في صباح مشرق، وقف جالهان أمام باب المنزل، يتكئ على السور الخشبي، يراقب الطريق بينما يلفه الملل. رفع يده إلى فمه كأنه يهمّ بالنداء، ثم قال بصوت مرتفع:

"روتو! هيا أسرع، هكذا سوف نتأخر!"

من الداخل، جاء صوت روتو مرحًا ومعتذرًا في الوقت نفسه:

"حاضر، ها أنا قادم!"

خطوات روتو الصغيرة كانت تسمع بوضوح وهو ينزل الدرج، حتى ظهر أخيرًا في ثيابه الجديدة، التي كانت تتناسب تمامًا مع حجمه الصغير. ابتسم جالهان وهو يمد يده ليمسك بيد الفتى:

"روتو، تبدو جميلًا بهذه الملابس الجديدة. أنا سعيد لأنني وفقتُ في شراء ملابس تناسبك."

احمر وجه روتو خجلًا وهو يجيب بسعادة:

"شكرًا لك يا أخي! هيا بنا. ولكن... إلى أين ستأخذني؟"

بدأ جالهان بالسير، بينما أجاب بابتسامة:

"سآخذك في جولة في أنحاء المدينة والغابة أيضًا. أريدك أن تتعرف على الطرق هنا، وأيضًا على المناطق التي لا يسمح لأحد بالتجوال فيها. روتو، أنت الآن أحد أفراد هذه القرية، ومن الضروري أن تعرف كل شيء عنها، مثل باقي أهل القرية."

نظر روتو إلى جالهان بدهشة وقال:

"كل أهل القرية يعرفون الطرق في الغابة!؟ أتقصد أن الغابة ليست مخيفة أو خطيرة بالنسبة لهم؟"

ضحك جالهان بلطف وأجاب:

"أجل. في النهاية، الغابة بما فيها من وحوش وفخاخ وُجدت لتحمي القرية وسكانها. ونحن، بدورنا، نحمي أسرار الدولة من خلالها."

ارتسمت ابتسامة حماسية على وجه روتو وهو يقول:

"هذا يبدو رائعًا! أنا متحمس جدًا."

لكن جالهان نظر إليه بنبرة جادة بعض الشيء وقال:

"لكن عليك أن تعدني يا روتو. أريدك أن تمسك يدي ولا تتركها مهما حدث، وأن تنتبه جيدًا للطريق الذي نسير فيه."

هز روتو رأسه بحماس قائلاً:

"أنا أعدك يا أخي."

شعر جالهان بالاطمئنان قليلاً، وابتسم قائلاً:

"حسنًا، هيا بنا."

بينما كانا يسيران بين الطرق المظللة بالأشجار العالية، لاحظ روتو شيئًا من القلق في عيني جالهان. استدار إليه وسأله ببراءة:

"ولكن يا أخي، لماذا أنت قلق؟"

توقف جالهان للحظة، ثم أجاب بصوت هادئ:

"أنا قلق من احتمال أن تتوه مني في الغابة. لا تعي بعد مدى خطورة هذا المكان."

ضغط روتو على يد جالهان مطمئنًا:

"لا تقلق يا أخي. لقد وعدتك، وسأظل ممسكًا بيدك."

ابتسم جالهان وهو يشير إلى الأمام:

"انظر يا روتو، تلك الطبيعة الخلابة هناك. أليست رائعة؟"

رفع روتو بصره ليرى شاطئًا صغيرًا بين الأشجار، يحيط به عشب أخضر وأزهار ملونة. كانت المياه تتلألأ تحت أشعة الشمس. قال جالهان:

"أنا أتي إلى هذا المكان كثيرًا. في المرات القادمة، سأحضر معك."

قال روتو بدهشة وانبهار:

"أنا لم أر مكانًا جميلًا كهذا من قبل! جمال المكان لا يوصف!"

ضحك جالهان بحماس:

"أنت لم تر شيئًا بعد. تعال معي."

أخذ جالهان روتو إلى تل عالٍ، حيث وقفا أمام شجرة ضخمة تمتد تحتها سلسلة شلالات تتدفق بقوة. تحت الشجرة.

بدت أطلال قديمة لمبانٍ حجرية. أشار جالهان إليها قائلاً:

"انظر يا روتو، تلك المباني القديمة كانت مكاتب عمل للحراس عندما كانت الغابة مختلفة، قبل أن تصبح كما هي اليوم. الآن، أصبحت هذه الأطلال شاهدًا على تاريخ قديم."

نظر روتو بإعجاب وقال متعجبًا:

"أتقصد أن هذه المباني بُنيت قبل إنشاء قرية خيتو؟ هذا يعني أنها موجودة منذ آلاف السنين!"

هز جالهان رأسه مؤكدًا:

"نعم، أصبحت الآن أثرًا فقط. أما هذا الشلال، فهو أحد فروع النيل التي تمر عبر القرية. هناك فرع آخر قريب. تعال، سأريك إياه."

