روتو كان يتحدث مع نفسه بصوت خافت وهو ينزل الدرج:
"بلاك ووايت على حق... لا يمكنني الاستمرار في العيش في الماضي. صفحات قديمة طويت، ولا يمكنني العودة إليها. الآن هو وقت البدء من جديد. سأذهب إلى المدرسة اليوم... وأعتذر لجالهان، فهو لم يكن يستحق أن أقلقه دون سبب."
عند وصوله إلى الطابق السفلي، وجد جالهان جالسًا في المطبخ، يحتسي قهوته ويمسك بكتاب صغير. رفع عينيه نحو روتو بابتسامة دافئة:
جالهان: "روتو، هل قررت الذهاب إلى المدرسة اليوم؟"
روتو (بصوت هادئ لكن واثق): "نعم... إذا لم تمانع."
جالهان: "بالطبع لا أمانع. لكن لا تُجبر نفسك. إذا شعرت أنك غير مستعد، فلا بأس."
روتو (بإصرار طفيف): "لا، أريد الذهاب."
جالهان: "حسنًا... هل تريدني أن أرافقك؟"
روتو (يهز رأسه برفق): "لا داعي لذلك. يمكنني الذهاب وحدي."
أخذ شطيرته من الطاولة، وشكر جالهان بابتسامة صغيرة قبل أن يغادر المنزل. أثناء مشيه، كانت الأفكار تتوالى في رأسه:
"كان يجب أن أعتذر له... لكن لم أستطع قولها. لماذا أشعر بهذا الثقل في التعبير؟ ربما كان يجدر بي طلب مرافقة جالهان... لا، لا يجب أن أعتمد عليه طوال الوقت. عليّ مواجهة الأمور بنفسي."
عندما اقترب من بوابة المدرسة، بدأت الهمسات تنتشر بين التلاميذ:
تلميذ 1 (يشير نحو روتو): "انظروا! إنه روتو!"
تلميذة 1: "لقد غاب لفترة طويلة. أتمنى أن يكون بخير."
تلميذ 2: "ترى، هل حدث له شيء سيئ؟"
قبل أن يتمكن روتو من الرد، اندفع كل من كودو ويويا نحوه، يعانقانه بحماس:
كودو: "روتو! لقد اشتقنا لك!"
يويا: "هل كل شيء بخير؟ لقد كنت قلقًا عليك."
روتو (محاولًا كتم مشاعره): "أجل، كل شيء بخير. لكن... لماذا كل هذا القلق؟"
كودو (بضحكة): "لقد غبت أسبوعين كاملين!"
روتو (بدهشة): "أسبوعان فقط؟! هل هذا وقت طويل؟"
يويا (بجدية): "بالطبع هو كذلك! أسبوعان ليسا فترة قصيرة، أيها الأبله!"
ابتسم روتو، لكنه شعر بالدفء يتسلل إلى قلبه:
"لم أدرك أنني أمتلك عائلة جديدة هنا... أشخاص يهتمون لأمري. شكرًا لكم يا أصدقاء، وأنا آسف لأنني أقلقتكم."
تلميذ من الخلف، يرفع صوته مازحًا:
"عليك أن تعتذر لنا جميعًا! لقد كنت حديث الفصل طوال هذه الفترة!"
ضحك روتو، لكنه شعر بضرورة إصلاح أخطائه:
"أعدكم، سأكون أفضل.
داخل الفصل الدراسي، يدخل معلم جديد بملامح صارمة وحضور يفرض الصمت على الجميع. وقف بثبات أمام الطلاب وقال بصوت قوي وحازم:
"استمعوا إليّ جيدًا. ما سأقوله الآن أمر بالغ الأهمية، وأريدكم أن تدركوا خطورته. لابد أنكم لاحظتم التغييرات الأمنية الأخيرة في القرية. لهذا السبب، قررت السلطات نقل جميع الطلاب إلى مدرسة أخرى خارج القرية، وبسرية تامة."
بدأت الهمسات تنتشر بين الطلاب:
"لماذا يفعلون هذا؟ كيف سنغادر القرية؟ وما هي المشكلة الحقيقية؟"
لكن المعلم رفع يده مقاطعًا الهمهمات:
"صمتًا! هذا الانتقال مؤقت، وهو لتأمين سلامتكم. السلطات هنا نسقت مع السلطات في المنطقة المجاورة، وستنضمون إلى مدرسة للأمراء. هناك، سيتم تدريبكم على التصرف مثلهم، لتجنب أي شكوك أثناء فترة إقامتكم."
في زاوية الفصل، جلس روتو غارقًا في أفكاره:
"يا تُرى... هل لهذا علاقة بأخي وبالوحوش التي تُدعى التشجوري؟ أشعر أن الوقت يداهمني. يجب أن أعتذر له قبل فوات الأوان."
عاد صوت المعلم ليقطع أفكار روتو:
"اليوم سيكون عاديًا. لكن غدًا تبدأ الاستعدادات لمغادرتكم. حين تغادرون، ستبدؤون حياة جديدة في المدرسة الجديدة، حيث الحماية ستكون أمرًا طبيعيًا هناك."
