في مبنى مهجور ابتلعه الظلام كله، كان صوت الخطوات هو الشيء الوحيد المسموع، بينما الجثث والدماء متناثرة في كل مكان بشكل فوضوي. وسط هذا المشهد الدموي كان شاب ذو شعر رمادي وعيون فضية يرتدي نظارات شفافة.
نظر يمينًا ويسارًا ليطلق رصاصته مخترقة دماغ عدوه. سقطت الجثة. فورًا ظهر عددٌ من الرجال فجأة حول الشاب مهاجمين عليه بأسلحتهم.
دوى صوت سقوط الأجسام واحدًا تلو الآخر. قام بنحرهم وقطع رؤوسهم جميعًا باستخدام خنجره.
ركع الشاب، وأمسك أحد رؤوس ضحاياه ونظر إليه مطولًا ليتحدث بصوت عميق: «من المؤسف عدم معرفتك لاسم قاتلك، على أي حال اسمي كاين، كاين فقط، لا شيء آخر».
رمى كاين رأسَ جثةٍ بعيدًا ليتدحرج ويترك طريقًا من الدماء. بقي يتجول في المبنى باحثًا عن ضحايا جدد إلى أن سمع صوت الشرطة. التفت بعيونه ليجد نافذةً كبيرة.
قفز كاين منها ليهبط من الطابق العشرين إلى الأرض.
ما إن لامست قدماه الأرضَ حتى شرع بالركض دون وجهة محددة، حتى توقف بدون سابق إنذار؛ نظر نحو يساره ليجد عصابةً كاملةً تنتظره، كان عددهم يفوق مئة رجل، إضافةً إلى أنهم جميعًا يحملون أسلحة خطيرة.
«أهلاً بالمغتال الشاب، كنا ننتظرك منذ فترة طويلة»، ابتسم زعيم العصابة الذي كان في مقدمتهم.
نزع كاين نظاراته ومسحها من الدم حتى أعاد ارتدائها.
اندفع نحو ذلك الحشد الكبير مقطّعًا رؤوسهم واحدًا تلو الآخر. لم تكن لهم فرصة حتى ليهجموا عليه في نفس الوقت لأنهم كانوا قد قُتلوا.
بدأ بأمساك رؤوس الجثث ورميها بقوة كبيرة على الأعداء، انطلقت رؤوس كالسهام مخترقة صدورهم.
بقي يقتل ويسفك الدماء حتى مات الجميع.
وسط بحر الدماء وجثث ساقطة ووجوه مشوهة وقف كاين في الوسط، نظر نحو الرجال الميتين نظرة جانبية مزدرية.
«أظن أنه لا حاجة لإخبار من أقتلتهم باسمي، في النهاية لا أحد يتذكر أسماء القتلة».
مشى كاين بإيقاع هادئ، ثم أخرج هاتفه وقربه لأذنه. «مرحبًا أيها المدير، لقد أتممت المهمة بالفعل».
«يمكنك الذهاب إلى البيت الآن».
مشى كاين بخطوات متزنة نحو بيته الصغير، فتح الباب وتوجه مباشرة نحو سريره ليمتد عليه.
نظر نحو النافذة مطولًا حتى أخرج خنجريه؛ أحدهما باللون الأحمر والآخر بالأزرق.
بدأ يسمع أصوات سيارات الشرطة العالية المزعجة. كانت تخرج في دورات يومية مكثفة منذ مدة طويلة، وكان كاين يعلم بهذا لكنه لم يهتم.
لمس جيوبه ولم يجد ما كان يريده: المال.
«ذلك المدير اللعين لم يدفع لي حق ثلاث مهمات متتالية، سأقتله في وسط بيته إن لم يدفع لي»، زمجر كاين بغضب.
كان المال ضروريًا جدًا تلك الليلة، ضروريًا أكثر من أي وقت مضى؛ فهو لا يملك حتى حق تناول العشاء.
نهض من السرير وخرج من بيته الصغير محاولًا تبديل هذا الجو الكئيب. بعد التجول في شوارع المدينة التي كان الليل قد ابتلعها، تسللت فكرة إلى ذهن كاين: الاتصال بمديره.
أخرج هاتفه وضغط على رقم مديره: «مرحبًا أيها الكهل، يبدو أنك لم تنم بعد، هذا جيد حقًا».
«لماذا تتصل بي أيها الحثالة في وقت كهذا؟» زمجر المدير.
سكت كاين لثوانٍ حتى تكلم بصوتٍ عالٍ مزعج: «ربما اشتقت إليك، أعطني أموالي أيها الوغد الحقير أو سأقتلك وأنت بين زوجتك وأبنائك».
غرقا في صمت طويل بعد تهديد كاين، إلى أن نطق المدير بكلمات مشحونة بالغضب: «هلم إلي إذا، هل تظن أن تقدمي في السن جعلني ضعيفًا؟ سأقتلك بالطريقة التي تريدها، فقط تعال، أنا أنتظرك».
