في مكانٍ مجهول، بلا معالم واضحة،وسط الظلام، وقف طفلٌ ذو شعر فضيّ يتلألأ كضوء القمر تحت السماء المظلمة. عينا الطفل كانتا بلون زُرقة عميقة تشبه بحرًا هائجًا، وبشرته الناصعة البيضاء بدت متناقضة بشكل صارخ مع الدماء المتجلطة التي كانت تتساقط منه. خدوده التي احمرّت بلون الحياة، رغم جسده المُدمّى، كشفت عن ملامح لم تعد لطفل بل لشبح يحمل ماضٍ مليء بالعذاب.
{ورغم أن تلك الملامح قد تبدو غريبة عن المصريين، إلا أنها تعكس جمال أهل شمال مصر، من منتصفها وحتى حدود البحر الأبيض المتوسط، بألوانهم المتنوعة التي تحمل عبق التاريخ.}
لكن هذا الجمال لم يعد واضحًا. الطفل وقف هناك، مشوه الملامح، جلده ولحمه يتساقطان مع كل خطوة، كأنه مشهد من كابوس. عيناه الآن حمراوتان، تتوهجّان بلون الدم، ووجهه الذي لا يحمل ملامح واضحة يروي قصصًا من الألم لا يمكن تخيلها.
بضع خطوات خلفه، كان يقف شابٌ ذو شعر أسود كالليل، ببشرة بيضاء وعينين مختلفتي اللون؛ خضراء في اليمنى وزرقاء في اليسرى. عجز عن تصديق ما تراه عيناه. تساءل في داخله:
"هل ما أراه حقيقة؟ أهذا الطفل المشوه هو... الأمير كاين؟ هل يمكن أن يكون حيًا؟ لكنه مات... كيف؟"
اقترب الشاب بخطوات مترددة، قلبه ينبض بخوفٍ غير مألوف. مدّ كفه بتردد نحو كتف الطفل، ولم يدرِ ما الذي كان ينتظره. عندما لمس الكتف الصغير البارد، استدار الطفل فجأة.
ما رآه أمامه كان كابوسًا يتجسد: وجه الطفل لم يكن سوى بقايا جثة مشوهة، لا تحمل أي ملامح سوى الألم. عيناه الحمراوتان تحدقان فيه بغضبٍ لا يوصف، والدماء تنزف من كل شبرٍ في جسده. كانت تعابير وجه الطفل الوحيدة هي الرغبة في الانتقام.
تراجع الشاب، خطواته ثقيلة وكأنه يحمل جبالًا على صدره. ارتطم ظهره بالجدار، وسقط أرضًا. رغم أنه كان معتادًا على مشاهد الدماء والموت، إلا أن هذا المشهد هز كيانه. لم يكن أمامه جثة عادية... بل شقيقه الصغير. الطفل الذي قتله بنفسه.
"هل هذا... هو ما عانى منه أخي بسببي؟ كيف تحمل كل هذا الألم؟" تساءل في داخله، وعيناه تفيضان بالدموع.
تحرك الطفل نحوه بخطواتٍ بطيئة، كأنها دقات ساعة الموت. كانت عيونه تزداد توهجًا مع كل خطوة. اقترب منه حتى أمسك بعنقه بيدين صغيرتين لكنهما تحملان قوة الانتقام.
قال الطفل بصوتٍ خشن، كأنه صادر من أعماق الجحيم:
"أيها الأمير... سأقتلك بالطريقة البشعة التي قتلتني بها. سأنتقم منك على حياتي المسلوبة. أتفهم، أيها الأمير؟"
كان الشاب عاجزًا عن الكلام، وجهه الشاحب يروي حكاية الخوف والندم.
"أيها الأمير..."، تابع الطفل، صوته يزداد عمقًا وغموضًا.
"أيها الأمير... أيها الأمير..."
بدأ الصوت الخشن يتلاشى تدريجيًا، متحولًا إلى صوتٍ أكثر نعومة، صوت طفل صغير ينادي برفق. بدأت تلك الصورة الكابوسية تتلاشى، ليعم الظلام مجددًا، ثم بدأ صوت الطفل يتضح أكثر.
"أيها الأمير... أيها الأمير!"
كان ذلك صوت روتو، يوقظ تحتمس في الصباح الباكر لتناول الفطور. لكن تحتمس لم يكن يستجيب. بدا وكأنه ما زال محاصرًا في أثر حلمه المزعج. فجأة، انتفض من نومه مذعورًا، وكأن شيئًا ما انتزع أنفاسه. صاح بكلمة واحدة، "أخي!"، بينما جسده يرتجف، مما جعله يفقد توازنه ويسقط عن السرير.