التفت يويا بحماس نحو روتو وكودو، وهمس مبتسمًا:
"روتو، ألا ترى أن هذا مثير؟ أخيرًا سنرى العالم الخارجي! ستكون تجربة لا تُنسى!"
روتو (مترددًا): "أرى أن الأمر ينذر بالخطر أكثر مما يبدو مثيرًا."
كودو (متفاجئًا): "حقًا يا يويا؟ ما الذي يجعلك متحمسًا هكذا؟"
يويا (بحماس): "هل تمزح؟ سأخبركما: هذه فرصتنا لرؤية الأهرامات الثلاثة عن قرب. لطالما حلمت بذلك!"
نظر روتو نحو يويا بتفاجؤ، قائلاً بنبرة ساخرة:
"يبدو أنك تعرف الكثير عن العالم الخارجي!"
يويا (بفخر): "بالطبع! قرأت عنه كثيرًا، ورأيت العديد من الصور. أعرف أيضًا أماكن تاريخية أخرى رائعة."
ضحك كودو وروتو معًا بشكل مفاجئ، ثم قالا بصوت واحد:
"أنت قرأت؟! هذا غريب حقًا!"
روتو (بابتسامة خفيفة): "لم أكن أعلم أنك مهتم بهذه الأمور لهذه الدرجة."
انضم يويا إلى ضحكاتهما، ثم أضاف بحماس:
"سيكون رائعًا أن نستكشف معًا تاريخ أجدادنا. من يدري؟ ربما نصبح جزءًا من هذا التاريخ يومًا ما!"
ضحك الثلاثة معًا، لكن عقل روتو ظل غارقًا في التفكير:
"لا بد أن أتوخى الحذر. هذه الرحلة لن تكون مجرد تغيير، بل اختبار حقيقي. عليّ البقاء يقظًا، يجب الا يعرف أي أحد هويتي الحقيقية."
"روتو مع نفسه قائلاً: "هناك قد أقابل معلمي آي، وربما والدي الحقيقيين. أرجو ألا يتعرف أحد عليّ هناك."
بعد انتهاء اليوم الدراسي، عاد روتو إلى المنزل ليجد المكان فارغًا. وقف للحظة على العتبة قبل أن يدخل، متسائلًا:
"أين هما؟ عادةً ما يكون أحدهما هنا الآن. لكن ربما كانا يعرفان أنني سأتأخر بسبب الإجراءات الجديدة."
عند دخوله، وجد رسالة على الطاولة. كانت بخط جالهان، يقول فيها إنه سيتأخر عن العودة وأن تحتمس سيصل أبكر منه بقليل. بجانبها، وضع لهما الطعام جاهزًا، لكن روتو لم يشعر برغبة في تناوله. تمتم لنفسه:
"ليس لدي شهية الآن... سأكتب واجباتي وأخلد للنوم."
بعد أن أنهى كتابة واجباته، استلقى على سريره، لكن عينيه لم تغمضا. شيء ما دفعه للنظر من نافذته. هناك، تحت شجرة في الحديقة، كان تحتمس جالسًا وحيدًا. نهض روتو على الفور، مترددًا للحظة، ثم قرر التوجه إليه.
كان تحتمس تحت الشجرة، عيناه متعلقتان بالسماء. أفكاره تتشابك:
"كل هذه الفوضى بدأت منذ موت كاين... أشعر أن هناك رابطًا غريبًا بين روتو وكاين. حتى الآن، لا يمكنني الهروب من طيفه..."
همس بصوت خافت لا يكاد يسمعه إلا هو:
"كاين... أنا آسف."
قاطعت أفكاره خطوات روتو الخفيفة. وقف بجانبه وقال بنبرة خجولة:
"أيها الأمير..."
رفع تحتمس رأسه فجأة، متفاجئًا:
"روتو؟ ماذا تفعل هنا في هذا الوقت؟"
"أردت فقط التحدث معك، إن لم يكن ذلك يزعجك."
نظر تحتمس إليه للحظة، ثم أشار له بالجلوس بجانبه:
"حسنًا، في الواقع أنا أيضًا أريد التحدث معك. اجلس."
جلس روتو على الأرض بجانب الشجرة، يحاول تهدئة توتره. ذكريات قديمة اجتاحت عقله. كانت هذه الشجرة مكانًا مميزًا، لكنه لم يجلس هنا مع تحتمس منذ وقت طويل.
قطع تحتمس صمتهما، متحدثًا بهدوء:
"إذن، ماذا كنت تريد أن تقول؟"
تردد روتو قليلاً، ثم أجاب:
"في الحقيقة... أردت شكرك. على تبرعك بالدم لي."
هز تحتمس رأسه بابتسامة خفيفة:
"لا داعي لذلك. لقد قمت بواجبي فقط."
ثم نظر إليه بجدية وسأله:
"روتو، هل ما زلت غاضبًا من جالهان؟"
خفض روتو عينيه، يفكر بعمق قبل أن يجيب:
"الأمر ليس غضبًا حقًا. لكنه جعلني أتذكر أشياء مؤلمة حدثت لي في الماضي... أشياء أحاول نسيانها."
