كان صباحًا رماديًا، تغطيه غيوم ثقيلة تمنع الشمس من الظهور، وكأن السماء هي الأخرى فقدت الأمل. جالهان كان يسير بصمت عبر الأراضي المهجورة، يخطو على الأرض المدمرة التي كانت يومًا ما مليئة بالحياة. القرية، التي كانت تحتفظ بأصوات الضحكات وحركة الناس، أصبحت اليوم خرابة. الأبنية المدمرة تعانقها الأتربة، والأبواب المحطمة تئن تحت ضغط الرياح الباردة.

كان كل شيء هادئًا جدًا، كأن العالم قد توقف في لحظةٍ ما، أو أن الزمن قد نسي هذه القرية الميتة. جالهان، الذي كان يمر بالصدفة بعد رحلة طويلة، شعر بشيء غريب في قلبه وهو يقترب من هذه القرية. عينيه كانت تحمل نظرة من الأسى، وعقله منشغل بالتساؤل: هل لا يزال هناك من يمكنه النجاة من هذه الكارثة؟

دخل القرية ببطء، مستعرضًا الشوارع الضيقة، بينما كانت أكوام الأنقاض تعرقل طريقه. كل خطوة كانت تترك خلفها صدى يذكره بالوحدة التي تحيط به. كان قلبه ينبض بشدة رغم الصمت الذي يلف المكان، ولكنه لم يستطع مقاومة الحاجة لمساعدة من قد ينجو هنا.

بينما كان يتجول في أحد الأحياء المدمرة، لمحت عيناه شيئًا غريبًا وسط الركام: كان جسد صغير مستلقيًا بين حطام منزل قديم، مغطى بالأتربة، يكاد يكون شبه مغمور في الظلام. اقترب بسرعة، وعيناه تتسابقان مع عقله لفهم ما يحدث. وعندما دنا منه أكثر، تَبيَّن له أنه فتى صغير، شعره أبيض كالثلج، وجسده مهدم من الجروح، وهو فاقد للوعي بشكل كامل.

"هل هو حي؟" همس جالهان لنفسه، وهو يشعر بنبضات قلبه تتسارع. دون تفكير، انحنى ليتحقق منه. كان الفتى يتنفس بصعوبة، وكأن الحياة نفسها على وشك أن تترك جسده. كانت يده ترتجف بينما كان يمسك بشدة ذراعه، يحاول ايقاظه.

"ابقَ على قيد الحياة..." تمتم جالهان وهو ينقل الفتى بين يديه، يشعر بجسده الهش وكأنه يحمل عبئًا ثقيلًا. حمله برفق، عينيه تراقب المحيط، ليجد نفسه في هذه القرية المدمرة، حيث لا شيء سوى صمت الموت يحيط بهما.

بينما كان يسير مع الفتى بين ذراعيه، كان قلب جالهان يمتلئ بشعور غريب، شعور بالمسؤولية تجاه هذا الكائن الضعيف، الذي يبدو أنه كان آخر من تبقى في هذه القرية. ولكن في قلبه، كان هناك شيء آخر أيضًا: كان لديه شعور غامض بأنه إذا استطاع إنقاذ هذا الفتى، فربما يكون قد وجد في نفسه هدفًا جديدًا، شيئًا يواجه به هذه الوحدة القاسية.

مرت لحظات من الصمت الثقيل وهو يتجه نحو أقرب ملجأ، حيث سيحاول بذل كل ما في وسعه لإنقاذ هذا الفتى، الذي بدا وكأنه يحمل بين عينيه قصة مريرة، قد تكون قد بدأت منذ زمن بعيد.

اد جالهان إلى قريته بعد رحلة شاقة، بينما حمل بين ذراعيه الفتى ذو الشعر الأبيض الذي أنقذه من القرية المدمرة. كانت الرياح الباردة تلامس وجهه، لكنه لم يعرها اهتمامًا، فكل ما كان يشغله هو حال الفتى الغائب عن الوعي. تقدم عبر الطرق الضيقة التي كانت تقود إلى قلب القرية، حتى وصل إلى المنزل الذي كان في انتظارهم، حيث استقبله أصدقاؤه القدامى.

أول من قابله كان ريموند، صديقه القديم الذي أصبح الطبيب الماهر في القرية. كان رجلًا في أوائل العشرينات، ذو نظارات طبية، وهيأت وجهه الهادئة تتناسب تمامًا مع طبيعته المهنية. على الرغم من سنوات العمل الطويلة، إلا أن عينيه ما زالت تحافظان على لمعة الشباب والطموح.

