كان الظلام قد بدأ يحل تدريجيًا، ورافقهما ضوء القمر الخافت وهما يقفان أمام منزل جالهان. بدا المنزل كبيرًا ودافئًا، يحيطه سور خشبي بسيط تكسوه بعض النباتات المتسلقة. كان الباب الأمامي مصنوعًا من خشب البلوط المصقول، وبدا وكأنه يدعو الداخلين إلى الراحة والسلام.

فتح جالهان الباب ببطء، ودعا روتو للدخول قائلاً بابتسامة لطيفة: "مرحبًا بك في منزلك الجديد، روتو. من الآن فصاعدًا، هذا مكانك كما هو مكاني."

تردد روتو للحظة قبل أن يخطو إلى الداخل. عندما عبر العتبة، شعر بدفء غريب يحيط به، وكأنه انتقل إلى عالم جديد. الصالة الرئيسية كانت واسعة، تتوسطها سجادة ذات نقوش بسيطة بألوان دافئة، ومقابلها مدفأة حجرية تتوهج بالنار. فوقها عُلّقت رفوف صغيرة مليئة بالكتب، وزُينت الجدران برسومات تُظهر مناظر طبيعية للغابة المحيطة بالقرية.

أشار جالهان إلى إحدى الزوايا قائلاً: "هنا مكان التجمع في الشتاء. نجلس بجانب المدفأة، نقرأ أو نناقش أمورًا تهمنا."

روتو، الذي كان لا يزال يشعر بالارتباك، أومأ بصمت بينما كانت عينيه تمسحان المكان بتردد. قال بخفوت: "إنه... جميل."

ابتسم جالهان قائلاً: "انتظر، لم ترَ شيئًا بعد!" قاده إلى المطبخ، الذي كان صغيرًا لكنه عملي، مليئًا بالأواني والأرفف المصفوفة بعناية. من هناك، أشار إلى الممر الذي يقود إلى الغرف.

"هنا غرفتي، وهنا غرف الضيوف،وهناك بعض الغرف الأخرى الفارغة... لكن تلك الغرفة هناك هي غرفتك."

وقف جالهان أمام باب الغرفة الأخيرة، وابتسم قبل أن يفتحه. كانت الغرفة واسعة، أرضيتها خشبية، وزينت الجدران بلون أبيض دافئ مع رسومات لنجوم صغيرة. على الجانب الأيسر، كانت هناك مكتبة تحتوي على عدة رفوف مليئة بالكتب، بعضها عن المغامرات وبعضها قصص خيالية. على الجانب الآخر، كان هناك مكتب صغير ومنظم، فوقه مصباح نحاسي.

في الزاوية، رُتب ركن للألعاب، يحتوي على مجموعة من الألعاب الخشبية وبعض الألغاز. أما السرير، فكان مغطى بأغطية ناعمة بلون أزرق سماوي، ينسجم مع بقية الغرفة.

"وهذه..." قال جالهان وهو يسير نحو باب زجاجي صغير يفتح على شرفة تطل على الحديقة، "هي شرفتك الخاصة."

خرج الاثنان إلى الشرفة، التي كانت تطل على حديقة المنزل الصغيرة. كانت الحديقة مزيجًا من الطبيعة المتنوعة: أزهار دوار الشمس العالية، أزهار اللوتس التي تعوم بهدوء على بركة صغيرة، وأزهار الياسمين التي تملأ المكان بعبيرها. بجانب البركة، كانت هناك شجرة كرز صغيرة، تزين أغصانها بأزهار وردية.

روتو كان يراقب كل شيء بصمت، وملامح وجهه تعبر عن خليط من الفرح والخوف والقلق. قال بخفوت: "لم أكن أتخيل أن أعيش في مكان مثل هذا..."

ركع جالهان بجانبه، واضعًا يده على كتفه وقال: "روتو، هذا هو منزلك الآن. أريدك أن تشعر بالأمان هنا. لا بأس أن تأخذ وقتك لتعتاد عليه."

نظر روتو إليه بعينين مترددتين، ثم قال بصوت ضعيف: "لكني... لا أعرف كيف أنتمي."

ابتسم جالهان، ووضع يده على رأس روتو بلطف قائلاً: "لا تحتاج إلى أن تعرف كل شيء الآن. فقط اعتبرني أخاك، ومن هنا نبدأ."

رفع روتو نظره ببطء، مترددًا، وقال بخفوت: "أخي... جالهان."

ابتسم جالهان بحرارة، وقد شعرت عيناه بسعادة عميقة. "هذا يجعلني سعيدًا جدًا، روتو. شكرًا لك."

بعد أن استقر روتو في غرفته الجديدة، وجد نفسه يخرج إلى الشرفة، يتأمل الحديقة أسفلها،كان الليل قد أسدل ستاره، وبدت السماء مرصعة بالنجوم التي تومض بخفوت.