جلس تحتمس على الأرض، يضغط بيده على صدره الذي كان يعلو ويهبط بشدة مع أنفاسه المتسارعة. أسند ذراعه اليسرى على حافة السرير، بينما كان ظهره منحنيًا قليلاً، وكأنه يحاول استعادة السيطرة على نفسه.
روتو، الذي كان يقف بالقرب، شعر بالقلق يتصاعد في داخله. الموقف أربكه، وخاصة الكلمة التي خرجت من شفتي الأمير، "أخي". لم يكن روتو متأكدًا مما إذا كان تحتمس يحلم بأخيه... أم أنه كان يعنيه هو.
اقترب روتو منه بخطوات حذرة، ونبرة صوته حملت القلق والاهتمام: "أيها الأمير، ماذا حدث؟ هل أنت بخير؟"
لم يستجب تحتمس في البداية، بدا وكأنه يتحدث إلى نفسه بصوتٍ مرتجف: "تلك المأساة... لقد تكررت مجددًا. مر وقت طويل على آخر مرة... لكنها كانت أشد ألمًا هذه المرة."
صوت الأمير المهتز أربك روتو أكثر. كرر بصوتٍ أكثر إصرارًا: "أيها الأمير، ما الذي جرى؟"
حينها فقط، انتبه تحتمس لوجوده. رفع رأسه ببطء، وعيناه تحملان مزيجًا من التعب والندم. قال بصوت هادئ: "روتو... لا شيء، لا تقلق. كان مجرد كابوس."
لكن روتو لم يكن مقتنعًا: "أيها الأمير، الكوابيس لا تجعلنا نسقط أرضًا بهذه الطريقة."
ابتسم تحتمس ابتسامة واهنة، كأنما يحاول طمأنته رغم كل ما بداخله: "ربما... ربما. لكن لا تشغل بالك، روتو. وأرجوك... لا تخبر جالهان بما حدث. هل تعدني؟"
تردد روتو للحظة، وكأنه يمزق بين قلقه على الأمير واحترام طلبه، ثم قال بهدوء: "أعدك."
تنهد تحتمس براحة، ونهض ببطء، مستندًا على حافة السرير. قال: "هذا جيد. أعذرني، سأذهب لغسل وجهي."
وقف روتو مكانه يراقب الأمير، وعقله مثقل بالتساؤلات.
"هل يعني هذا أن تلك المأساة تطارده حتى في أحلامه؟ أهو نادم على ما جرى؟" تساءل في نفسه، بينما شعور غريب بالشفقة والخوف يزحف إلى قلبه.
مرَّ اليوم بهدوء رغم كل ما حدث فيه، وجاء اليوم التالي، وهو اليوم الذي سينتقل فيه الطلاب إلى المدرسة الجديدة خارج القرية.
في ساحة التجمع، كان أحد المشرفين يصرخ بصوتٍ جهوري: "هيا يا طلاب، أسرعوا! ليس لدينا وقت لنضيعه، هناك موعد علينا الالتزام به!"
وسط تلك الحركة، كان يويا يقف بجانب روتو، وعيناه تلمعان بالحماس. قال بابتسامة واسعة:
"روتو، هذه ستكون مغامرة رائعة، أليس كذلك؟"
ردَّ عليه روتو بنبرة هادئة، مشوبًا بشيء من القلق:
"في الحقيقة، ليست مغامرة... بل هرب."
توقف يويا للحظة قبل أن يضحك وقال:
"أعرف هذا، ولهذا أسميها مغامرة! أليست المغامرات تبدأ دائمًا بشيء غريب أو خطير؟ أليس كذلك يا كودو؟"
كان كودو يقف خلفهما، يتردد قبل أن يجيب بصوت منخفض:
"أأ… أنا أتفق مع روتو."
تأفف يويا مستاءً، ثم قال:
"آه، الأمر ليس بهذه الخطورة، إنه مجرد إجراء احترازي. لا داعي للقلق!"
لكن كودو لم يكن مطمئنًا، فاعترض بخجل:
"لكن… أنا متوتر. سنقابل الكثير من الأشخاص الجدد، ونحن لم نعتد على هذا. كما أنني قلق من ألا نكون معًا في الفصل نفسه."