"جالهان!" قال ريموند وهو يقترب منه بسرعة. "ما الذي جلبته معك؟ هذا الفتى يبدو في حالة سيئة جدًا."

"لقد وجدته في قرية مدمرة، فقد كان وحيدًا، ومصابًا بجروح خطيرة. أحتاج إلى مساعدتك، ريموند." رد جالهان وهو يحني رأسه قليلاً، في إشارة إلى الجهد الذي بذله.

بينما كان ريموند يضع يديه على الجراح ويبدأ في معالجة الفتى، دخل شوتو، قائد قوات الشرطة، وهو يشير إليهم بيده.

"ماذا هناك؟" سأل شوتو، الذي كان يتمتع بحضور قوي وصوت عميق، إذ كانت ملامحه الصارمة وأسلوب حياته العسكري قد جعلاه يبدو كالجبل الذي لا يلين.

"إنه فتى أنقذته من قرية مدمرة. يبدو أنه الناجي الوحيد." قال جالهان وهو يراقب ريموند بحذر.

بدأ ريموند في خياطة الجروح والتأكد من استقرار الحالة، بينما كانت عيني شوتو تركزان على جالهان، متسائلة عن سبب عودته المفاجئة مع هذا الفتى. لكن شيئًا ما في وجه جالهان جعله يتردد في طرح الأسئلة.

بعد لحظات من الصمت، نظر شوتو إلى جالهان وقال بلهجة مباشرة:

"هل تعلم ماذا تعني هذه الخطوة؟"

نظرات شوتو كانت حادة، وكان يعرف جيدًا أن جالهان، كقائد لقرية "خيتو" السرية، كان دائمًا ملتزمًا بقوانين القرية التي تحظر إدخال أي شخص إلى القرية من خارجها إلا في حالات استثنائية. كما أن القوانين تشترط أن يكون الشخص الذي يقرر العيش في القرية قد مر بتدقيق صارم لضمان سرية وأمن القرية، خاصة وأنها تقع في قلب غابة "الأبد" المليئة بالوحوش.

"أنا أعلم... ولكن... هذا الطفل بحاجة للمساعدة. لا أستطيع تركه هناك." قال جالهان بصوت هادئ، لكنه لم يخفِ التوتر الذي يشعر به بسبب تحديه لقواعد القرية.

قال ريموند وهو يعالج جراح الفتى:

"ولكنك قد خالفت القوانين، يا جالهان. حتى وإن كانت دوافعك نبيلة، فوجود هذا الفتى في القرية قد يهدد سرية مكاننا. كل شيء هنا محاط بالخطر إذا اكتشف أحدهم مكاننا."

صمت جالهان للحظة، ثم قال بصوت حازم:

"سأتحمل تبعات قرارتي. وسأقول للقدى السابقين حين يحين الوقت، إنني اخترت أن أكون الشخص الذي يحمي حياة هذا الفتى، حتى لو كان الثمن هو العقاب."

نظر شوتو إلى جالهان، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة، عرف من خلالها أن صديقه قد اتخذ قراره، وأنه لا يمكن إقناعه بسهولة.

"هل تقصد أنك ستتبناه؟" سأل ريموند، الذي رفع نظره عن الفتى ليواجه جالهان.

نظر جالهان إلى الأرض للحظة، قبل أن يرفع رأسه ليجيب بهدوء:

"نعم، سأتبناه كأخ. فأنا صغير جدًا لأكون أباه، ولست متزوجًا حتى الآن،هكذا تنص قوانين القرية أليس كذلك؟"

شوتو استغرق لحظة في التفكير، ثم أومأ برأسه بحذر:

"إذا كانت هذه رغبتك، فسنقف إلى جانبك. لكن تذكر، الأمر ليس بهذه البساطة... فهناك من سيعترض."

"أنا مستعد للمواجهة، شوتو." أجاب جالهان بثقة.

وبينما كان ريموند يكمل علاج الفتى، أدرك جالهان أن هذا القرار سيغير مجرى حياته وحياة الفتى الصغير. كانت اللحظات الماضية مليئة بالحيرة والقلق، لكنه شعر بشيء جديد يولد داخل قلبه: مسؤولية أكبر من أي وقت مضى.

في الاجتماع.