تابع الاثنان السير حتى وصلا إلى شجرة كبيرة أخرى، حيث ينبع فرع آخر من النهر. أشار جالهان إلى مكان قريب وقال:

"كان هناك معمل قديم هنا، قبل أن يتم نقله بعد التطورات التي مرت بها المنطقة."

سأل روتو بفضول:

"ماذا كان عمل المعمل يا أخي؟"

أجاب جالهان وهو يتأمل المكان:

"كان معملًا بيولوجيًا متخصصًا في تدريب الوحوش."

نظر روتو بدهشة:

"تدريب الوحوش؟ هذا مثير للغاية!"

ابتسم جالهان وقال:

"أجل، ولكن الآن انتهى كل ذلك، وأصبحت هذه الغابة جزءًا من نظامنا لحماية القرية. تعال، لا يزال لدينا أماكن أخرى لنراها."

تعلقت عينا روتو بالطبيعة الساحرة، وهو يشعر بمزيج من الحماس والرهبة تجاه هذا العالم الجديد الذي ينكشف أمامه شيئًا فشيئًا.

كان الليل قد بدأ يسدل ستاره، والظلام ينسج خيوطه على الغابة التي أضحت أكثر هدوءًا وسكونًا،وبدأت الظلال تمتد كأنها تحكي قصصًا مخيفة عن الغابة.

ينما كان جالهان وروتو يعودان إلى المنزل بعد يوم طويل، التفت روتو فجأة نحو طريق مظلم، أحاطت به أشجار كثيفة بدا وكأنها تبتلع ضوء القمر.

تردد روتو للحظة، فقد كان يسمع همهمة غريبة صادرة من ذلك الطريق، صوتًا غامضًا كأنه مزيج من الاستغاثة والأنين، همسات مشوشة كـ "هآآآآآه... هآآآآآآآآه". شيء ما في ذلك الصوت أيقظ بداخله قلقًا غامضًا، لكنه لم يشأ إخباره جالهان بما سمع، مكتفيًا بطرح سؤال بدا بريئًا في ظاهره:

"أخي... ماذا عن هذا الطريق؟ أنت لم ترني إياه. لماذا يبدو مختلفًا عن باقي الطرق؟"

توقف جالهان فجأة، والتفت نحو الطريق بعينين تحملان حذرًا واضحًا. كان وجهه، الذي بدا ودودًا طوال اليوم، قد تحول الآن إلى قناع من الجدية والحذر. أجاب بصوت منخفض لكنه مشحون بالتحذير:

"روتو، نحن لن ندخل هذا الطريق أبدًا."

زاد فضول روتو وشعر بمزيج من القلق والإثارة، فسأل بحذر:

"لكن لماذا؟ ما الذي يجعله خطيرًا هكذا؟"

أخذ جالهان نفسًا عميقًا، وكأن الحديث عن هذا المكان يثقل على صدره، ثم قال:

"روتو، هذا الطريق لا أحد يعلم مسالكه بالكامل. إنه أخطر مكان في الغابة، وأخطر سرٍ تحمله قريتنا. الوحوش التي تعيش في هذه الغابة، حتى أكثرها شراسة، لا تجرؤ على الاقتراب منه. هناك وحش مخيف يسكن في أعماق هذه المنطقة، أقوى مما قد يتخيله أي أحد.هو لا يقطن هناك لحماية الغابة،بل هو أكبر خطر. أريدك أن تعدني، الآن، أنك لن تقترب منه أبدًا، مهما حدث."

تردد روتو، ثم أومأ برأسه ببطء قائلاً:

"أنا أعدك. لكن... لماذا لم تتخلصوا منه؟ لما لم تحاولوا القضاء عليه؟ما دام يشكل خطراً بهذا الشكل."

نظر جالهان نحو الطريق للحظة، وكأنه يعيد في ذهنه ذكريات قديمة، ثم التفت نحو روتو مجددًا وأجاب:

"لقد حاول أجدادنا قتله، لكنهم فشلوا. قوته كانت هائلة، أكبر مما تستطيع قريتنا مواجهته. في ذلك الوقت، لم تكن القرية سرًا كما هي اليوم، بل كانت معروفة لدى الجميع. لكن الوحش دمر الكثير منها وأحرق ما تبقى. لم يكن أمام أجدادنا خيار سوى التفاوض معه. وهكذا، وُضع اتفاق بينه وبين سكان القرية الأوائل. الاتفاق ينص على ألا يقترب أحد من أرضه، مقابل أن يتركنا وشأننا."

