"وماذا،" ردّ صابر، وهو يسحب دلوه إلى حافة البئر، "عساني أفعل بالجمال، بينما أنت ذاهب لتتزوج أجمل فتاة، لا في هذه القبيلة وحسب، بل في المملكة بأسرها؟"
انطفأ الضحك من وجه أحمد دفعة واحدة، وحلّ محله شيء أهدأ وأحدّ. "يا صابر. فلنتوضأ ونصلِّ الفجر معاً — قبل أن أطرحك أرضاً مرة أخيرة قبل رحيلي. تعلم كما أعلم أن الحديث عن زوجة الرجل أمامه له ثمن. ثمن باهظ. لكنك كأخ لي، فـ— هذه المرة، أسامحك."
ابتلع صابر ريقه، والماء لا يزال يقطر من ذقنه، ولم يزد شيئاً. كان يعرف شكل غيرة أحمد، كيف تحترق هادئة مطلقة حين يتعلق الأمر بزوجته — يعرف أن أحمد كان يهدم الدنيا قبل أن يدع الأذى يمسّها.
صلّى رجال القبيلة معاً حين انجلت الشمس عن الأفق، ثم تفرقوا إلى أعمال الصباح الصغيرة — رعي الماعز، وإصلاح السروج، وشحذ ما يحتاج إلى شحذ — حتى ارتفع نداء صلاة الظهر فوق القرية وجمعهم من جديد. وبعدها اجتمعت القبيلة كلها كرجل واحد: رجالاً ونساءً، شيوخاً أثقلتهم السنون، وأطفالاً لم يتعلموا بعد السكون. تقدّم أكبر شيوخ القبيلة إلى الفراغ الذي فتحه له الحشد، ونادى بأربعة أسماء.
تقدّم أربعة شبان، وإلى جانب كل منهم زوجة فتية.
"أحمد، بن قيس، بن خالد — وزوجته مريم، بنت محمد، بن جابر."
"خالد، بن محمد، بن عبد القادر — وزوجته أمل، بنت خير الدين، بن سيف الدين."
وتلا ذلك اسمان آخران، حتى وقفت النساء الأربع صفاً واحداً، وأزواجهن مصطفّون أمامهن، ورفع شيخ القبيلة جابر صوته يخاطبهم جميعاً.
"اليوم، يُتمّ أربعة من أبنائنا ثمانية عشر ربيعاً — كما تُتمّه زوجاتهم، كل واحدة منهن ثمانية عشر عاماً بدورها. واليوم، كما تقضي العادة، هو يوم الرحيل. اليوم يخرج شبابنا إلى العالم الواسع ليكتسبوا خبرتهم به بأنفسهم، تودّعهم النساء اللواتي يحببنهم والأسر التي ربّتهم. لقد أنجب هذا الجيل بعض أفضل الشبان الذين عرفناهم — وأحمد في مقدمتهم. انتظروا حتى صلاة العصر، اقضوا هذه الساعات الأخيرة مع أسركم، ثم ارحلوا. واعلموا هذا — أكثر من يرحل لا يُتمّ عاماً واحداً في الغربة قبل أن يعود إلينا." ثم صمت، تاركاً الكلمات تستقر فوق الحشد. "هذا كل ما لديّ."
تفرّق الجمع إلى تيارات أصغر، وانساب الجميع عائدين إلى عتباتهم، ينتظرون مرور الساعات حتى صلاة العصر. وفي بيت أسرة أحمد، اجتمعت الأسرة بأكملها — أبوه قيس، وأمه فاطمة، وأخوه الصغير لُوَيد، وأخته الصغرى نوال، وزوجته مريم إلى جانبه. أمضوا الساعات في حديث ضاحك سهل، من ذلك النوع الذي يأتي بيسر بين من تقاسموا سقفاً واحداً طوال حياتهم، حتى انساب نداء الصلاة من النافذة المفتوحة فأسكتهم جميعاً دفعة واحدة.
أمسك أحمد بيد زوجته.
"يبدو،" قال بصوت خفيض، "أنني لن أرى وجهك من جديد لعام كامل." وانحنى يطبع قبلة على جبينها. "انتظريني فحسب."
لم تقل شيئاً — اكتفت بالإيماء، وابتسمت، ابتسامة تحمل أكثر مما تُظهر. نهض أحمد أولاً ليتوضأ، وفي اللحظة التي أدار فيها ظهره، رمقت مريم والدَي زوجها بغمزة صغيرة خفية مرّت بينهم.
بعد صلاة العصر، اجتمعت القرية كلها — كل أسرة، كل شيخ، كل طفل — عند طرف القرية حيث تفسح البيوت المجال للصحراء المفتوحة. وقف الشبان الأربعة مستعدين. وحين حانت ساعة الرحيل، تقدّمت الأمهات، كل واحدة تحمل حقيبة سفر كبيرة لابنها. غير أنه حين بلغت أم أحمد ابنها، كانت الحقيبة في ذراعيها من الثقل بحيث لم تستطع حملها كما ينبغي — فاضطرت إلى جرّها في الخطوات الأخيرة عبر الرمل.
أقبل أحمد نحوها وانحنى قريباً منها، بشيء من المداعبة. "يا أمي — لِمَ هذه الحقيبة بهذا الثقل؟ لا تخبريني أنك حشوتِ فيها عجلاً." وضحك ضحكة خافتة.
"ربما فعلت،" قالت، وفي ابتسامتها شيء لا يُقرأ.
تردّد أحمد لحظة قبل أن يرفع الحقيبة على كتفه — فوجدها لا تكاد تزن شيئاً، خفيفة كحزمة من القماش، بفضل تلك القوة الغريبة التي طالما ميّزته عن سواه. وواحداً تلو الآخر، حمل الشبان الأربعة أمتعتهم ومشوا إلى الصحراء المفتوحة معاً، حتى بلغوا الموضع الذي تتفرّق فيه دروبهم. هناك، اختار كل رجل وجهته، وسار بعيداً عن الآخرين، وحيداً، ليكتشف العالم ونفسه معاً.
مرّت الساعات. وأقبل الليل.
نصب أحمد مخيّمه في عمق الصحراء، داخل كهف منحوت في جانب جبل صغير بلون الصدأ والدم اليابس. جثا إلى جانب حقيبته في الظلام، يتحدث إلى نفسه نصف حديث وهو يحلّ الأربطة.
"يبدو،" همس، "أنني سأتجه شرقاً. سمعت أن هناك أمة عظيمة، في مكان ما وراء الكثبان."
فتح الحقيبة.
فتحرّك شيء بداخلها — ثم سقط شيء، اصطدم بأرضية الكهف الحجرية بصوت أغرب، وأشدّ قصداً، من أن يكون محض مصادفة.
تجمّد أحمد، محدّقاً فيه.
"...ماذا؟!"