كانت غرفة الاجتماعات في قريّة "خيتو" خالية من الضوء إلا من شعاع القمر الذي يتسلل عبر النوافذ المغطاة بالأعشاب، مما أضفى جوًّا من الحذر والتوتر. جالسًا حول طاولة ضخمة كانت تُوضع عليها خرائط قديمة وكتب قد تآكلت أطرافها، اجتمع القادة الخمسة السابقين، وهم كُثر مثل الصخور التي تحملها الأرض في مكانها، يراقبون جالهان بعينين حادّتين، أذهانهم تملأها أسئلة لا جواب لها بعد.

صوت الرياح التي تعصف بالخارج كان يلتقطه الصمت الذي يملأ الغرفة، وكأن الهواء نفسه يحمل ثقل المسؤولية. جالهان كان جالسًا أمامهم، وعيناه تحدقان في الطاولة، بينما كانت يده تلامس طرف سيفه في حركة لا إرادية، كما لو أنه يحاول تهدئة الأعصاب المشتعلة في صدره.

قال القائد الأول، ذو الشيب الذي ملأ رأسه، بصوت عميق:

"تتحدث عن هذا الطفل وكأنه أمل جديد... ولكنك تعلم أن الأمر ليس بهذه البساطة، جالهان. هل فكرت في المستقبل؟ في ما قد يحدث إذا أصبح هذا الفتى عبئًا علينا؟"

أجاب جالهان، صوت هادئ لكنه حازم:

"أنا لا أرى عبئًا في رعاية هذا الطفل، بل أرى فرصة. إن قرية "خيتو" قد نُسجت من نسيج من الحماية والسرية، ولقد تعرضنا جميعًا لأوقاتٍ صعبة، لكننا نعلم جيدًا أن القرية لا يمكن أن تظل على قيد الحياة دون التضحية."

رفع القائد الثاني حاجبه وقال:

"وتضحية بهذا الحجم؟ يجب أن تعرف أن الطفل هذا يحمل بينه ماضيًا مظلمًا. ربما لا نعلم كل شيء، ولكن من الواضح أن هذا الفتى يحتاج إلى رعاية خاصة. هل فكرت في تأثير هذا على استقرارنا؟ وهل ستكون قادرًا على الوفاء بمسؤولياتك كقائد، وأنت محمّل بهذه العناية اليومية؟"

كانت كلمات القائد الثاني بمثابة سهام موجهة إلى قلب جالهان، لكنه لم يتراجع. بل، ظل ينظر إلى القادة بأعين ثابتة، لا يظهر عليه أدنى قلق.

"أنا مستعد لهذا التحدي. نحن هنا من أجل بناء حياة جديدة، ليس فقط لأنفسنا، بل من أجل الحفاظ على القرية التي أعطتنا الكثير. إنني مستعد لحمل هذا العبء."

لكن القائد الثالث، ذو البنية الضخمة والملامح القاسية، أعاد توجيه النقاش بحسم:

"ماذا عن المدى البعيد؟ لا يمكننا ببساطة تجاهل ما قد يسببه هذا الفتى من تأثيرات على قرية خيتو. هل يمكننا المخاطرة بمستقبلنا ومستقبل أهلنا؟ هذا ليس مجرد خيار فردي. إذا لم تتمكن من الحفاظ على استقرار القرية بعد تبني هذا الطفل، فإننا قد نخاطر بمستقبل الجميع."

نظر جالهان إلى القادة واحدًا تلو الآخر، ثم سأل بصوت منخفض، لكنه مليء بالثقة:

"أنتم تقولون أنني قد أخسر القرية... لكن ما رأيكم في أنني إذا لم أتخذ هذه الخطوة، سأخسر نفسي؟"

في تلك اللحظة، كان القائد الرابع، الذي كان أهدأ من الآخرين وأشد فكرًا، قد مال للأمام، قائلاً:

"لا تستخف بما ستجلبه تلك الصدمة النفسية على هذا الفتى. هو ليس مجرد طفل عادي. ما مر به، من تدمير قريته إلى أن أصبح الوحيد الناجي، سيكون له تأثير عميق. سيتطلب الكثير من الرعاية العاطفية والجسدية. أنت تأخذ على عاتقك مسؤولية أكثر مما تتخيل، جالهان."

قال جالهان بحزم:

"إذا كان الأمر يتعلق بمساعدته على النهوض، فليس هناك ما يمنعني من تقديم ما أستطيع. سأتخذ المسؤولية الكاملة، ولكنني أطلب منكم أن تدعوني أقرر مصيره."