بدا روتو مترددًا، فسأل بخفوت:

"لكن... هل تثقون به؟ أعني، ألا يمكن أن ينقض الاتفاق في أي وقت؟"

هز جالهان رأسه بحزم، وقال بصوت واثق:

"بالطبع لا نثق به. ولهذا، أُعطي الفرعون في ذلك الوقت مسؤولية التحضير لمواجهة هذا الوحش إذا أخل بالاتفاق. تم توارث هذه المسؤولية عبر الأجيال، والفرعون الحالي مكلف بنفس الأمر، رغم أن لا أحد يعلم عن القرية الآن، ولا حتى الفرعون نفسه. لقد أصبحت سرًا لا يعرفه أحد،أي أن الفرعون يجب أن يستعد لخطر لا يعرف مصدره."

ثم أضاف بنبرة فخر وشيء من الحذر:

"لكن الفرعون أمننكانو كان استثنائيًا. لم يكتفِ بالتحضير لمواجهة الوحش، بل جعل من ولي عهده أسطورة لا تُهزم. لكنه كان يعلم أن هذا وحده قد لا يكون كافيًا، فالوحش قد يظهر في زمن لا ينتمي اليه ولي العهد."

لم يرد روتو، بل اكتفى بالنظر بعيدًا وهو يفكر. بدا أن شيئًا ما أثار قلقه. وبينما كان يسير بجانب جالهان عائدًا إلى المنزل، قال في نفسه:

"لهذا السبب سُمي أخي بالوحش..." (يقصد ولي العهد).

ثم توقف عقله للحظة، وكأن فكرة مرعبة ضربته، وأكمل التفكير بصوت داخلي مرتجف:

"هل يعقل أن يكون هذا الوحش الذي يسكن في الغابة... هو نفسه الوحش الذي حاول التخلص مني في القصر؟"

ظل صامتًا، لكنه لم يستطع منع نبضات قلبه من التسارع. أما جالهان، فقد وضع يده على كتف روتو وقال بصوت مطمئن وهو يمسح على رأسه:

"أنا أثق بك يا روتو. فقط تذكر... هناك أسرار من الأفضل تركها مدفونة. وأنت لست بحاجة إلى القلق، سأكون دائمًا هنا لحمايتك."

ابتسم روتو بخفوت، لكنه لم يستطع التخلص من شعوره الغريب، وظلت تلك الهمهمة البعيدة تتردد في ذهنه كأنها تلاحقه باستغاثة كانها تقول له لا تذهب،لا تذهب وتتركني.

بينما كان روتو يسير بجانب جالهان عائدًا إلى المنزل، لم يستطع تجاهل السؤال الذي يعصف بذهنه. همهماته الداخلية كانت تتصارع مع مشاعر الخوف والفضول. لماذا لا يبدو أن جالهان يسمع تلك الهمهمة؟

رفع عينيه نحو جالهان، الذي كان يسير بخطوات واثقة ومطمئنة. بدا وكأن لا شيء في العالم يزعجه أو يثير قلقه في تلك اللحظة، على عكس روتو الذي كان يشعر بأن كل شيء حوله يحمل سرًا غامضًا.

في أعماق ذهنه، تساءل روتو:

"لماذا أنا الوحيد الذي يسمعها؟ هل لهذا علاقة بقدرتي الخاصة؟ أم أن ذلك الصوت تعمد مناداتي إلى ذلك المكان؟"

ارتجف عند التفكير في الاحتمال الأخير، وواصل تساؤلاته في نفسه:

"شخص آخر... هل يمكن أن يكون هناك شخص غير الوحش، شخص له علاقة بي أو بشيء أجهله؟"

شعر بقشعريرة تسري في جسده، وألقى نظرة خاطفة نحو الطريق المظلم الذي اختفى خلفهم، وكأن الظلام يلاحقه حتى وهو بعيد عنه.

لكن روتو لم يشأ أن يزعج جالهان بتلك الأفكار. بدلاً من ذلك، قرر أن يحتفظ بهذا الشعور داخله، على الأقل في الوقت الحالي. كان يعلم أن هناك المزيد من الأسرار التي يجب كشفها، لكن الوقت لم يحن بعد.

وفي أعماقه، كان يعلم أن هذه الهمهمة لن تتوقف، وأن عليه في يوم ما أن يواجه الحقيقة وراءها، سواء كانت مرتبطة بالوحش... أو بشخص آخر ينتظر في الظلال.

“كنت أظن أن كل معناتي انتهت برحيلي عن منزلي القديم وبعيدا عن أخي المتوحش،ولكن يبدو أن تلك المشكلة ستظل تلاحقني، يبدو أن من كان وراء كل هذا أصبح أقرب مني من أي وقت مضى.”

“أنا خائف من أن ينقلب جالهان ضدي في يوم من الأيام بسبب كيرا كما حدث مع أخي تحتمس،أخاف أن أفقد شخصا أحببته مرة أخرى.”

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

<العمل من تأليف :سيلارا ( 𓊃𓇋𓂋𓍯𓇳) >

جميع الحقوق محفوظة ،ويمنع النقل أو الاقتباس دون إذن.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

2025/08/21 · 10 مشاهدة · 1513 كلمة
نادي الروايات - 2026