ساد صمت قصير بينهما. كان تحتمس ينظر إليه، وكأنه يبحث عن كلمات تخفف عنه. لكن الصمت كان أكثر صدقًا من أي كلام. وأخيرًا، قال بهدوء:
"أحيانًا، لا يمكننا الهروب من الماضي. لكنه ليس سجنًا، روتو. يمكننا أن نصنع حاضرنا بأيدينا."
تحتمس: "في الحقيقة، جالهان لم يقصد ما قاله حقًا. أتعلم؟ أنت محظوظ لوجود شخص مثله في حياتك. كان في حياتي شخص مشابه له، لكنه رحل قبل أن أقدر قيمة وجوده. فقدته، وبقي الندم معي منذ ذلك الحين."
صمت قليلًا ثم تابع بنبرة أكثر دفئًا:
"جالهان... رغم كل مشاغله وضغوطه، لا يتوقف عن التفكير بك. أرجوك، لا تدع الأمور الصغيرة تُبعدك عنه."
روتو (بتنهيدة عميقة، وكأنه يحاول تجاوز شعور ثقيل): "أنا أفهم ما تقوله... الحقيقة أنني أردت إصلاح الأمور معه اليوم."
ابتسم تحتمس برفق وربت على كتفه:
"هذا تصرف رائع منك. جالهان سيقدر ذلك."
بعد لحظة صمت قصيرة، التفت روتو نحو تحتمس بتردد، وكأن سؤاله ثقيل على لسانه:
"أيها الأمير... هل يمكنني أن أسألك عن أخيك؟"
تجمدت تعابير تحتمس للحظة، وكأن السؤال أعاد إليه ذكرى مؤلمة، ثم قال بصوت متقطع:
"أخي؟!... مات عندما كان في العاشرة من عمره."
شعر روتو بالحزن في صوته، فخفض رأسه وقال بأسف حقيقي:
"هذا مؤسف جدًا... أعتذر لأنني أثرت ذكرياتك."
تحتمس (بصوت متهدج، وكأنه يحاول السيطرة على مشاعره):
"نعم، إنه مؤسف حقًا. أتعلم؟ كان يشبهك إلى حد لا يصدق. لو كان حيًا، لكان في نفس عمرك الآن."
نظر روتو إليه بدهشة:
"حقًا؟ هل أشبهه إلى هذا الحد؟"
تحتمس (بابتسامة حزينة):
"نعم، في كل شيء تقريبًا... الشكل، الصفات، وحتى الهوايات."
سكت قليلاً ثم أردف بصوت خافت:
"إنه شعور غريب، وكأنني أراه فيك."
تردد روتو للحظة، ثم قال بنبرة دافئة:
"إن كان ذلك يخفف عنك أيها الأمير... يمكنك اعتباري أخاك."
توقف تحتمس عن الكلام لبرهة، ثم ابتسم ابتسامة مليئة بالعاطفة وربت على رأس روتو بحنان:
"شكرًا لك، يا روتو. شكرًا لك يا أخي."
في أثناء حديثهما دخل جالهان إلى المنزل، بدت علامات الإرهاق واضحة على جالهان. كان متعبًا جدًا، لدرجة أنه أمسك رأسه وهو يخطو ببطء ولم يلحظ حتى وجود تحتمس وروتو في الحديقة.
رآه روتو، وامتلأ وجهه بالفرح:
"تحتمس، انظر! جالهان قد عاد!"
ركض بسرعة نحو جالهان، مناديًا باسمه.
عندما اقترب منه، رفع جالهان عينيه، معتقدًا أن روتو سيعيد النقاش عن موضوع الملجأ. فقال بصوت مشحون بالغضب والإرهاق:
"روتو! قلت لك، انتهى النقاش. لن أرسلك إلى ملجأ..."
لكن روتو قاطعه فجأة، وأمسكه بقوة في حضنه، قائلاً بصوت متهدج من البكاء:
"لا! لم آتِ لأجل ذلك... أنا آسف، جالهان. بالغت في حزني وقلت كلامًا لم أقصده. أنا... أحبك."
نظر جالهان إليه بذهول لثوانٍ، وكأن كلماته أعادته إلى الواقع. جلس على ركبتيه ليكون في مستوى عينيه، واحتضنه بحرارة قائلاً بصوت خافت:
"لا بأس، يا روتو. لم يكن هذا خطأك. أنا أيضًا آسف... وأنا أحبك كثيرًا، يا أخي."
من بعيد، كان تحتمس يقف تحت الشجرة، يراقب المشهد بابتسامة صغيرة ونظرة دافئة. قال في نفسه بصوت بالكاد يسمع:
"يا أخي... ليتك كنت هنا لترى أنني تغيرت تمامًا."
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
<العمل من تأليف : سيلارا ( 𓊃𓇋𓂋𓍯𓇳)>
جميع الحقوق محفوظة،ويمنع النقل أو الاقتباس دون إذن.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