صمت الجميع للحظة، وأعينهم تتبادل النظرات. ثم نظر القائد الخامس، الذي كان أقدمهم وأكثرهم حكمة، إلى جالهان وقال:

"لكن لدينا شرط واحد، جالهان. إذا ظهر أي تأثير سلبي على هذا الفتى... إذا ظهرت أي مشكلات قد تهدد القرية أو تؤثر على حياتك المهنية هنا، فلن تستطيع الاحتفاظ بالقرية. نحن لا نسمح أن يُعرض مصير القرية للخطر."

كان جالهان يعرف ما يعنيه ذلك. فقد كان القرار الذي اتخذوه يعني أكثر من مجرد تبني فتى، بل كان يعني أن مصير "خيتو" سيكون مرهونًا بتأثير هذا الطفل عليه.

ولكنه كان قد قرر بالفعل. نظر إليهم وقال بحزم:

"أنا مستعد لما هو آت. سأكون القائد الذي يحمي القرية، ولكنني سأكون أيضًا الشخص الذي يحمي هذا الفتى."

----------------------------------------------------------------------------

كان الضوء الخافت لشمس الصباح يتسلل عبر النوافذ المغلقة، ملقياً خيوطه الذهبية على السرير الذي كان يرقد عليه الفتى. بدا المكان هادئًا، عدا عن صوت الرياح التي كانت تمر عبر شقوق الجدران الخشبية. كان جالهان جالسًا بجانب الفتى في تلك الغرفة البسيطة في المستشفى، يراقب تنفسه العميق بترقب. عينيه مملوءتان بالقلق، ولكنه حاول جاهدًا أن يظهر وكأنه لا يراهن سوى على الشفاء التام للفتى.

كان الفتى على وشك الاستفاقه. تحركت أطرافه قليلاً، ثم فتح عينيه ببطء، وكأنما هو يعود إلى عالم جديد، مليء بالضباب والذكريات الممزقة. نظر حوله بقلق، عينيه تبحثان عن شيء مألوف، لكنه لم يجد إلا الوجوه الجديدة التي كانت محيطة به.

بينما كان الضوء يتسلل أكثر إلى الغرفة، بدأ الفتى يحرك يديه برفق. همهمات خفيفة تلتها حركة بطيئة في جسده. ثم، بعد لحظات، فتح عينيه ببطء، وبدأت تلك العيون المذهولة في التفحص حوله كما لو أنه يحاول التذكر أين هو.

عندما رآى جالهان، شعر الفتى بشيء غريب. لم يعرفه، لكن هناك شعور مألوف تسلل إلى قلبه، كأنما كانت تلك العينان تعرفان قصة قديمة. نظر الفتى إلى جالهان في حيرة، ثم قال بصوت خافت، كما لو أن الكلام يخرج بصعوبة:

"أين أنا؟"

ابتسم جالهان بلطف، محاولًا إخفاء القلق في عينيه. كانت ابتسامته مليئة بالاطمئنان، وكأنها تقول "كل شيء سيكون على ما يرام".

"أنت في مكان آمن، لا داعي للقلق. كنت في مكان خطر، لكنك الآن بخير." قال جالهان بصوت هادئ، يحاول تهدئة الفتى.

ثم بدأ الفتى يحاول الجلوس، ولكن جسمه كان منهكًا. فدنا جالهان منه قليلاً، مساعدًا إياه برفق ليجلس بشكل مريح.

"هل تستطيع أن تخبرني... ما اسمك؟" سأل جالهان بنبرة هادئة، بينما كان يراقب الفتى عن كثب.

نظر الفتى إليه بحيرة، لكن شفاهه بدأت تتحرك في محاولة لتذكر شيء ما. كان عقله مشوشًا، والذاكرة ضبابية، ولكنه أجاب أخيرًا بصوت متردد:

"اسمي... اسمي روتو."

"روتو..." كرر جالهان الاسم في نفسه، ثم أضاف: "وكم عمرك، روتو؟"

"أحد عشر عامًا..." جاء الجواب ببطء، بينما كان روتو يشعر بمزيج من الحيرة والقلق.

لحظات من الصمت مرّت بينهما، كان جالهان يحاول أن يلتقط كل كلمة وكل إشارة من الفتى ليفهمه أكثر. ثم، بعد لحظة، نظر جالهان إليه بعينين مليئتين بالحنان، وقال:

"هل تتذكر ما حدث؟ كيف وصلت إلى هنا؟"

توقف روتو قليلاً، يحاول استرجاع ما حدث. كان فكره مشوشًا، لكن مع كل لحظة من الصمت، بدأت الذكريات الممزقة تظهر في ذهنه. تنفس بعمق، ثم قال، وهو يغمض عينيه كما لو كان يحاول استعادة تلك الصور:

"أتذكر... التنانين. هاجموا قريتي... دمروا كل شيء." قالها بصوت ضعيف، لكن كان في كلماته ألمٌ عميق.