أغلق المدير الخط بينما كاين ينظر إلى هاتفه بعبوس شديد؛ ضغط عليه بقوة إلى أن تحطم الهاتف إلى قطع.
«هل تستهزئ بي أيها الخرف؟ لم تعطني مالي وفوقها تهددني بالقتل، سأجعلك تتوسل إلي».
حقيقة الأمر أن كاين من بدأ بالتهديد بالقتل، لكنه ركز على رد فعل مديره ونسي رد فعله هو.
انطلق بكل سرعته نحو منزل مديره. وصل إلى وجهته الآن، لمس مقبض باب للدخول مباشرة حتى توقف فجأة.
«مهلاً، ربما تكون زوجته وبناته في البيت، سيقتلني حقًا إن دخلت عليهم».
كان من حسن حظه التفكير بهذا الأمر، لكن كاين ليس خائفًا من مسألة أن يقتله مديره إن دخل على زوجته وبناته، بل هو مرتعب من مسألة طرده من العمل إذا فعلها.
رجع إلى الخلف بخطوات كثيرة، استقر وثبت قدميه بقوة.
اندفع بسرعة ليدخل عبر نافذة.
«هل هذا صوت تكسر الزجاج؟ هل جاء ذلك اللعين لي حقًا؟»
نهض المدير، هلعًا راكضًا نحو أسرته ليجد زوجته نائمة وسط بناتها الصغار.
تنهد المدير بارتياح كبير، لكنه ما زال يبحث عن كاين إذ به حائرٌ إلى أين يذهب.
كان يريد الذهاب والتفتيش في أماكن أخرى لكنه كان خائفًا أن يأتي كاين إلى غرفة المعيشة حيث تتواجد أسرته.
بينما هو يفكر بطريقة لإيجاد الحل ارتعش جسده فجأة من نية قتل شديدة؛ أدرك أن كاين في الأعلى ينتظره.
صعد المدير إلى الأعلى بسرعة كبيرة مع خطوات غير مسموعة حتى لا يوقظ زوجته.
وصل المدير إلى الطابق العلوي ليجد كاين أمامه، إذ هي مجرد بضع خطوات تفصلهما.
«مرحبًا بك أيها المدير الرخْف، يبدو أنك كنت تنتظرني على أحر من الجمر».
«إن فعلت شيئًا غبيًا يوقظ عائلتي فسأقتلك، يا كاين».
أطلق المدير نية قتل طاحنة، امتلأت الغرفة ببرودة شديدة.
«رغم اعتزاله ومرور كل هذه السنوات ما زال يمتلك كل هذا الحضور والقوة المرعبة، من الجيد حقًا أنك مديري»، تمتم كاين بينما ارتعشت زوايا شفتيه.
رفع كاين يديه ولوح بهما مع ابتسامة عريضة لونت وجهه: «أمزح أمزح يا رجل، لا تأخذ الأمور بجدية، لقد جئت لكي تعطيني أموالي فقط».
ضيق المدير عينيه مع بروز العروق عليهما: «ماذا إذا مع نية القتل الشديدة تلك، مع اقتحامك بيتي بتلك الطريقة، بعد كل هذا لا تريد مني قتلك؟»
«حقيقة الأمر أنني مفلس الآن، لا أمتلك أكلًا ولا أي شيء، فقط سقف أنام تحته».
غرق الاثنان في صمت طويل حتى بادر المدير بالتكلم: «وماذا تريدني أن أفعل لك أنا الآن؟»
ابتسم كاين محاولًا إخفاء غضبه الكبير من المدير: «أريد مالي، فبعد ما أخبرتك بذلك أظن أنك تعرف أنني أحتاج مالًا أكثر من أي وقت مضى».
ضيق المدير عينيه حتى كادت تنغلق بينما كاين يترقب إجابته.
«لن أعطيك المال، أو لأكون دقيقًا أكثر، لا يمكنني إعطاؤك المال».
تجمد كاين حتى أصبح مثل تمثال حجري؛ توقفت شفتاه عن الحركة بينما ينظر إلى مديره.
فورما أنهى المدير كلامه، برزت العروق في وجه كاين كأنها نهر من غيظ.
«هل أنت واعٍ لما تقوله الآن، أم أن تقدمك في العمر أثر عليك؟» زمجر كاين.
تقدم المدير بخطوات سريعة ليستقر أمام كاين، ضغط على كتفه بقوة حتى مسك قميصه، ليقذفه من المنزل بعيدًا محطّمًا جدار المنزل. طار كاين في الهواء عاليًا.
سقط في أحد الحدائق العمومية. لم يقف كاين وبقي في وضعية سقوط بدون حراك إلى أن نزع نظاراته التي تكسرت بالفعل.