اقترب يويا منه، وضع ذراعه على كتفه وفرك رأسه بقبضة يده ضاحكًا:
"يا فتى، لا تكن بهذا القلق! من الطبيعي أن تخاف من الأشياء الجديدة. هذه هي المغامرة! أن تواجه مخاوفك وتتغلب عليها. وأيضًا، حتى لو لم نكن معًا في الفصل نفسه، فلا بأس. هذا الوضع مؤقت."
تنهَّد كودو وقال:
"لكن… الشكل المؤقت قد يدوم سنتين أو ثلاث!"
رفع يويا حاجبيه بدهشة ثم ضحك:
"كودو، لا تكن سخيفًا! حتى ولو، لن يبقى الوضع آمنًا إذا استمرينا خارج القرية كل هذه المدة. علينا أن نعود قريبًا."
أومأ كودو برأسه أخيرًا وقال بصوت خافت:
"معك حق..."
وسط حديثهم الصاخب، كان روتو صامتًا، يغرق في أفكاره الخاصة. نظر إلى الأفق وكأنه يبحث عن إجابة، وتحدث مع نفسه داخليًا:
"ربما لا يوجد ما يدعو للقلق... ربما لأنهم لا يخفون أسرارًا مثلما أفعل. أما أنا... فعليّ أن أحافظ على هذا السر. حياتهم تعتمد على بقائه طي الكتمان."
ثم تحول فكره إلى المدرسة الملكية القادمة، وظهرت عليه علامات التردد:
"المدرسة الملكية... آه، كم هو صعب حقًا إخفاء الأسرار. لدي أصدقاء هناك... أفتقدهم كثيرًا. ولكن، هل يمكنني أن أتعامل معهم على أنني شخص مختلف؟ أم الأفضل أن أبقى بعيدًا؟"
تنهَّد بصمت واتخذ قراره داخليًا:
"لا، من الأفضل أن أبقى بعيدًا عنهم... لحمايتهم."
وقف روتو بجوار حقيبته الصغيرة، وعيناه تنظران إلى الأرض بينما كان جالهان وتحتمس يقفان أمامه. الجو مليء بالمشاعر المختلطة، بين القلق والفخر والحنين.
جالهان (بانزعاج واضح): "روتو، اسمعني جيدًا. لا تنسَ أن تتناول وجباتك في الوقت المحدد، ولا تكثر من اللعب. ركز على دراستك، وابتعد عن المشاكل! وإذا شعرت بالتعب أو واجهت أي صعوبة، تواصل معي فورًا."
(يتوقف للحظة، ثم يضيف) "آه، ولا تنسَ أن تنام مبكرًا، فالمدرسة الجديدة تحتاج إلى النشاط والتركيز."
تحتمس (ضاحكًا): "جالهان، يكفي. لن يذهب روتو إلى ساحة معركة، بل إلى مدرسة! لا تقلق كثيرًا، إنه يعرف ما عليه فعله."
ثم ينظر إلى روتو بابتسامة مشجعة: "روتو، كن رجلًا هناك. أنا أثق بك. وأيضًا... قد تلتقي ببعض أصدقائي هناك. إذا حدث ذلك، فلا تخجل. تحدث إليهم بثقة."
روتو (يرفع رأسه أخيرًا ويبتسم بخجل): "سأفتقدكما كثيرًا، لكنني سأكون رجلًا كما طلب مني الأمير تحتمس. لا تقلقا عليّ، سأكون بخير وسألتزم بالتعليمات."
جالهان (غير مقتنع): "تأكد أنك ترتدي ملابسك الدافئة إذا برد الطقس، ولا تنسَ أن..."
(يقاطعه تحتمس بخفة): "جالهان! هل تريد أن تبقى هنا طوال اليوم تعطيه تعليمات؟"
روتو (يضحك بهدوء): "لا تقلق، جالهان. سأفعل كل ما طلبته."
اقترب جالهان من روتو واحتضنه بقوة، وهمس: "أنت مثل أخي الصغير يا روتو. سأشتاق إليك. اعتنِ بنفسك."
بينما وقف تحتمس بجانبهما، وضع يده على رأس روتو وربّت عليه قائلاً: "تذكر دائمًا، نحن نثق بك."
تحركت العربة التي ستقلّ روتو، ولوّح له جالهان وتحتمس. كانت نظراتهما مليئة بالحنين، بينما اختفت العربة تدريجيًا في الأفق.