عندما سمع جالهان ذكر التنانين، شعر بشيء غريب يشتعل في قلبه، شعور بالقلق الذي حاول جاهدًا إخفاءه. كان لديه شكوك، بل كان يعرف أن هناك أكثر مما يبدو، لكن جالهان، بعينين متماسكتين، لم يظهر عليه أي خوف.

"هل كان الهجوم مفاجئًا؟ هل كان هناك أي شيء غريب قبل ذلك؟" سأل جالهان بلطف، وهو يراقب رد فعل الفتى.

روتو نظر إلى الجدران، ثم إلى يديه، كأنه يحاول أن يتذكر شيئًا مهمًا. بعد لحظة، قال بصوت ضعيف، وهو يضغط على رأسه:

"هناك شيء آخر... شيء مهم... لكنني لا أستطيع تذكره الآن."

سكت جالهان لوهلة، وقال بحذر:

"لا بأس، روتو. عندما تكون جاهزًا، ستتذكر كل شيء. الآن فقط حاول أن تستريح. نحن هنا من أجلك."

ثم، نظر جالهان إلى الفتى بعينين مليئتين بالحنان، وكأن هذا الفتى قد أصبح جزءًا من حياته بالفعل، على الرغم من أنه لم يكن يعرفه قبل هذه اللحظة.

"كل شيء سيكون بخير، روتو. لن تكون وحدك بعد الآن."

في تلك اللحظة، شعر روتو بشيء غريب في قلبه، شعور بالراحة، كما لو أنه كان ينتظر هذا الأمان طوال حياته. في تلك اللحظة، كانت الأيام الصعبة التي مرّ بها تعود، لكن جالهان كان الشخص الذي سيقف إلى جانبه الآن، وكأنما كان هو الوحيد القادر على تحمل العبء معه.

وبينما كان جالهان يراقب الفتى بحذر، شعر بشيء آخر يزداد في قلبه. كان يعلم أن الأسئلة ستأتي عاجلاً أو آجلاً، وأن روتو سيحتاج إلى إجابات. وفجأة، قطع روتو صمته وقال، بصوت متردد، لكن عينيه تلمعان بشدة:

"من أنت؟ وماذا سيحدث لي الآن؟"

سؤالٌ محير، لكنه جاء في الوقت الصحيح. جالهان تنفس بعمق، ثم نظر إلى الفتى، عينيه مليئة بالإجابة التي كان يعلم أنها ضرورية.

"أنا جالهان. وأنا هنا لأساعدك. سأكون أخاك، وسأهتم بك كما لو كنت أحد أفراد عائلتي. أما بالنسبة لمستقبلك، فسيكون مختلفًا عما تتوقع. ستجد في هذا المكان الجديد أملًا وراحة، وسنساعدك على بناء حياة جديدة."

ثم توقف للحظة، ليضيف بتأكيد:

"أما عن المكان الذي أنت فيه الآن، فهو ليس مجرد مستشفى. إنه في قرية مخفية تدعى 'خيتو'. إنها قرية نائية، تقع في قلب غابة 'الأبد'، وهي مكان آمن بعيد عن الأعداء. هنا ستجد الأمان."

نظر روتو إلى جالهان بعينين مليئتين بالدهشة. كلمات جالهان كانت تحمل معه وعدًا بالأمان والسكينة، ولكن هناك الكثير من الأسئلة التي ما زالت تملأ قلبه.

"خيتو؟ ماذا يعني ذلك؟ ولماذا أنا هنا؟" سأل روتو، وهو يحدق في عيني جالهان، وكأن الكلمات الأخيرة فتحت له نافذة على عالم جديد، لكن لم يكن يملك الإجابات بعد.

جالهان ابتسم بابتسامة مطمئنة وقال:

"هذا ما سنتعلمه معًا، روتو. سنتنقل معًا في هذا الطريق، وسأكون هنا دائمًا من أجلك."