«إن لم تدفع لي مالي بالطريقة السلمية فسأجعلك تدفعه بالطريقة التي أبرع فيها».
تحرك كاين محاولًا الوصول إلى منزل مديره بأقصى ما يمكن، كان يريد قتله حقًا.
اندفعت رغبة القتل منه لدرجة أنها وصلت إلى المدير.
اخترق البيوت والمباني كالرصاصة، استقر في نقطة ما إلى أن قفز عاليًا.
نظر كاين نحو مديره الذي يقف كصنم في أعلى بناية.
«ما زال سريعًا كما في شبابه، قد يقتلني إن استهنت به»، تمتم كاين.
أخرج المدير حبلاً طويلاً ولفه على ذراعه مظهرًا ابتسامةً متوحشة.
«هل تتذكر هذا الحبل يا كاين؟ متأكد أن بعض ذكريات عادت إليك».
انطلق الحبل ليلتف حول قدم كاين، جذبه المدير بكل قوة.
ما إن وصل إلى المدير حتى خنقه ورفعه إلى الأعلى. تكلم كاين بصوت مخنوق: «هل ستقتل عميلك المفضل الذي تعتمد عليه في كل شيء؟ ستكون هذه خسارة للعمل».
عبس المدير : «للأسف لن أخسر أي شيء إن قتلتك».
غرق الاثنان في صمت طويل.
«فبعد كل شيء انتهى العمل وتم توقيف كل شيء».
انكمش صوت كاين في حنجرته، توقف عن التنفس لبضع ثوانٍ بينما نظر المدير إليه بدون تعبير محدد، فتح قبضته ليسقط كاين على الأرض.
لم يستطع أي منهما التكلم أو التلفظ حتى كلمة واحدة الى أن نظر المدير إلى كاين بتركيز.
«الآن يمكنك الرحيل، فلا يوجد أي مال لكي أعطيه لك. يمكنك البحث عن عمل آخر أو الانضمام إلى منظمات الاغتيال، ففي النهاية عملنا لم يكن سوى عملٍ جزئيٍ منسي».
«اخرس أيها الكهل الحقير، أنت تعلم أكثر من غيرك أنني لا أريد عمل إلا عندك، أنا أكره المنظمات، أكره العمل عند أولئك الذين يمتلكون سلطة ويتحكمون في كل شيء»، صرخ كاين بغضب.
تبادل الاثنان نظراتٍ مطوّلة حتى رفع المدير يده ومد إصبعه نحو كاين: «هذه المشاعر والأحاسيس والرغبات تخصك أنت وحدك، لا شأن للآخرين بها ومنهم أنا».
«لا تهمني مشاعرك أبدًا. يمكنك إيجاد حلٍّ لوحدك».
اختفى المدير مباشرة بعد كلامه؛ لم يستطع كاين استشعاره أبدًا.
بعد هذا القرار البائس الذي سمعه كاين، كان عليه إيجاد حلٍّ ما، لكنه ليس من ذلك النوع.
في النهاية هو متعصّب لقرار واحد: عدم العمل عند المنظمات. لم يكن عمله مشابهًا لعملهم، بل كانت أوامر من عند المدير أقرب إلى مهمات شخصية من مهمات هدفها الحفاظ على عدالة في الخفاء.
وقف كاين وابتسم بمرارة، رفع نظره نحو الأعلى حتى تشكلت أمامه ذكرى ليست بعيدة.
«الشرطة، صوت سيارتهم وهم يخرجون كل يوم في دوراتٍ مكثفة».
تكسرت ابتسامته بين ضلوعه، قفز بين المباني إلى أن وصل إلى بيته.
لم يكن يمتلك الأكل أو المال وعمله اختفى، تاركًا خلفه فراغًا مريرًا.
«أهذا هو شعور أن تكون عاطلًا عن العمل؟ إنه شعور سيء حقًا»، تمتم كاين.
وسط هذا الجو الكئيب سمع كاين صوت طرق الباب. من سيأتي له في مثل هذا الوقت بحق خالق الجحيم؟
نهض بسرعة وفتحه ليجد أمامه رجلاً في منتصف العمر تظهر عليه تجاعيد كثيرة وآثار عدم النوم.
لم يمنحه تعبيرًا محددًا بينما الرجل ابتسم؛ هذا أزعج كاين حقًا.
«مرحبًا، لدي رسالةٌ لك».
«يمكنك الموت أنت ورسالتك».
فتح يده، فانتصبت أصابعه إلى عنق الرجل كما تنساب الظلال على الجدار.
ضغط على عنقه بقوةٍ كبيرةٍ إلى أن أصبح تنفّس الرجل صعبًا ومستحيلاً؛ حاول أن يتكلم لكنه نطق بكلمات غير مفهومة.
لحظاتٌ إلى أن مات مخنوقًا متعذبًا.