في الطريق إلى المدرسة الجديدة، بدأ المعلم يويا يتحدث بنبرة حازمة ولكن هادئة، محاولاً زرع الشعور بالمسؤولية والانضباط في قلوب الطلاب. قال: “استمعوا جيدًا لما سأقوله، يا طلاب. في المدينة الجديدة ستتغير أسماء عائلاتكم، وسيكون عليكم التعايش في السكن المدرسي. لقد رتبنا الأمر بحيث يكون كل ثلاثة أو اثنان معًا في نفس الفصل، حتى لا تشعروا بالغربة. هذه الغربة قد تدفعكم إلى الشك في من حولكم، وهذا خطر لا يمكننا السماح بحدوثه. أهذا واضح؟”
رد الطلاب بصوت موحد: “نعم يا معلم!” لكن وسط هذا الصوت الجماعي، ظل روتو صامتًا. عيناه شاردتان، وكأن عقله قد انتقل إلى عالم آخر.
واصل يويا حديثه، موضحًا خطة السفر: “سنستريح في منتصف الغابة لمدة يومين. بعد الاستراحة، سنتفرق إلى مجموعات. سيكون كل معلم مسؤولًا عن ثلاثة طلاب على الأقل، ولن نكمل الطريق معًا. بل سنصل إلى المدينة على فترات متباعدة، لتجنب لفت الأنظار. المجموعة الأخيرة ستبقى مدة أطول، تصل إلى ثلاثة أيام.”
توقف يويا لبرهة، وكأنما أراد التأكيد على أهمية كلماته، ثم أكمل: “يجب أن تكونوا حذرين للغاية أثناء فترة الاستراحة. المكان الذي سنقيم فيه قريب من الجزء المحظور من الغابة. لا أريد أن يجرؤ أحد على الاقتراب من هناك. هل كلامي واضح؟”
رد الجميع مرة أخرى: “نعم يا معلم!” لكن روتو، بدلاً من أن يجيب، شعر برجفة غريبة تجتاح جسده. كانت فكرة “الجزء المحظور” تثير شيئًا عميقًا بداخله، وكأن نداءً خفيًا يحاول سحبه نحو المجهول.
عندما وصل الطلاب إلى موقع الاستراحة، كان كل شيء يبدو عاديًا. الضحكات الخافتة هنا وهناك، وأحاديث الأصدقاء الذين بدؤوا بالتكيف مع الرحلة. جلس روتو مع صديقيه، محاولًا إخفاء قلقه المتزايد. لكن داخله، كان شيئًا يتآكل.
في البداية، بدا الأمر كأنه مجرد شعور مزعج، لكنه سرعان ما تحول إلى حقيقة لا يمكن إنكارها. سمع روتو صوتًا، غناءً خافتًا يصدر من أعماق الجزء المحظور. كان الصوت جميلًا بشكل لا يمكن وصفه، ولكنه محمل برهبة خفية تجعل القلب يرتجف.
“هل تسمعون ذلك؟” سأل روتو، لكن صديقيه نظرا إليه بحيرة. “لا شيء هنا سوى الصمت. ربما تتخيل فقط.”
لكن روتو كان واثقًا مما سمعه. كان الصوت يناديه بلحن يشبه التنهدات: “هآآآآآههآآ”. كلما زادت حدة الصوت، ازداد شعوره بالحيرة والخوف.
“هذا الصوت... يبدو كما لو أنه يناديني. لكنه من الجزء المحظور...” فكر روتو. “إذا ذهبت إلى هناك، سأتسبب بالمشاكل. لكنني لا أستطيع تجاهله.”
رغم كل التحذيرات، لم يستطع روتو المقاومة. قال لنفسه: “لن تكون هناك مشكلة إذا تتبعت الصوت سريعًا وعدت قبل أن يلاحظ أحد غيابي.” نهض بهدوء، متسللًا إلى أعماق الغابة.
مع كل خطوة يخطوها داخل الغابة، كان الظلام يزداد كثافة بشكل غير طبيعي، بالرغم من أن النهار كان في ذروته. أشجار عالية متشابكة، أوراق كثيفة تخفي السماء، وصمت ثقيل يلف المكان.
كلما تقدم أكثر، ازداد الغناء وضوحًا وقوة. فجأة، توقف الصوت للحظات ثم عاد، لكنه هذه المرة أكثر حدة وأكثر إلحاحًا.