كان روتو، الفتى ذو الشعر الأبيض، يقف هناك مستندًا إلى السور، والدموع تنساب بصمت على وجنتيه، كأنها تنزف من قلبه المثقل بالآلام.

اقترب منه جالهان، بشعره النحاسي اللامع، وعيناه الزرقاوان تملؤهما الحكمة والحزم، لكنه بدا أكثر ليونة وهو يرى شقيقه بالتبني يغرق في حزنه. ببطء، مد يده ووضعها على رأس روتو، ممسحًا على شعره برفق.

قال بصوت عميق لكنه مليء بالحنان: "روتو، حتى عندما تشعر أن العالم كله ضدك... أنا هنا. لن تكون وحدك أبدًا."

توقفت الدموع للحظة، وكأن كلمات جالهان وجدت طريقها إلى قلب الفتى. التفت روتو إليه، لكنه لم يقدر على الرد، إذ اختنق صوته بموجة جديدة من المشاعر. عندها، احتضنه جالهان بإحكام، يحيط به بذراعيه القويتين، وكأنه يبني حوله حصنًا يحميه من كل مخاوفه.

ظل الاثنان واقفين تحت ضوء القمر، حيث كانت الرياح تعصف بهدوء، تحمل معها همسات الليل وشهادة على رابط الأخوة الذي لن يُكسر أبدًا، مهما بلغت قسوة الأيام.

------------------------------------------------------------------------------

بعد لحظات من الوقوف تحت ضوء القمر في الشرفة، أمسك جالهان بيد روتو وقاده بلطف نحو غرفته. فتح الباب بهدوء، وأشار إلى السرير الدافئ الذي ينتظر الفتى."تعال يا صغيري، حان وقت النوم. لقد كان يومًا طويلًا." قال جالهان بصوت هادئ، محاولًا أن ينقل شعور الطمأنينة.

جلس روتو على حافة السرير، بينما كانت عيناه تتنقلان في أنحاء الغرفة، لكن بريق الحزن لم يختفِ منهما. وضع يده على الغطاء الأزرق السماوي، وكأنه يتحسس شيئًا غريبًا عليه. ثم همس بصوت مرتجف:

"جالهان... أشعر أنني تائه. لا أشعر أنني أنتمي إلى هذا المكان."

ركع جالهان أمامه ليصبح في مستوى نظره، وأمسك بيديه برفق. نظر إلى عينيه، مليئتين بالخوف والقلق، وقال بصوت حنون:

"روتو، من الطبيعي أن تشعر بهذا الآن. كل شيء جديد بالنسبة لك، وأنا أعلم أن قلبك مليء بالكثير من الأسئلة والحزن. لكن أريدك أن تعرف شيئًا واحدًا... أنت هنا لأنك تستحق الأمان والحب. هذه هي البداية فقط، وسأكون معك في كل خطوة."

كانت عينا روتو تلمعان بالدموع التي لم يسقطها بعد، لكنه لم يستطع الرد. اكتفى بالنظر إلى جالهان، وكأنه يبحث عن أمل صغير في تلك الكلمات.

ربت جالهان على كتفه بلطف، ثم قال بابتسامة دافئة:

"والآن، عليك أن تنام. غدًا سيكون يومًا طويلًا. لدينا أماكن كثيرة لنذهب إليها، وأنا متأكد أنك ستستمتع بها."

تردد روتو قليلاً، لكنه استلقى على السرير ببطء، وغلف نفسه بالغطاء. لم يستغرق الأمر طويلاً حتى غطّ في النوم، تعب اليوم الطويل أخذ منه أكثر مما توقع.

وقف جالهان بجانب السرير، يراقب وجه روتو الهادئ وهو نائم. بدا وكأنه طفل صغير، هارب من كل الأحزان التي أحاطت به في يقظته. مد يده ومسح برفق على شعره الأبيض، ثم همس لنفسه بصوت خافت:

"تربية الأطفال ليست سهلة... لكنها لطيفة. روتو، أنا أعدك أنني سأبذل قصارى جهدي لتعويضك عن كل ما فقدته. سأكون الأخ الذي تحتاجه، والدليل الذي يطمئنك، والصديق الذي لن يخذلك."

نظر جالهان إلى الشرفة للحظة، حيث تلألأت النجوم في سماء الليل، وكأنها شاهدة على وعده. ثم استدار ببطء، وأغلق الباب بلطف خلفه، تاركًا روتو يستريح أخيرًا في أمان بيته الجديد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

<العمل من تاليف سيلارا ( 𓊃𓇋𓂋𓍯𓇳 ) >

كل الحقوق محفوظة ويمنع النقل أو الإقتباس دون اذن.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

2025/08/21 · 11 مشاهدة · 969 كلمة
نادي الروايات - 2026