وهكذا، بدأ روتو يشعر بأن هناك شيئًا كبيرًا ينتظره، شيئًا مختلفًا عن الماضي المظلم الذي عاشه، ولكن شيئًا من الأمل كان في الأفق. وبالرغم من الحيرة التي كانت تغمره، إلا أنه شعر بشيء من الطمأنينة لأول مرة منذ وقت طويل.

---------------------------------------------------------------------------

وفي اليوم التالي كانت السماء قد بدأت تتناثر فيها خيوط ضوء خافتة، وكأنها تستيقظ ببطء من سباتها. الرياح كانت تهب بهدوء، تحمل في طياتها عبير الأرض الرطبة. جالهان كان يقف خارج المستشفى، يداه في جيبيه، وعيناه تراقبان الأفق البعيد بترقب. داخل المستشفى، كان روتو قد أتم شفائه تدريجيًا، ورغم الجروح التي كانت قد تركت آثارها على جسده الصغير، إلا أن حالته قد تحسنت بشكل ملحوظ.

دخل جالهان إلى الغرفة بهدوء، حيث كان روتو يجلس على السرير، وعيونه تائهة بين الزوايا المظلمة للغرفة. كان الصمت يحيط بهما، وعيني روتو كانتا تتبعان حركة جالهان بحذر، كما لو أنه لا يزال غير متأكد من كل ما حوله.

"هل أنت جاهز للرحيل؟" سأل جالهان بصوت هادئ، متأكدًا من أن الفتى سيحتاج إلى وقت ليعتاد على فكرة الخروج.

رفع روتو نظره نحو جالهان، وكانت عيناه مليئة بالتساؤلات والقلق. "إلى أين سأذهب؟" سأل بصوت خافت، بينما كانت يده الصغيرة ترتجف قليلاً.

جالهان ابتسم له بلطف، رغم أنه كان يعلم أن هذه الابتسامة لم تكن كافية لطمأنته تمامًا. "ستذهب إلى وسط القرية، إلى منزلي. ستكون بأمان هناك. نحن لا نترك أحدًا وراءنا، وخاصةً شخصًا مثلك."

ركب روتو نظره إلى جالهان، وكأن تلك الكلمات كان لها وقعًا غريبًا عليه. بدا له أنها أكثر من مجرد كلمات روتينية؛ كانت كأنها وعد، وعدٌ قد يغير مصيرًا كاملًا.

ثم نهض جالهان من مكانه وتقدم نحو روتو، ممدًا يده نحوه. "هيا، سنخرج معًا."

أخذ روتو يد جالهان برفق، وكأن تلك اللمسة كانت لأول مرة تحمله من الظلام إلى النور. كان يشعر بأمان لم يشعر به منذ فترة طويلة. دون أن ينبس بكلمة، اتبعه جالهان وهو يخرج من الغرفة، والخطوات التي يتخذها كانت خفيفة، كأن كل شيء حوله في تلك اللحظة يتنفس من جديد.

عندما وصلا إلى باب المستشفى، وقف جالهان للحظة، مستديرًا ليقابل عيون روتو.

"أنت لست وحدك بعد الآن. لدينا حياة جديدة هنا. سنتعلم معًا كيف نعيشها."

ثم أضاف بصوت هادئ، لكن كلماتها كانت تحمل معنى عميقًا: "من الآن فصاعدًا، يمكنك أن تناديني أخي. هل أتفقنا؟"

روتو نظر إليه بتردد، عينيه مليئة بالشكوك والتساؤلات. كان يبدو كأنه يحاول استيعاب الكلمات التي خرجت من فم جالهان. "أخي؟" همسها بصوت خافت، وكأنه غير متأكد إن كان ينبغي عليه قبول ذلك.

رأى جالهان التردد في عيون روتو، فابتسم برفق، وأشار إلى قلبه قائلاً: "نعم، أخي. مهما كان ماضيك، نحن الآن عائلة."

كانت لحظة صمت طويلة، حيث نظر روتو إلى الأرض، يفكر في الكلمات التي قالها جالهان. ثم رفع رأسه ببطء، وعينيه تلمعان ببعض الأمل والشك معًا. أخيرًا، همس بصوت ضعيف لكنه حازم: "أخي..."

ابتسم جالهان بشكل دافئ، وقد لاحت على وجهه لمحة من السعادة الصافية. "أنا سعيد بذلك، روتو."

ثم دفع الباب برفق وخرجوا معًا، خطواتهما تتناغم مع الرياح التي تعصف بالأشجار في الخارج.

2025/08/21 · 27 مشاهدة · 2800 كلمة
نادي الروايات - 2026