كان الصوت يزداد وضوحًا، لحنًا آسرًا يقوده نحو المجهول. سار روتو بخطوات مترنحة، وهو يشعر أن الطريق يمتد بلا نهاية. وبينما كانت الأشجار تحيط به كأنها جدران، بدأ يشك في قراره.سرعان ما أدرك روتو أنه قد ضل الطريق؛ الأشجار من حوله بدت متشابهة بشكل غريب، وكأنها تعمدت حجب معالم الطريق. مع كل خطوة يخطوها، كان الصوت يزداد حدة ووضوحًا، حتى أن صدى الصوت كان يرن في أذنيه كأنها نداء حتمي لا مفر منه.
ظل يتبع الصوت، وكأن شيئًا أكبر منه يسيطر على حواسه ويدفعه إلى الأمام، حتى وصل إلى قصر مظلم ارتفعت جدرانه العالية شامخة وسط الغابة، كأنها بقايا ماضٍ مُرعب تُقاوم الزمن. القصر كان يبدو مهجورًا منذ أمد بعيد، لكن الصوت كان يأتي منه بوضوح. لم يجد روتو خيارًا آخر سوى الدخول.
بخطوات مترددة، تسلل داخل القصر. تصميمه كان غريبًا؛ جدرانه تحمل نقوشًا متداخلة، وأرضيته مغطاة بغبار كثيف يخفي ماضي المكان. لكن رغم ذلك، كانت هناك أشياء توحي بالعظمة المندثرة. وصل إلى شرفة تطل على حديقة قد ذبلت منذ أمد طويل. منظر النباتات الذابلة والأرض القاحلة جعله يشعر بحزن عميق، وكأن المكان يبكي على زمن كان فيه نابضًا بالحياة.
بينما كان روتو يحدق من الشرفة، تساءل في نفسه: هل كان من الصواب أن أتبع هذا الصوت؟ هل اكتشف أحد غيابي؟ لكن فجأة، عاد الصوت مرة أخرى، أعلى وأكثر إلحاحًا، كأنه يأمره بالتحرك. هذه المرة، كان الصوت يحمل نغمة تهديد مبهمة، مما دفعه للمضي قدمًا.
قاد الصوت روتو إلى مكتبة ضخمة، حوائطها مغطاة برفوف متآكلة مليئة بالكتب. كل كتاب كان يحمل عناوين غامضة ومجهولة، وكأنها أسرار لم يُرد أحد أن يكتشفها. وبينما كان يحدق في الرفوف، وجد بابًا سريًا مخفيًا خلف أحد الكتب، وما إن فتحه حتى وجد نفسه في غرفة صغيرة مليئة بالشموع المضيئة وكتاب واحد في المنتصف. كان الكتاب مفتوحًا ويشع بضوء غريب.
من ثم، بدأ الصوت يتحدث: "إن كنت تريد معرفة الحقيقة، عليك الذَّهاب إلى أطهلن." ثم تغيرت النغمة إلى نغمة تحذير وأضاف: "أنقذ أهل قريتك قبل أن يكون مصيرهم مثل مصير أهل المدينة التي كانت هنا. عليك إنقاذ قرية خيتو."
شعر روتو بالارتباك: "لكن كيف أفعل هذا؟ أنا مجرد طفل، لا أستطيع فعل شيء كهذا."
رد الصوت بحزم: "اذهب إلى أطهلن. سأساعدك على الوصول هناك وسأرشدك للخروج من هذا المكان، لكن عليك أن تفعل ما طلبته منك. هناك شيء آخر: عليك الحذر من كيرا، الوحش الذي استولى على هذه المنطقة."
تسارعت دقات قلب روتو عند سماع اسم كيرا: "كيرا؟"
أجاب الصوت بنبرة حاسمة: "إنه الوحش الذي تسبب في كل ما أنت فيه الآن. هيا، عليك العودة الآن. سأرشدك لطريق العودة، لكن هل أنت موافق؟"
تردد روتو للحظة، لكنه استشعر خطورة الموقف، وردد بصوت خافت: "لا... أنا...أنا....،حسنا أنا موافق. سأفعل ما طلبته مني.
الصوت أجاب برزانة: "حسنًا، سأرشدك إلى طريق العودة، لكن لتعلم أنه لو كنت قد رفضت طلبي، لما كنت لأساعدك، لأن الأمر حينها لن يجدي نفعًا." (يقصد ان العهد قد خرق وكيرا سيصنع مشكلة في كل الاحوال لذا لن يكون هناك جدوى من عودة روتو لو لم يكن ليساعد)
تحول الصوت فجأة إلى وميض باهت أشبه بنجم يهتدي به المسافر في ليلة مظلمة. تبع روتو ذلك الضوء المتراقص في صمت، وقد انتابت قلبه خليط من الارتياح والحذر. خطواته كانت مترددة، وعيناه مسلطة على الطريق، لكنه لم يكن يستطيع نسيان ما شاهده وما سمعه.
من برج القصر المظلم، وقف كيرا، ينظر إلى روتو الذي يغادر القصر، وعيناه مشتعلة بنظرات تنذر بالخطر. شفتاه انفرجتا عن ابتسامة شريرة، وصوته ارتفع بالكلمات:
"إذًا، أنت كاين؟ لم تمت بعد، أيها الوغد! لا أصدق أنك نجوت من الموت المحتوم. يبدو أن لديك سبع أرواح كالقطط!."
ضحك كيرا، ضحكة مشوبة بالغرور، قبل أن يضيف: "لكن لا تقلق، سأطاردك حتى أقضي على كل أرواحك هذه، واحدة تلو الأخرى. ظننت أنني أنهيت قصتك بطريقة مأساوية، بجعلك تموت بيد أخيك. لكن يبدو أن خطتي قد باءت بالفشل..."
توقف للحظة، ثم قال بسخرية: "لا بأس، فالأخوان معًا في نفس المكان الآن. لا تزال لدي فرصة لصنع النهاية التي أريدها. لكن أولًا... يجب أن يعرف تحتمس من يكون روتو،يجب أن يعرف أن روتو هو كاين. وعندما يكتشف جالهان أن شقيقه العزيز قد خدعه طوال هذا الوقت... هههه! أريد أن أرى وجهه حينها."
عاد روتو إلى مكان أصدقائه. كان وجهه شاحبًا قليلًا، لكنه حاول التظاهر بأن شيئًا لم يكن. قلبه كان يضطرب كأمواج هائجة، لكنه أجبر نفسه على الهدوء حتى لا يثير شكوك من حوله.
تكلم شخص ما بصراخ:
"هذا لن يكون أبدًا!"
لكن يا معلمي، لقد قلت إن من ضمن ما قاله لك الأمير في رسائله أن شقيق قائد القرية هو الناجي الوحيد من مجزرة أمستردام، وأن ذلك الصبي نسخة طبق الأصل من الأمير الراحل، والأدهى من ذلك أن اسمه روتو.
قال المعلم:
"قلت لك من قبل: لا! لقد أرسلته إلى الموت هناك بيدي، بينما كنت أنقذه من الموت هنا. لقد انفطر قلبي عندما علمت بإبادة كل من في تلك القرية. كنت لا أعلم أأحزن على صديق عمري الذي مات هناك، أم أحزن على تلك الأمانة التي أودعتها له."
(يقصد روتو)
أخفض المعلم رأسه، وأضاف بصوت مثقل بالأسى:
"والآن، وبعد أن تأكدت أنه لا يزال على قيد الحياة، تطلب مني أن أذهب لرؤيته؟ هل تريد مني أن أسبب له الأذى؟ هل تظن أن بإمكان أي أحد الذهاب إلى هناك؟ لقد كان حدوث ذلك معجزة." (يقصد دخول روتو للقرية السرية خيتو).
يوري، الذي كان يستمع بإمعان، تنهد وقال بصوت هادئ:
"نعم يا معلمي، أعلم ذلك. وأعلم أيضًا أن شخصًا واحدًا في كل جيل يحتفظ بسر تلك القرية. وأعلم أيضًا أنك كنت لتختار كاين وريثًا لك لولا تلك الأحداث التي جرت."
وضع المعلم يديه على كتفي طالبه قائلاً، وهو يحدق في عينيه بحنان وصدق:
"نعم، أنا أحب كاين، ولكن أنت الآن تلميذي، لا هو. صحيح أنني لا أتقبل فكرة أن كاين أصبح ذكرى من الماضي، لكن هذا لا يعني أنني لا أحبك أيضًا. فأنت الآن تلميذي. هل فهمت يا يوري؟"
ابتسم يوري ابتسامة خفيفة، ثم أردف قائلاً:
"نعم يا معلمي، لقد فهمت."
__________________________________________________
"وهكذا أسدلنا الستار على أحداث الجزء الأول من هذه القصة، طاوين صفحات حافلة بالمغامرات والغموض، لنترك خلفنا مشاعر مختلطة من الحنين والتشوق لما يحمله الجزء القادم."
________________________________________________________________________________________
العمل من تأليف:سيلارا ( 𓊃𓇋𓂋𓍯𓇳)
جميع الحقوق محفوظة ،ولا يسمح النقل أو الاقتباس دون إذن.
________________________________________________________________________